الإستفتاء على مصير جنوب السودان
بين ترهيب الحركة الشعبية و ترغيب أمريكا و ترحيب الوحدويين
بقلم :د. عمر بادي
عمود : محور اللقيا
تدور هذه الأيام عملية التسجيل للإقتراع من أجل الإستفتاء على مصير جنوب السودان , و عملية التسجيل هي عصب الإستفتاء و لذلك لا بد لنا من وقفة في مسارها حتى نستقرء مآلاتها و الحصافة تدعونا لذلك . الحصافة هنا بمعنى التبصر في عواقب الأمور , و الحصيف هو الشخص المتبصر , و قد أوردت هذه المفردة في مقالة لي قبل أشهر لكنني أحس أن البعض يوردونها في غير موضعها .
إستقالة السفير السابق و الأديب الأريب جمال محمد إبراهيم من منصبه كالناطق الرسمي لمفوضية الإستفتاء على مصير جنوب السودان قد مرت مرور الكرام , و هو الذي صرح بأنه كان لا يستطيع النوم و هو يرى أن الجنوب يوشك أن ينفصل و أنه لا يستطيع أن يشارك في ذلك و أن لديه أسبابه الخاصة و التي لا يود ذكرها الآن . سلمت و عشت مرفوع الرأس يا جمال , و ها هي الأيام ترينا ما يدار في عملية الإستفتاء و ما يقود الى إنعدام الحرية و النزاهة و الشفافية !
هل يعقل أن يكون التسجيل ضعيفا لإستفتاء مصيري يحدد مستقبل شعب و بلد ؟ الحركة الشعبية تثبت مرارا أنها الأكثر ذكاء في الوصول إلى مبتغاها . الإعتبار يكون دائما لنسبة المسجلين إلى تعداد السكان , و لكن أتى قانون الإستفتاء بتحديد نسبة المقترعين إلى المسجلين ! و التي حددت ب 60 % , و النتيجة ما نحن فيه من ضعف في التسجيل خاصة في الشمال . لقد مارست الحركة الشعبية الترهيب للجنوبيين الذين ليسوا أعضاءا بها , فهي قد تمددت على الجنوب بحكم إتفاقية سلام نيفاشا و وصلت إلى المدن الكبيرة التي لم تقدر على دخولها من قبل و إمتلكت السلطة و المال اللذين يميلان أفئدة حرى و يذللان الصعاب , فخلقت كادرها المستميت في تنفيذ قراراتها , فقام بعمليات الترهيب للمواطنين الجنوبيين البسطاء و دعاهم ألا يسجلوا , و ليكن التسجيل لأعضاء الحركة الشعبية حتى تكون نتيجة الإقتراع في صالح توجهات الحركة الشعبية التي تؤيد الإنفصال . أما في الشمال فمن الخير للحركة الشعبية أن يكون التسجيل فيه ضعيفا جدا حتى لا تكون هنالك فرصة للمؤتمر الوطني كي يزوّر الإقتراع لصالح الوحدة ! هكذا تفاجأ المؤتمر الوطني من ما يحدث من عدم إقبال على التسجيل من الجنوبيين في ولاية الخرطوم , فتحروا الأسباب و وجدوا أن وراء ذلك الأعضاء النشطين من شباب الحركة الشعبية الذين توعدوا المستهدفين إن حضروا للتسجيل و عقدوا الأمور على الذين حضروا للتسجيل بحجة إنعدام الأوراق الثبوتية و عقدوها أيضا بواسطة العريفين الموالين للحركة الذين أنكروا تعرفهم على هؤلاء كمواطنين جنوبيين .
رغم كل الذي يحدث يظل موقف أمريكا ثابتا و هو أن يتم الإستفتاء في موعده في يوم 09 / 01 / 2011 , و يظل المؤتمر الوطني يردد أن الإستفتاء في موعده و يؤكد إلتزامه بذلك , بينما أمريكا تلوح لترغيب المؤتمر الوطني برفع السودان من قائمة الدول الراعية الإرهاب و رفع العقوبات الإقتصادية عنه و تأكيدا على ذلك سوف ترفع عنه إستيراد الحواسيب ! يحدث كل ذلك بينما الأحزاب الشمالية في تغييب كامل . ترى ماذا حدث لوعد السيد الصادق المهدي في خطبة صلاة عيد الأضحى أنهم سوف ينزلون إلي الشعب الجنوبي و يخاطبونهم فردا فردا في شأن الوحدة و الحفاظ على الوطن الواحد ؟ و أين دور ممثلي الأحزاب الشمالية ؟ و كذلك دور منظمات المجتمع المدني و الهيئة الشعبية لدعم وحدة السودان و الهيئة العليا لدعم الوحدة و التجمعات الطلابية و الأحزاب الجنوبية ؟ إنني هنا أشيد و أشدد على الدور الذي تلعبه الدكتورة تابيتا بطرس التي أثبتت أنها وحدوية حتى النخاع فجابت العاصمة كلها و الفيافي في مناطق التجاذب و في الجنوب و دعت للوحدة بإيمان صادق و بشرت ببقائها .
هل يمكن أن يكون للمراقبين الدوليين دور ؟ و أعني هنا الأمم المتحدة و الإتحاد الأفريقي و الإتحاد الأوربي و جامعة الدول العربية و أصدقاء الإيقاد . لقد أعاد التفاؤل إلى قلبي ما قاله السيد بنجامين مكايا مندوب الأمم المتحدة للإستفتاء و الرئيس السابق لدولة تنزانيا , فقد إعترف بوجود خروقات في عملية التسجيل و انه سوف يرفع الأمر الى الأمم المتحدة . هذا بجانب تصريحات مفوضية الإستفتاء أنها سوف تزيل كل التجاوزات عن عملية التسجيل و سوف ترد على كل الشكاوي .
سوف أعمل الحصافة و التبصر في عواقب الأمور في ما إتضح مما ورد ذكره . لقد بات مؤكدا أن الحركة الشعبية لا تملك العضوية و التأييد الكافيين لها للإطمئنان و الولوج للأستفتاء مع تطبيق الحرية للمستهدفين و إجراء عملية الإقتراع بكل نزاهة و شفافية , و أن كل ما كان يصرح به قياديوها من أن جل الشعب الجنوبي يؤيد الإقتراع للإنفصال لا يعدو أن يكون نوعا من البروباقندا و أن الحقيقة غير ذلك . الحركة الشعبية بما تفعله من ضغوط و تزوير سوف تبعد عنها الأحزاب الجنوبية التي توافقت معها في ملتقى الحوار الجنوبي , و سوف ينحسر دور الحركة الشعبية بعد أن تبتعد عنها مناطق جنوب كردفان و جنوب النيل الأزرق التي كانت مهمشة و بدأت في إسترداد حقوقها و قوت من صلاتها مع الشمال و مع الشماليين و هذا الأمر وضح من التراخي في شأن المشورة الشعبية في المنطقتين . المؤتمر الوطني قد صرح بواسطة قيادييه أنه سوف لن يعترف بنتيجة الإستفتاء إذا لم يكن حرا و نزيها و شفافا . ترى ماذا سيحدث إن لم يعترف المؤتمر الوطني بنتيجة الإستفتاء ؟ لا أظن أن الحركة الشعبية سوف تعلن الإنفصال و الحرب لأن إعلان الحرب سوف يوقف إنتاج البترول و لن يكون للجنوب أي دخل قومي و تخيلوا كيف يكون حال دولة في طور تكوينها و تكون بدون دخل مالي . هذا لن يحدث و أظن أن الذي سوف يحدث و لا فكاك منه أن يتفق الشريكان على أمر وسط مثل الذي أورده الدكتور ليال دينق وزير النفط و الوحدوي الذي يؤمن بالسودان الجديد الواحد الموحد , فللرجل مواقف جد مشرفة للسودانيين جميعا و هو يستحق التقدير منا جميعا , فهو الذي أظهر الإنتاج اليومي للبترول السوداني في الموقع الإلكتروني لوزارة النفط حتى تكون معرفته متاحة للجميع و تنتهي السرية في ذلك , و هو يؤمن بأن البترول هو عامل وحدة لا إنقسام و له خطط لإكتشافات بترولية جديدة في الشمال و في الجنوب , و يضع مثالا لبترول مناطق التمازج بالبقرة التي يحلبها الجنوبي في الصباح و يحلبها أخوه الشمالي في المساء , و له تصور لمستقبل السودان كولايات متحدة . التنازل من الشريكين في القضايا الأساسية مطلوب للتوصل إلى ما يدعو له الدكتور ليال دينق . نرجو ذلك .

(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)