إنني أتابع بإعجاب الإنتفاضة التي تجري في الشقيقة مصر هذه الأيام , و التي كانت إمتدادا للإنتفاضة التونسية التي أعادت للشعب إعتباره أمام حكامه . في الإنتفاضتين كان للشباب القدح المعلى في التحضير و الدعوة لها من خلال مواقع الفيس بوك و تويتر الإلكترونية , ثم الخروج العلني إلى الشوارع و دعوة الآخرين للإنضمام اليهم . يقول الشباب أنه كانت لهم محاولات سابقة لتحريك الشارع لكنها لم تجد التأييد المرجو من الآخرين , و لكنهم هذه المرة قد نظموا أنفسهم أكثر و كثفوا من دعواتهم وسط الناس بمنطق المعاناة التي يحسها الجميع . هكذا تفجرت الإنتفاضة في المدن الكبرى في مصر و في وقت واحد في يوم 25 يناير الماضي . من الواضح أن الجماهير التي إندفعت مؤيدة للشباب في اليوم الأول كانت مدفوعة بما رأته من إستبسال و صمود للشباب في وجه الظلم و القهر و الجوع و إنعدام الحريات , فتلاقت أحاسيسهم الداخلية و دفعت بهم إلى إحتلال ميدان التحرير . بعد ذلك خرجت المسيرات المليونية في كل أنحاء مصر و صار لها هدف واحد و هو إسقاط النظام برحيل الرئيس مبارك . من الواضح هنا أن النقابات و الأحزاب المعارضة كان لها دور في تأليب و حشد المواطنين للخروج و الإنضمام للمسيرات الهادرة , و لكن حفاظا على وحدة الصف إبتعدت التنظيمات النقابية و الحزبية عن الترويج لنفسها , حتى في لجان الحكماء و لجان التسيير صار الإختيار لأصحاب الكفاءات لا الولاءات الحزبية . لكن يبدو أن الشباب قد إستشعروا مكامن الخطر في بعض اللجان للتفاوض مع السلطة مما سوف يؤدي إلى إنحراف مسار الإنتفاضة , و لذلك إختار الشباب لجنة من بينهم لتكون ناطقة بإسمهم امام السلطة و كونوا لهم كيان بإسم 25 يناير و توافقوا بتحويله فيما بعد إلى حزب سياسي , و ربما نرى مستقبلا سياسيين من هؤلاء الشباب يحكمون مصر !
في السودان كانت للنقابات الوطنية أدوار بارزة في ثورة أكتوبر 1964 و في إنتفاضة أبريل 1985 , و كانت تحركات الطلبة سباقة في الجامعات و المدارس الثانوية , لكن كانت نقابات بعينها تمثل الثقل المرجح لنجاح الإنتفاضات , و تلك النقابات أجملها في نقابة عمال السكك الحديدية و نقابة عمال النقل الميكانيكي و نقابة الأطباء و نقابة المهندسين و نقابة الموظفين .لقد اراد الرئيس جعفر نميري أثناء حكمه أن يقلص دور النقابات فسعى الى لامركزية هيئة السكك الحديدية ثم تفتيتها حتى ينهي بذلك دور نقابتها القوية , و بعد ذلك حدث ما هو أسوأ للنقل الميكانيكي حيث تم إلغاؤه و تذويبه نهائيا و إنتهى بذلك دور نقابة عمال النقل الميكانيكي . مع بداية فترة حكم الإنقاذ تم حل جميع النقابات و تكونت لجان تسيير للنقابات ثم تكونت نقابات عمالية تجمع في داخلها كل أطياف العاملين بدعوى أنهم كلهم يعملون و بذلك هم كلهم عمال سواء كانوا عملا أم موظفين أم مهنيين ! أما النقابات المنحلة فقد تمسك بعض النقابيين القدامى بشرعيتها و صاروا يطالبون بذلك , رغم أن الإقصاء و التضييق قد طال معظمهم , و رغم طول المدة مذ حل نقاباتهم إلا أنهم يلاقون الإعتقال التحفظي عند حدوث أي تحركات مطلبية في الشارع .
لقد تحرك الشباب السوداني في مسيرات سلمية في يوم 30 يناير يطالبون فيها بالتغيير , و تصدت لهم قوات الأمن بكل ضراوة و عنف مما أدى إلى وفاة أحد الطلاب و إصابة الكثيرين إصابات بليغة , و حاول الشباب الخروج في يوم 3 فبراير و لكن سبقتهم أجهزة الأمن و إعتقلت المنظمين للمسيرة ! هؤلاء الشباب قد وجدوا بعض التأييد غير الكافي من الشارع و قد ردوا ذلك إلى سببين رئيسيين :
1 – سعي أحزاب المعارضة المتمثلة في قوى الإجماع الوطني لإيجاد مواطيء قدم لها في الحكومة المرتقبة ذات القاعدة العريضة , و رغم أن مطالبهم عن التحول الديموقراطي و بسط الحريات و إلغاء قانون النظام العام و تكوين حكومة إنتقالية و تغيير الدستور لم تجد الترحيب الكامل من المؤتمر الوطني , إلا أنهم لا زالوا يفاوضون و يطرقون الحلول السلمية .
2 – الشعور باليأس عند بعض الناس من مقولات الذين يروجون لفكرة عدم وجود البديل , و أن الأحزاب قد تم تجريبها قبلا و لكنها فشلت في حكم البلاد .
 رغم أن أمر البديل هذا فيه تثبيط للهمم و دعوة للتقاعس , تظل الحقيقة أن البديل يكون في التغيير الذي يتبع الحكم الديموقراطي المؤسسي الذي تتداول فيه السلطة بإنتخابات حرة كل أربع سنوات , و أن الشعب هو الذي يختار من يريد , و أن البديل سوف يفرض نفسه متى أحس الشعب بتمثيله له و بقربه منه .
 هؤلاء الشباب في ميدان التحرير في مصر , ما يمنعهم أن يكونوا البديل إذا ما تحول كيانهم إلى حزب سياسي بإسم 25 يناير كما يخططون ؟
omar baday [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]