لقد ورد في الأنباء أن السيد رئيس حكومة الجنوب قد ذهب إلى كاتدرائية جوبا , بعد إعلان فرز أصوات الإستفتاء في ثلاثة مناطق في جوبا و كانت النتيجة الغلبة الصريحة لخيار الإنفصال على الوحدة , ذهب الرئيس سيلفا كير للصلاة و حمد الرب الذي مكنهم من ذلك , و من ثم دعا المصلين من أبناء الجنوب أن يعملوا بحكمة السيد المسيح في التسامح و يسامحوا إخوتهم الشماليين الذين إعتدوا عليهم و حاربوهم في الخمسين سنة الماضية , و أن يصلوا على أرواح ضحايا الحرب من الجنوبيين .
الإخوة الجنوبيون يحتفلون بمولد دولتهم الذي بات وشيكا , بينما إخوتهم في الشمال يعلنون الحداد على إقتطاع الجزء الجنوبي من السودان . الشماليون يباركون للجنوبيين فرحتهم بالإنفصال , بينما ينزفون دما في دواخلهم . لم يكن للشماليين الحاليين دور في المرارات القديمة , و أما الحرب الأهلية فدائما تشعلها الحركات المطلبية أو الداعية للإنفصال . لقد شاهدت على القنوات الفضائية قبل أيام السيد جوزيف لاقو و هو في جوبا يؤيد الإنفصال و يذكر أنه كان ينتظر هذا اليوم منذ رئاسته لحركة الأنانيا 2 ! السيد جوزيف لاقو هو الذي وقع إتفاقية أديس أبابا للسلام مع الرئيس جعفر نميري و التي إستمرت أحد عشر عاما ثم كان هو الذي أشار للرئيس نميري أن يقسم الجنوب إلى ثلاث محافظات بدلا عن حكمه مركزيا  و ذلك حتى تقل هيمنة قبيلة الدينكا على كل الجنوب , و كان ذلك سببا لإشتعال تمرد الحركة الشعبية لتحرير السودان . لقد تزوج السيد جوزيف لاقو من سيدة شمالية و عاش كل حياته بعد إتفاقية أديس أبابا بين الخرطوم و لندن و كان يبدو متجانسا مع الشماليين و لكنه ربما يريد ركوب الموجة ليجد له موطء قدم أكبر في الجنوب من كونه مستشارا لحكومة الجنوب . أما المهندس فاروق جادكوث فعلى نفس الشاكلة و قد رأيته يذرف الدمع إبتهاجا بإنفصال الجنوب الذي أوشك , وهو الذي عاش في الشمال و كان وحدويا حتى النخاع , و في الأيام القادمة سوف نسمع الكثير من أمثال هؤلاء .
لقد ذكرت مرارا في مقالاتي السابقة أن الإتجاه العالمي للتعامل مع الحركات الإنفصالية هو منحها الحكم الذاتي الإقليمي في إطار الدولة الواحدة و ضربت أمثلة بالشيشان في روسيا و الباسك في أسبانيا و إيرلندا الشمالية في بريطانيا و التبت في الصين . من الواضح أن الشعب الجنوبي لم يكن معظمه إنفصاليا و كانت له علاقات حسنة و متطورة مع الشماليين , و لكن تمكُن الإنفصاليين من القبض على زمام امور الحركة الشعبية و تلاقيهم في ذلك مع القوميين الجنوبيين مع خلو الجو في الجنوب لهم قد أدى إلى إستقطابهم للشعب الجنوبي و غرس كل معجم الكراهية للشماليين في عقولهم البريئة و إستغلال الإعلام البروباقاندي في ذلك , و تناسوا كل ما فعله الشعب الشمالي لإخوته الجنوبيين حين أتوهم لائذين . إنني لا أتجاهل هنا دور بعض الإسلامين الذين أيدوا و سعوا لفصل الجنوب لأنه كان يمثل في وجهة نظرهم حجر عثرة في سبيل تطبيق الشريعة , و ها هم الآن يتنادون بذلك بعد أن تهيأ الجنوب للإنفصال , و لا أتجاهل تأثيرهم السيء على عامة الجنوبيين . رغم حزني على إنفصال الجنوب المرتقب كشخص وحدوي أؤمن بأن قوة السودان في وحدته و في تنوعه , رغم ذلك فإنني أساير الإخوة الجنوبين في توجههم نحو الإنفصال , إن كان في ذلك إزالة لما علق في دواخلهم من مرارات , و أن سيكون هنالك شعور إيجابي لديهم بعد التسامح مع إخوتهم الشماليين . عندنا يقول أهلنا : ( كان النفوس إتطايبت العنقريب بشيل عشرة ) , و ( العنقريب ) هو السرير الخشبي في عاميتنا . سوف يدور الزمان دورته و سوف نجلس سويا في ( عنقريب ) الوطن مرة أخرى إنشاء الله .
قبيل إنتهاء فترة إتفاقية نيفاشا للسلام , بدأ الكتاب و المهتمون يحللون و يشكلون الخيوط التي حركت الكثير من الأحداث السابقة , رغم أن الإعلام كان قد حجبها حجبا تاما عن المواطنين . لم يكن معلنا سبب بعد أو إبعاد الدكتور غازي صلاح الدين عن قيادته لمحادثات نيفاشا ممثلا للمؤتمر الوطني , و أخيرا و بعد أن وقع الفأس في الراس تبين أنه كان رافضا لمبدأ تقرير المصير , كما ظهرت حقيقة المساومات بين الشريكين في شأن الإنتخابات التي أتت مزورة , و في شأن تمرير قانون الإستفتاء مقابل قانون الأمن و المخابرات , و أخيرا ظهرت حوافز أصدقاء الإيقاد خاصة أمريكا و المتمثلة في رفع إسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب و رفع الحظر عنه و إعفائه من الديون و تأسيس علاقات قوية بين أمريكا و السودان و ربما الوعد بتأجيل قرار المحكمة الجنائية بخصوص الرئيس البشير !
لا أحد من العقلاء يؤيد أن تكون المصلحة الخاصة فوق المصلحة العامة في قضايا الحياة المختلفة , فكيف إذا كان الأمر يتعلق بمصلحة وطن ؟
(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)