عمود : محور اللقيا
تحية إجلال و تقدير أبثها للشعب المصري في ثورته الخالدة التي جسدت المعنى الإيجابي للغضب و قد جمعت كل طوائف و فئات المجتمع المصري نحو هدف واحد الا و هو إسقاط النظام , و كل شيء يهون من أجل ذلك , فاستخفوا بالموت الذي جعلوه مرتبة سامية يسعون لنيلها في سبيل الوطن ... هؤلاء الشباب الذين عاهدوا الله و أنفسهم على الإلتصاق بقضايا شعبهم و على الفعل بإرادة التغيير , الذي رآه البعض بعيدا و صعب المنال و رأوه هم قريبا و أيضا صعب المنال , فأعدوا عدتهم و شرعوا في الدعوة أن حيي على الخروج في التظاهرات , ففعلوها و توافدت خلفهم الجموع الذين رأوا فيهم ما بأنفسهم من توق للحرية و للعدالة و للعيش الكريم  ... خرجوا و هم يحملون حناجرهم و لا شيء معها غير الصمود و الإصرار و قوة الإرادة , و النصر أو الشهادة , و تربعوا على عرش ميدان التحرير و تشبثوا بأرضه المحررة و لا يهمهم ما يلاقونه من الطغاة و القساة قلوبهم , و ها هم يستمرون في إعتصاماتهم حتى تكمل الثورة أهدافها .
إن نجاح ثورة الشباب يتمثل في الإعداد الجيد لها , و في تمثيلها لكل تطلعات الشعب المسحوق , و في إختيارها لساعة الصفر المناسبة , و في تقدم الشباب كقيادة لها ... قيل أن الإعداد لهذه الثورة قد إستغرق عدة أعوام , و أنا أؤيد ذلك , فقد زرت مصر في صيف عام 2008 و شاهدت تحركات الشباب المنضبطة , مثلا في سينما روكسي و كنت أسكن قربها و بعد أن شاهدت مع أسرتي فيلم ( حسن و مرقص ) للمثلين عادل إمام و عمر الشريف , كانت مجموعات من الشباب من الجنسين تقف خارج دار السينما و يستطلعون الجمهور بعد مشاهدة الفيلم عن آرائهم في ما قد طرحه الفيلم عن التسامح الديني و التعايش بين المسلمين و المسيحيين , و يدخلون مع المشاهدين في حوارات إن كانت آراؤهم سلبية , و عندما سألونا عن رأينا و تحدثنا معهم بروح إيجابية رأيت الفرح على أساريرهم , و سألتهم إن كانوا ينتمون إلى منظمة ما فأجابوني بأنهم شباب يعملون لتغيير الأفكار الخاطئة عند الناس !
 في تلك الزيارة كنت قريبا من الناس العاديين و كانوا يحكون لي عن الضائقة المعيشية و زيادة الأسعار التي أعقبت زيادة سعر الوقود , وفي مرة حكى لي سائق سيارة أجرة أنه خريج جامعي و يعاني من البطالة منذ ثمان سنوات و أخيرا إقتنع أن يعمل كسائق سيارة أجرة بنظام التغطيات , و في طريقنا أشار إلى عدة مبانٍ تكون مربعا سكنيا كاملا و قال لي إن هذا هو بيت ( الريس ) و رأيت الحراس يطوقونه !
مصر هي أخت بلادي الشقيقة , و حين يقول السودانيون ذلك و يكررونه فإنهم يعون ما يقولون , و يعرفون جيدا أنه على إمتداد سبعة آلاف سنة كان النيل يجمعنا بتداخل حضاراته , و كانت ( كوش ) هي القاسم المشترك بين قاطني النيل شمالا و جنوبا , و كأنها قد آلت على نفسها أن تجمع أطراف النيل في مصر و السودان على هداها و على ذكراها , و ها هي تجمع أيضا السودان الجنوبي إلى شملها , و كما جمعتنا في الماضي , فإن ( كوش ) سوف تجمعنا في المستقبل القريب بإذن الله , و لن تفرقنا الحدود المصطنعة و لا جوازات السفر !
من الملفت للنظر أن أمريكا أوباما تقف مع تظاهرات الشباب الداعية للتغيير ضد الحكام الذين يعتبرون عملاء لها , و ليس في هذا تناقض إذا عرفنا أن شعار حملة أوباما الإنتخابية كان ( التغيير ) و الممارسة الديموقراطية , و هذا ما يفعله شباب التظاهرات , و أن أوباما سوف يكسب الكثير داخل أمريكا و خارجها بسياسته الداعمة للتغيير و للتحول الديموقراطي , و هذا ما سوف ينفعه في تقوية موقفه في الإنتخابات الرئاسية القادمة .
في تونس و في مصر كان للشعر و للأدب دور في تأجيج الثورتين , فكان لشاعر تونس أبو القاسم الشابي وجود بقصيدته ( إرادة الحياة ) التي أقتطع منها هذه الأبيات :
             إذا الشعب يوما اراد الحياة     فلا بد أن يستجيب القدر
             و لا بد لليل أن ينجلي           و لا بد للقيد أن ينكسر
             إذا ما طمحت إلى غاية         ركبت  المنى و نسيت الحذر
             و من لا يحب صعود الجبال     يعش أبد الدهر بين الحفر
          أبارك في الناس أهل الطموح     و من يستلذ ركوب الخطر
و كان لشاعر مصر أحمد شوقي وجود بقصيدته ( نكبة دمشق ) التي اقتطع منها هذه الأبيات :
             نصحت و نحن مختلفون دارا     و لكن كلنا في الهم شرق
            و يجمعنا إذا إختلفت بلاد           بيان غير مختلف و نطق
            و للأوطان في دم كل حر         يد سلفت و دين مستحق
            ففي القتلى لأجيالٍ حياة        و في الأسرى فدى لهمو و عتق
            و للحرية الحمراء باب           بكل يدٍ مضرّجة يُدق
إن كرة الثلج التي بدأت تدحرجها من قمة الإستبداد و التسلط و الفساد قد تضخم حجمها و هي تتواصل في تدحرجها و تمحو الأنظمة الديكتاتورية المتشابهة التي بدأت تتساقط واحدة تلو أخرى .
و للحرية الحمراء باب ...
بقلم :
                                                 د. عمر بادي
عمود : محور اللقيا
تحية إجلال و تقدير أبثها للشعب المصري في ثورته الخالدة التي جسدت المعنى الإيجابي للغضب و قد جمعت كل طوائف و فئات المجتمع المصري نحو هدف واحد الا و هو إسقاط النظام , و كل شيء يهون من أجل ذلك , فاستخفوا بالموت الذي جعلوه مرتبة سامية يسعون لنيلها في سبيل الوطن ... هؤلاء الشباب الذين عاهدوا الله و أنفسهم على الإلتصاق بقضايا شعبهم و على الفعل بإرادة التغيير , الذي رآه البعض بعيدا و صعب المنال و رأوه هم قريبا و أيضا صعب المنال , فأعدوا عدتهم و شرعوا في الدعوة أن حيي على الخروج في التظاهرات , ففعلوها و توافدت خلفهم الجموع الذين رأوا فيهم ما بأنفسهم من توق للحرية و للعدالة و للعيش الكريم  ... خرجوا و هم يحملون حناجرهم و لا شيء معها غير الصمود و الإصرار و قوة الإرادة , و النصر أو الشهادة , و تربعوا على عرش ميدان التحرير و تشبثوا بأرضه المحررة و لا يهمهم ما يلاقونه من الطغاة و القساة قلوبهم , و ها هم يستمرون في إعتصاماتهم حتى تكمل الثورة أهدافها .
إن نجاح ثورة الشباب يتمثل في الإعداد الجيد لها , و في تمثيلها لكل تطلعات الشعب المسحوق , و في إختيارها لساعة الصفر المناسبة , و في تقدم الشباب كقيادة لها ... قيل أن الإعداد لهذه الثورة قد إستغرق عدة أعوام , و أنا أؤيد ذلك , فقد زرت مصر في صيف عام 2008 و شاهدت تحركات الشباب المنضبطة , مثلا في سينما روكسي و كنت أسكن قربها و بعد أن شاهدت مع أسرتي فيلم ( حسن و مرقص ) للمثلين عادل إمام و عمر الشريف , كانت مجموعات من الشباب من الجنسين تقف خارج دار السينما و يستطلعون الجمهور بعد مشاهدة الفيلم عن آرائهم في ما قد طرحه الفيلم عن التسامح الديني و التعايش بين المسلمين و المسيحيين , و يدخلون مع المشاهدين في حوارات إن كانت آراؤهم سلبية , و عندما سألونا عن رأينا و تحدثنا معهم بروح إيجابية رأيت الفرح على أساريرهم , و سألتهم إن كانوا ينتمون إلى منظمة ما فأجابوني بأنهم شباب يعملون لتغيير الأفكار الخاطئة عند الناس !
 في تلك الزيارة كنت قريبا من الناس العاديين و كانوا يحكون لي عن الضائقة المعيشية و زيادة الأسعار التي أعقبت زيادة سعر الوقود , وفي مرة حكى لي سائق سيارة أجرة أنه خريج جامعي و يعاني من البطالة منذ ثمان سنوات و أخيرا إقتنع أن يعمل كسائق سيارة أجرة بنظام التغطيات , و في طريقنا أشار إلى عدة مبانٍ تكون مربعا سكنيا كاملا و قال لي إن هذا هو بيت ( الريس ) و رأيت الحراس يطوقونه !
مصر هي أخت بلادي الشقيقة , و حين يقول السودانيون ذلك و يكررونه فإنهم يعون ما يقولون , و يعرفون جيدا أنه على إمتداد سبعة آلاف سنة كان النيل يجمعنا بتداخل حضاراته , و كانت ( كوش ) هي القاسم المشترك بين قاطني النيل شمالا و جنوبا , و كأنها قد آلت على نفسها أن تجمع أطراف النيل في مصر و السودان على هداها و على ذكراها , و ها هي تجمع أيضا السودان الجنوبي إلى شملها , و كما جمعتنا في الماضي , فإن ( كوش ) سوف تجمعنا في المستقبل القريب بإذن الله , و لن تفرقنا الحدود المصطنعة و لا جوازات السفر !
من الملفت للنظر أن أمريكا أوباما تقف مع تظاهرات الشباب الداعية للتغيير ضد الحكام الذين يعتبرون عملاء لها , و ليس في هذا تناقض إذا عرفنا أن شعار حملة أوباما الإنتخابية كان ( التغيير ) و الممارسة الديموقراطية , و هذا ما يفعله شباب التظاهرات , و أن أوباما سوف يكسب الكثير داخل أمريكا و خارجها بسياسته الداعمة للتغيير و للتحول الديموقراطي , و هذا ما سوف ينفعه في تقوية موقفه في الإنتخابات الرئاسية القادمة .
في تونس و في مصر كان للشعر و للأدب دور في تأجيج الثورتين , فكان لشاعر تونس أبو القاسم الشابي وجود بقصيدته ( إرادة الحياة ) التي أقتطع منها هذه الأبيات :
             إذا الشعب يوما اراد الحياة     فلا بد أن يستجيب القدر
             و لا بد لليل أن ينجلي           و لا بد للقيد أن ينكسر
             إذا ما طمحت إلى غاية         ركبت  المنى و نسيت الحذر
             و من لا يحب صعود الجبال     يعش أبد الدهر بين الحفر
          أبارك في الناس أهل الطموح     و من يستلذ ركوب الخطر
و كان لشاعر مصر أحمد شوقي وجود بقصيدته ( نكبة دمشق ) التي اقتطع منها هذه الأبيات :
             نصحت و نحن مختلفون دارا     و لكن كلنا في الهم شرق
            و يجمعنا إذا إختلفت بلاد           بيان غير مختلف و نطق
            و للأوطان في دم كل حر         يد سلفت و دين مستحق
            ففي القتلى لأجيالٍ حياة        و في الأسرى فدى لهمو و عتق
            و للحرية الحمراء باب           بكل يدٍ مضرّجة يُدق
إن كرة الثلج التي بدأت تدحرجها من قمة الإستبداد و التسلط و الفساد قد تضخم حجمها و هي تتواصل في تدحرجها و تمحو الأنظمة الديكتاتورية المتشابهة التي بدأت تتساقط واحدة تلو أخرى .