(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)
منذ أن صار أمر إنفصال الجنوب محتوما حتى قبل إعلان نتيجة الإستفتاء الجاري , شرعت قيادات حزب المؤتمر الوطني في التقليل من تأثير ذلك على الشمال , حتى يغدو أمره عاديا و غير مثير للتوقعات و للفقد , و كأنهم قد تناسوا ما كانوا يؤكدونه مرارا من أنهم سوف يحافظون على وحدة السودان حتى يسلموه كما إستلموه كاملا غير منقوص . لقد ذكرت تصريحات القيادات أن بترول الجنوب لن يؤثر على الشمال لأنه في حقيقته لا يمثل أكثر من 16 % من واردات الميزانية , و أن الشمال سوف يزدهر بعد أنفصال الجنوب عنه و سوف يتقدم أكثر و أكثر . لكننا بعد أيام قلائل من تلك التصريحات و قبيل بداية الإستفتاء صدرت من الحكومة قرارات إقتصادية في غاية التعسف تؤكد أن تأثير إنفصال الجنوب على الشمال سوف يكون وخيما . في حقيقة الأمر فإنه قد سبقت تلك القرارات زيادات إقتصادية كان مسكوتا عنها و غير مبررة , فقد إرتفعت قيمة العملات الصعبة مقابل الجنيه السوداني و في ذلك خفض للجنيه غير معلن و بناءً عليه حدث التضخم الذي أدى إلى إرتفاع أسعار كل السلع , و بدأت التحليلات تترى عن ذلك فقال البعض إن الحركة الشعبية قد شرعت في تحويل عملتها السودانية إلى العملة الصعبة , و قال آخرون أن المؤتمر الوطني هو الذي حول أمواله إلى عملات صعبة لحفظها خارج البلاد , و قال آخرون أن المستثمرين الأجانب هم الذين فعلوا ذلك بعد أن تيقنوا أن أعمالهم سوف تتضاءل في الشمال بعد إنفصال الجنوب الذي سوف يستحوذ على 70 % من البترول .
لقد رفعت الحكومة الدعم عن السكر و المحروقات و لا أدري أي دعم هو المقصود فقد أوقف الدعم على السلع مع سياسة تحرير الأسعار التي أدت إلى زيادة الأسعار في السنين الماضية . إن زيادة السكر و المحروقات قد أتت فوق الزيادات الغير معلنة تلك , و قد وقفت بنفسي على تلك الزيادات المتنوعة و خاصة في مواد البناء كالحديد الذي أوقف التجار بيعه لتزايد قيمته المستمر . هذه الزيادات قد أتت مبكرة في توقيتها , لأنه و كما هو معلوم فإن الوضع الإقتصادي من المفترض أن يكون بدون تغيير حتى 9 / 7 / 2011 , و كما قال أحد دهاقنة الإقتصاد من الإنقاذيين أن عام 2011 لن يتأثر إقتصاديا و إذا كان هنالك تأثير فسوف يكون منذ العام 2012 , فماذا حدث حتى تأتي هذه القرارات الإقتصادية مبكرة و حتى تشمل الضروريات لا الكماليات فقط ؟ التعليل موجود في قرار الحكومة الذي إتخذته لتقليل المنصرفات على قمة الجهاز الحكومي و على البعثات الخارجية مع إعادة هيكلة الدولة و هو ما يعرف بالترهل الوظيفي و بالصرف البذخي . لقد شمل القرار الدستوريين و هو مصطلح يطلق على الوزراء ووزراء الدولة و المستشارين ووكلاء الوزارات و المدراء العامين , فإذا أخذنا الوزراء ووزراء الدولة و المستشارين الإتحاديين و الولائيين نجد أن أعدادهم تساوي المائة و إثنين وزيرا , و لكن لم يوضح القرار ما كانوا يتقاضونه شاملا الرواتب الأساسية و البدلات و المخصصات و أعداد السيارات , و ما سوف يتقاضونه بعد التخفيض , و هل هذه الأمور تعتبر في غاية السرية عندنا ؟ و لماذا لا نكون كالدول الغربية التي تحتم عليها ديموقراطيتها أن تظهر تلك الأمور لدافعي الضرائب ؟
نجد في دول قريبة منا أن زيادة الأسعار و القهر قد أديا إلى خروج الجماهير في هباتٍ إلى الشوارع , كما يحدث هذه الأيام في المغرب و الجزائر و تونس و مصر . عندنا في السودان تحركت أحزاب المعارضة للدعوة لمؤتمر السودان الشامل و لكنها كالعادة لم تجتمع على قلب رجل واحد فصارت موزّعة بين إصلاح النظام و إسقاطه و إنفض سامرها لإتاحة الفرصة للمزيد من التمحيص ! و إستمر النظام في إستعراض عضلاته الأمنية في أجهزته و قواته الضاربة , و قد كان أن وصف السيد علي كرتي وزير الخارجية رئيسي أكبر حزبين في المعارضة بأنهما ( سجمانين ) ! و كأنه يستهزيء بقدرات المعارضة في الوقوف ضد هذا الغلاء الطاحن . أتذكرون ما كانت تقوله الحكومة بعد إتفاقية سلام نيفاشا من أن وقف الحرب سوف يؤدي لوقف تكلفتها العالية التي تعادل الثلاث ملايين دولار يوميا و أن هذه الأموال سوف تعود بالخير على المواطنين , فاين هذا الخير يا ترى ؟  
إن قوة شاه إيران الأمنية المعروفة ب ( السافاك ) لم تقدر أن تحميه من ثورة ( الكاسيت ) و خروج الجماهير بتوجيهات من قائدها الإمام الخميني , كما و أن قوة شاوسيسكو الأمنية المعروفة ب ( السيكوريتات ) لم تقدر أن تحميه من ثورة جماهير رومانيا المقهورة و الرازحة داخل الستار الحديدي منذ عقود من السنين ...
عندما يتنامى معدّلا القهر و الجوع و يصلا نقطة عدم التحمل , تتولد عندئذٍ طاقة الرفض الهادرة و تتنزّل على الشوارع كالسونامي , فلا تستطيع أية قوة ردعٍ أن تقف أمامها ... هكذا علمنا التاريخ .