عمود : محور اللقيا
هذه مقالة ثالثة في سلسلة مقالات ثلاث عن الوضع السياسي في السودان . المقالة الأولى كانت قبل أسبوعين بعنوان ( الإنقاذيون و مأزق المرور من عنق الزجاجة ) , و المقالة الثانية كانت قبل أسبوع و بعنوان ( أمثلة لرؤساء للإحتذاء بهم ) . بإختصار شديد و لمصلحة القاريء الذي ربما لم يطلع على المقالتين السابقتين سوف أورد أهم ما جاء فيهما . في المقالة الأولى أبنت أن نظام الإنقاذ لا يختلف في شيء عن الأنظمة العربية التي تهالكت أو التي على وشك التهالك بفعل الإنتفاضات الشعبية , فهي كلها أنظمة عسكرية ديكتاتورية قمعت شعوبها و حكمتهم عن طريق أجهزة الأمن و التسلط و مصادرة الحريات و قهر المعارضين و التلاعب بالقوانين و العوث فسادا في ممتلكات الدولة مع غياب الرقيب المحاسب ثم الإستنادعلى حزب يلم شمل المتسلطين و يتيح لهم الشرعية القانونية بتحولات ديموقراطية صورية ديدنها التزوير . هذا حالهم جميعا .
لقد أبنت للإنقاذيين أنهم إن أرادوا تجنب مصير الأحزاب المتساقطة فعليهم بتغيير مسارهم , و ضربت لهم أمثلة بالتغييرات التي حدثت على فكر الإسلاميين في تونس و في مصر , فبعد عودة الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية من منفاه في بريطانيا بعد رحيل زين العابدين بن علي و في مؤتمر صحفي أبان أن حزبهم هو حزب إسلامي و ديموقراطي يشبه كثيرا حزب العدالة و التنمية في تركيا . أيضا في مصر أوضحت جماعة الإخوان المسلمين عند تكوينهم لحزب سياسي بإسم حزب الحرية و العدالة أنه حزب مدني يضم في عضويته المسلمين و غير المسلمين و يمكن لغير المسلمين أن يحتلوا المناصب القيادية فيه و هو حزب ملتزم بالتحولات الديموقراطية في حرية الراي و التعبير و في التعددية الحزبية عن طريق الإنتخابات و تساوي الناس أمام القانون و أن الأمة هي التي تجيز الدستور . لقد نصحت الإنقاذيين و أنا ناصح أمين أن خيارهم الوحيد للنجاة هو إتباع خارطة طريق التحول الديموقراطي الحق و القبول بتكوين الحكومة القومية الإنتقالية التي تقود إلى إجراء إنتخابات حرة و نزيهة تجنب البلاد إراقة الدماء و الإحتراب , و لا ضير في تساويهم في الفترة الإنتقالية مع بقية الإحزاب ما داموا هم مقتنعون و يرددون بمناسبة و بدون مناسبة أنهم منتخبون من الشعب في الإنتخابات الأخيرة بنسب عالية , فلماذا لا يقبلون بذلك ؟
في مقالتي الثانية و تعزيزا لمقترحي بخارطة الطريق الديموقراطي ضربت للإنقاذيين أمثلة لرؤساء قد قفزوا إلى السلطة أو حاولوا ذلك بقوة الإنقلابات العسكرية و الحركات الثورية و لكنهم إرتضوا التوجه الديموقراطي الذي أعادهم إلى الحكم  بعد ذلك على أسنة الأصوات الإنتخابية . هؤلاء الرؤساء الثلاثة هم أولوسيجون أوباسانجو الذي كان رئيسا لنيجريا بعد إنقلاب عسكري من 1976 إلى 1979 ثم إرتضى التحول الديموقراطي و أجرى إنتخابات لم يترشح فيها و غادر كرسي الرئاسة و لكنه عاد و ترشح في إنتخابات 1999 و فاز فيها و صار رئيسا منتخبا لنيجريا و لدورتين رئاسيتين حتى عام 2007 . الرئيس الثاني هو هوغو شافيز رئيس فنزويلا الحالي , فقد قام بإنقلاب عسكري للإستيلاء على السلطة في عام 1992 و لكنه فشل فزج به في السجن ثم خرج منه ليكون حزبا سياسيا يدخل به إنتخابات 1998 و يفوز فيها ليصبح رئيسا منتخبا لفنزويلا و لا زال يجلس على كرسي الرئاسة . الرئيس الثالث هو دانيل أورتيقا رئيس نيكاراغوا الحالي , فقد أتى إلى السلطة عن طريق الجبهة الساندينية للتحرر الوطني ليصير رئيسا لنيكاراغوا في عام 1985 , و لكنه بناء للدعوات الداعية للتحول الديموقراطي خاصة من حركة الكونترا أجرى إنتخابات حرة و نزيهة و لكن فازت فيها مرشحة المعارضة , و صار هو يحاول و يعدل من سياساته حتى فاز في إنتخابات 2006 ليصير رئيسا منتخبا لنيكاراغوا و لا زال يجلس على كرسي الرئاسة
للحقيقة و للتاريخ إنني أرى أن ثلاثة فقط من الرؤساء الأفارقة– العرب الذين أتوا إلى السلطة عن طريق الإنقلابات العسكرية قد إرتضوا التحول الديموقراطي و أقاموا إنتخابات حرة و نزيهة دون أن يرشحوا أنفسهم ثم تركوا السلطة و ذهبوا إلى سبلهم . أولهم ألوسيجون أوباسانجو 1976 – 1979 كما أوردت أعلاه , و ثانيهم إبراهيم بابانجيدا 1985 – 1993 في نيجريا أيضا , و ثالثهم أعلى ولد محمد فال 2005 – 2007 في موريتانيا الذي أعلن عن إصلاحات دستورية و برنامج إنتقالي لمدة سنة و نصف لتسليم نظام الحكم لنظام ديموقراطي منتخب و أوفى بما وعد . إنني لم أضم المشير عبد الرحمن سوار الذهب 1985 – 1986  لهؤلاء الثلاثة نسبة لأن الجيش في إنتفاضة أبريل الشعبية قد إنحاز إلى الشعب بعد أن أوشك نظام جعفر نميري على السقوط حقنا للدماء و صونا لأمن البلاد , كما أوردت في مقالة لي سابقة قارنت فيها بين المشير سوار الذهب و المشير محمد حسين طنطاوي في مصر , و لكن الإعلام العربي هو الذي جعل من إلتزام سوار الذهب بإجراء إنتخابات حرة بعد عام عملا غير مسبوق , رغم أن المتنفذين الحقيقيين في المجلس الأعلى للقوات المسلحة كانا اللواءان تاج الدين عبد الله و عثمان عبد الله و أتوا بالمشير بحكم أعلاهم رتبة !
ربما لا يعرف الكثيرون خارج السودان أن شباب السودان قد تحركوا منذ 30 يناير 2011 و خرجوا في مظاهرات سلمية و معلنة و لكن تصدت لهم أجهزة الأمن بكل عنف و ضراوة و إعتقلت الكثيرين منهم , و حاولوا مرة أخرى في 03 فبراير 2011 و لكن إستبقتهم أجهزة الأمن و قامت بإعتقال الداعين للمظاهرات و المنظمين لها , و لم يكن تجاوب الشارع كبيرا . لقد حاولت أن أفسر سبب ذلك في مقالات سابقة رددت فيها الأمر إلى غياب النقابات الحرة الممثلة للشعب , و إلى إرهاب الشعب طيلة العشرين عاما الماضية و تضييق الحياة عليهم , و إلى ضعف أحزاب المعارضة التي هرم قادتها , و إلى تجميد القادرين منهم للتحرك إلى حين الإنتهاء من إتفاقية سلام نيفاشا بإنهاء القضايا العالقة و إعلان إنفصال جنوب السودان حتى لا يؤدي اي تغيير ربما يحدث إلى زعزعة تلك العملية برمتها .
بقاء الشعب داخل حاجز الخوف هو ما تسعى لتعزيزه السلطة الإنقاذية بشتى الطرق , بتصريحات قادتها النارية و المهددة بالويل و الثبور و عواقب الأمور لكل من تسول له نفسه بالخروج للإنتفاض , و بإنتشار قوى الأمن المختلفة لبث الرعب , و بتغلغل الطابور الخامس من منتفعي النظام الذين يقنعون العامة بغياب البديل , و برفع سيف تطبيق الشريعة في منحى تخويفي , و بإعمال قطع الأرزاق على من يجاهرون بإعلان تأييدهم لإسقاط النظام ! هل شاهدتم الحلقة الأخيرة من ( مسرح في الهواء ) في قناة الشروق التي يقوم بتمثيلها أسبوعيا المبدع الفادني و آخرون  أمام جمهور الشوارع و الميادين ؟ لقد كان من ضمن مواضيعها موضوع ( القفز بالزانة  ) في الخدمة المدنية و هو موضوع حيوي تناولته قناة الشروق مشكورة رغم حساسيته , حيث تتم ترقية الموظف الجديد ليرأس من هم في نفس مؤهله و يسبقونه في الخبرة و العمل لإعتبارات أخرى قطعا , و كان الفادني هو الموظف المتظلم من ذلك , و عندما سأل المشاهدين عن آرائهم كان الخوف باديا عليهم و أتت الإجابات التبريرية بأن دراسة الخريج الجديد فيها معرفة أكثر باللغة الإنجليزية و فيها مواد أحدث و ربما يكون الموظف الجديد قد أخضع لدورات تأهيلية ! , و يسألهم الفادني لماذا لا يخضعونه هو لدورات تأهيلية كتلك ؟ فيجيبونه بأنه لا يستطيع إستيعاب كل شيء بعد بلوغه تلك السن , فيقول لهم انه لم يصل إلى سن التقاعد و ذاكرته جيدة , فيقولون أنه يمكنه أن يساعد مديره ذاك و يقوم بتدريبه و لا يتدخل في السياسة العليا لوزارته ! لقد ضحكت كثيرا على الحال التي وصل إليها المواطن السوداني مفجر ثورتي أكتوبر 1964 و أبريل 1985 .
لقد تم مؤخرا إجراء الإنتخابات التكميلية لولاية جنوب كردفان , و قبل إنتهاء العملية الإنتخابية إنسحبت الحركة الشعبية من مراقبة الإنتخابات إستنكارا للتزوير الذي حدث من حزب المؤتمر الوطني و ذكر السيد عبد العزيز الحلو رئيس الحركة الشعبية في الولاية و المرشح لمنصب الوالي أنهم لن يعترفوا بنتيجة الإنتخابات و أنهم سوف يقاومون ذلك بالطرق السلمية المتاحة . أما السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي فقد ذكر في مؤتمره الصحفي الأخير أن حكومة جنوب كردفان الولائية لا بد أن تكون حكومة قومية و أن الإنتخابات كانت عملية تنافسية بين دولتين ! و كما هو معلوم فإن حزب الأمة القومي كما قال رئيسه قبلا لم يرشح أحدا منه لمنصب والي جنوب كردفان رغم كثرة جماهير حزب الأمة في تلك الولاية , هل يا ترى كان ذلك في مصلحة من ؟ أفي مصلحة أحمد هارون أم في مصلحة عبد العزيز الحلو ؟ أظن الإجابة لا تحتاج إلى ذكاء إياس ! في نفس ذلك المؤتمر الصحفي ذكر السيد الصادق المهدي أن حزبه ماضٍ في الحوار مع المؤتمر الوطني بخصوص الحكومة القومية الإنتقالية . ترى , ألا يوجد سقف زمني لهذا الحوار ؟
لقد إستمعت قبل أن أكمل هذه المقالة إلى قرار السيد رئيس الجمهورية عمر البشير أن يكمل فترته الرئاسية حتى نهايتها بعد أربعة أعوام  ثم يكتفي بذلك لصعوبة الحكم في السودان و لن يترشح بعد ذلك . هذا يعني إمكانية إستمرار نظام الإنقاذ بعد هذه الأعوام الأربع بدون الرئيس البشير و هذا سر الصراع الدائر منذ الآن على منصب الخلافة , هل سمعتم الشعوب العربية في إنتفاضاتها تقول : ( الشعب يريد إسقاط الرئيس ) ؟ إنها تقول دائما حتى هنا في السودان : ( الشعب يريد إسقاط النظام ) ! لقد سعيت أن أبين كيف يكون المرور من عنق الزجاجة سلسا لنظام الإنقاذ و ضربت الأمثلة الحية لذلك , فإذا لم يتم التحول الديموقراطي المنشود , فسوف يكون مصيرنا كذاك الذي تتناقله المحطات الفضائية عن أخبار الإنتفاضات و تعنت الحكام المتسلطين .
هذه المرة الخروج إلى التظاهر سوف يبدأه المهمشون الشباب من الطلاب و أصحاب المهن الهامشية و العاطلين عن العمل الذين لن تمنعهم وظائف أو ممتلكات يخافون عليها ... هؤلاء المهمشون هم المقصون و الذين يحيون حياة خير منها الموت و المظلومون شرقا و غربا و شمالا و جنوبا و وسطا .
omar baday [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]