العودة الي الحظيرة
لقد تطرقت في مقالتي الأولي عن الموضوع أعلاه , الي سرد نظري تاريخي عن المشروع القومي العربي الوحدوي الذي كان حلما يراود الجماهير , ثم ظهوره خلال الخمسينات و الستينات من القرن الماضي كفكر تنظيري علي أيدي ساطع الحصري في مصر , و ميشيل عفلق في سوريا , و نديم البيطار في لبنان , ثم تأثير الفكر الإشتراكي في كتابات المفكرين القوميين العرب و سعيهم في ترويض الإشتراكية حتي تتجانس مع المعتقدات و المثل و إبعادها عما التصق بها من شيوعية و إلحاد .
تطرقت بعد ذلك الي النظرية العلمية لنديم البيطار عن كيفية تحقيق الوحدات في العالم منذ التاريخ القديم و الي الوحدة الإيطالية و الوحدة الألمانية في العصر الحديث , و التي توصل  بموجبها الي وجود قوانين أساسية و ثانوية لقيام أية وحدة , و قد أجمل القوانين الأساسية في : 1) وجود (إقليم قاعدة ) يرتبط به و يتمحور حوله العمل الوحدوي في الأقطار و الكيانات الأخري . 2) وجود قيادة كاريزمية تستقطب مشاعر الشعب و تكسب ولاءه عبر الحدود الإقليمية . 3) وجود مخاطر خارجية أو عدو مشترك يولد المخاوف التي تؤدي الي الإحتماء بالوحدة . أما القوانين الثانوية فقد أجملها في العوامل المساعدة للوحدة كتوفر اللغة الواحدة و التماثل الإيديولوجي و التماثل الإجتماعي و السياسي و الإقتصادي بين الأقطار و الكيانات الساعية للوحدة . لقد إعتبر نديم البيطار أن مصر تحت قيادة جمال عبد الناصر هي الأمثل كي تكون ( الإقليم القاعدة ) .هنا تطرقت الي أن الوحدة العربية في عصرنا الحالي يمكن أن تتحقق بإحدي الطريقتين التاليتين : الطريقة الأولي الوحدة القسرية التي تتحقق عن طريق ( الإقليم القاعدة ) كما ذكرت , و الطريقة الثانية الوحدة الإختيارية التي تتحقق عن طريق مساعي و تلاقي القوي العربية الوحدوية في الوطن العربي علي التراضي و المصلحة المشتركة و علي مجابهة التحديات التي تواجه وجودها عن طريق التعاون و التنسيق و التكامل و الإندماج فيما بينها . لقدكان عبد الناصر  يؤمن بالطريقة الثانية في قيام الوحدة العربية و هي الوحدة الإختيارية , و لذلك لم يصر علي إستمرارية الوحدة بالقوة بين مصر و سوريا و لم يفرض الوحدة بالقوة بين مصر و السودان .
أبنت بعد ذلك أن الوحدة الإختيارية التي ترتكز علي الجماهير العربية العريضة في إنجاحها , و التي تكون قائمة علي الديموقراطية و علي التراضي , هي في حقيقتها تمثل نوع الوحدة الملائم لروح العصر و لتداخل مصالحه التي تحتم التحالفات و حماية القوي للضعيف ما دامت تربطه به مصلحة ما . لذلك تعذر في عصرنا الحالي قيام الوحدة علي شاكلة الطريقة الأولي , أي طريقة ( الإقليم القاعدة ) , لأن التدخلات المجهضة سوف تلعب دورها سواء من الدول الإقليمية أو من الدول الكبري أو من داخل أروقة الأمم المتحدة و مجلس الأمن , و لدينا أمثلة كثيرة علي ذلك في العقود الأخيرة , لكن خير مثال لدينا ما فعله الرئيس صدام حسين في بداية التسعينات من تطبيق لمخططه الجديد بعد أن جعل من نفسه قائدا ملهما و حاميا للعرب من التدخلات الأجنبية خاصة محاولات تصديرالثورة الإيرانية بعد نجاح الخميني في الوصول الي سدة الحكم في إيران , فجعل من العراق ( الإقليم القاعدة ) بعد إنتهاء دور مصر العربي بعد تكبيلها بمعاهدة كامب ديفيد , و علي ذلك أخرج جحافل الوحدة لتبدأ بالكويت و تنداح الي بقية الدول العربية , لكن إعمال روح العصر و التحالفات مع الدول الكبري و إقرار مبدأ الشرعية الدولية كانت له بالمرصاد فأفشلت مشروعه الوحدوي علي طريقة الأسلاف . علي نفس النهج سار أسامة بن لادن فتبني فكرة ( الإقليم القاعدة ) ليجعل من أفغانستان الإقليم القاعدة و ليعتمد علي كاريزميته وسط المسلمين المتشوقين للجهاد و يجعل من تنظيمه نواة تنداح منها جحافل المجاهدين و تكون ( قاعدة ) لهم فأسماه ( تنظيم القاعدة ) , و أوجد عدوا خارجيا مشتركا تمثله في أمريكا , حتي تتم بذلك الوحدة الإسلامية الحقة .
أخيرا تعرضت الي التعارض القائم بين مفهومي الوحدة العربية و الوحدة الإسلامية , و أبنت أن التيارين العروبي و الإسلاموي كانا كوجهي عملة واحدة , لكن سبب التعارض برز منذ الخمسينات بعد تأثير العروبيين بالنظريات الوافدة كالإشتراكية و الماركسية و التي أخذت بعضهم , خاصة في مجتمعات التعايش الإسلامي - المسيحي , الي إنتهاج العلمانية بمعانيها الغربية المختلفة بين الإلحاد و الإيمان غير الكهنوتي و الي علمانية الرئيس بوش و المحافظين الجدد العلمو – دينية . كذلك علمانية صدام حسين و حزب البعث و التي تلاقت أخيرا مع تنظيم القاعدة داعية لإعلاء كلمة الله و للجهاد ضد الكفار و إخوان الشياطين . هكذا توصلت الي أن التلاقي العروبي – الإسلاموي سوف يعود كما كان بعد أن يستبدل العروبيون العلمانية بالتحديث و التجديد و بعد ان تستبدل العلاقة الإستبعادية الآنية بين الطرفين بعلاقة إستيعابية منفتحة و بعد أن يعلم الجميع أن تحقيق الوحدة الإسلامية يقوم علي تلاقي الروابط القومية في الأقطار الإسلامية , العربية منها و غير العربية , و أن ذلك هو الذي سوف يؤدي الي توحيد الرابطة الدينية الإسلامية . هكذا فإن خير الأمور الوسط , و الغلو و إن جمع البعض فإنه لا يجمع الكل أبدا .
الآن , في مقالتي الثانية هذه عن الوسطية سوف أكتفي بما ورد في المقالة الأولي من تنظير , و سوف أتطرق هنا للتطبيقات العملية في السودان و الوطن العربي التي تعاقبت منذ بداية السبعينات من القرن الماضي و الي وضعنا الراهن , ساردا في ذلك الأحداث الخاصة بي و التي علي صلة بالشأن العام و بمجريات تلك الأحداث .
 بعد أن أنهيت دراستي الجامعية , عدت الي السودان في عام 1973 ووجدت الوضع غير ذاك الذي تركته قبل خمسة أعوام . كان الإشتراكيون العرب عامة قد جمدوا أنشطتهم بعد حملات المداهمات و الإعتقالات التي اعقبت إنقلاب هاشم العطا في عام 1971 و بعد التحول اليميني لحكومة النميري . وجدت أن إنقساما حادا قد حدث في حركة القوميين العرب , بعضهم قد أيد إنقلاب هاشم العطا منذ الوهلة الأولي فجني عاقبة موقفه ذاك بين إعتقالات و تشريد و إنزواء , و بعضهم إنحاز للنميري و القوميين العرب الذين معه فسار في ركبهم و عرض خدماته عليهم لإنشاء الإتحاد الإشتراكي و لتنظيم جهاز الأمن . أذكر أنني قد قابلت في تلك الفترة أحد المقربين مني من الرفاق و أبديت له بعض الإنتقادات للنظام و لكنه حذرني في لهجة صارمة ان لا أتعامل مع الرفاق كما كنت أفعل سابقا لأن فيهم من إختار العمل مع النظام , بل و فيهم من يعمل بجهاز الأمن و الذي ربما يزج بي في المعتقل إن تماديت في إنتقاداتي , و بعد ايام اتاني النبأ اليقين ان ذلك الرفيق قد صار من ضباط جهاز الأمن و انه في تحذيره لي كان يقصد نفسه ! لكنني رغم ذلك كنت أقابل بعض الرفاق الملتزمين في الأماكن العامة و كنا نتبادل الأخبار .
 في تلك الفترة كانت أوضاع الإشتراكيين العرب قد تغيرت بعد وفاة جمال عبد الناصر في عام 1970 و جنوح السادات بعد حرب أكتوبر 1973 الي السلم و الذي توجه بمعاهدة كامب ديفيد في عام 1978 . أدت هذه التطورات الي إنحسار دور الناصريين خاصة بعد ردة السادات و تنكيله بمراكز القوي ثم تركه للإتحاد الإشتراكي حتي تكوين الحزب الوطني برئاسته . لقد ادي عدم وجود التنظيم المهيمن و كذا القائد الكاريزمي وسط الناصريين الي نمو التيار البعثي وسط الإشتراكيين العرب لأنه صار تيارا مسنودا من دولتين لهما نفوذهما في المنطقة العربية بعد إنحسار دور مصر العربي . لقد إنحاز البعض الي القيادة القطرية في دمشق , لكن نتيجة لتنكيلها بالقيادة القومية و التي فر معظم أعضائها و تشتتوا في بقاع الأرض كما حدث للمؤسس ميشيل عفلق الذي فر الي أمريكا الجنوبية ثم ظهر بعد ذلك في بغداد التي إحتضنت القيادة القومية . نتيجة لذلك كانت الغالبية من الإشتراكيين العرب قد إنحازت لحزب البعث القيادة القومية في بغداد , و أوجد ذلك قبولا من التجمعات الحاملة لفكر البعث . هنا لا بد لي ان أذكر ان معظم مؤسسي حزب البعث العربي الإشتراكي في السودان قد كانوا بعثيين منذ دراستهم الجامعية في جامعة القاهرة فرع الخرطوم , لكنهم رغم ذلك إستمروا في حركة الإشتراكيين العرب دون إعلان لبعثيتهم , ربما كان ذلك إنتظارا للوقت المناسب .
لقد نما الحزب في السودان و صار معروفا خاصة بعد محاكمات خلية البعثيين جمعة حماد و رفاقه و إلصاق صفة الإلحاد بهم و سعي النميري لتنفيذ الحد عليهم بعد ان حورت تهمتهم من كتابة منشورات علي الالة الكاتبه الي محاكمة لفكر البعث . لكن نسبة لوقوف المحامين الوطنيين معهم و الدفاع عنهم برأت المحكمة ساحتهم من الإلحاد , و كان للأخ الصادق الشامي المحامي دور كبير في ذلك , و كذلك كان لمجلة ( الدستور ) التي شارك الشريف حسين الهندي في إصدارها من لندن بعد تقاربه مع البعثيين , كان لها الدور الكبير في تسليط الأضواء علي البعثيين و علي الحزب .
 بعد إنتفاضة أبريل 1985 التي أنهت حكم النميري و أعادت الديموقراطية , ظهر حزب البعث العربي الإشتراكي في السودان الي العلن و كانت له دار عامرة قرب مقابر فاروق في الخرطوم و كانت له صحيفة يومية بإسم ( الهدف السياسي ) يراس تحريرها الأخ عبد الله الصافي يرحمه الله و يساعده في التحرير الأخ كمال حسن بخيت . كنت حينذاك أعمل في دولة الإمارات العربية المتحدة و كنت أحضر في الإجازات و اشارك بالكتابة في صحيفة ( الهدف ) , و كنت أزور الرفاق الذين أصبحوا قياديين في دار الحزب و اذكر منهم الأخ العزيز بكري خليل الذي ربطتني به علاقة صداقة شخصية . أذكر أنني ايضا حضرت المعرض الثقافي الذي أقامه الحزب في ميدان ( أبي جنزير ) و كان معرضا مأهولا من الطلاب و الشباب المثقفين و من العامة و كان الزخم الجماهيري ظاهرا للجميع , و هناك هنأت الأخ التيجاني حسين , و كان من مشرفي المعرض , علي تلك النجاحات الباهرة . هكذا كانت فترة الديموقراطية الثالثة , فترة إستقطاب جماهيري خاصة وسط الطلاب في الجامعات ووسط الشباب في قطاعات العمل , و قد ادي هذا الزخم الجماهيري الي تخوف بعض الأحزاب من حزب البعث , خاصة في خضم الفوضي الإئتلافية التي كانت ضاربة بأطنابها بإسم الديموقراطية . لقد كان حزب الجبهة القومية الإسلامية أكثر الأحزاب تخوفا في هذا الخصوص و قد إعترف قادته أخيرا بذلك , و ربما كانوا ينظرون الي ذلك من خلال عقلهم الباطن الإنقلابي . لكن في حقيقة الأمر كان حزب البعث في السودان ديموقراطيا و كان يري في التطور الديموقراطي خيرا كثيرا له . لقد سعي ( الجبهجيون ) و هم في إحدي الحكومات الإئتلافية الي تمرير كشف ضاف لإنهاء خدمات عدد من ضباط الجيش قيل أنهم عقائديون , و لم يشملوا في ذلك الكشف العقائديين أعضاء حزبهم , و كان لهم في ذلك ما أرادوا . كل ذلك لتخوفهم من إستيلاء البعثيين علي السلطة من خلال إنقلاب عسكري . حتي إنقلابهم الذي اتوا به للسلطة يقولون إنه كان استباقيا لإنقلاب خطط له البعثيون ! هكذا قام إنقلاب الإنقاذ و الذي خطط له الجناح العسكري لحزب الجبهة القومية الإسلامية في 30 يونيو 1989 , و رغم إنكارهم لأي إتجاه سياسي لديهم و أنهم فقط ضباط وطنيون , و قيامهم بإعتقال كل قادة الأحزاب السياسية بمن فيهم الترابي , رغم ذلك كشفنا حقيقتهم و نحن مغتربون حينذاك من خلال إختيارهم لوزيرين مغتربين ليمثلا شريحة المغتربين , و قد تهيات أنا و أمثالي من النشطاء في أندية الجالية و من يساهمون بالكتابة في الصحف أن نكون نحن المعنيين , لكن تم إختيار شخصيتين معروفتين بإتجاهيهما السياسي و بعيدتين عن العمل العام , و هكذا تيقنا من حقيقة القادمين الجدد .
لذلك , و عملا بميثاق الدفاع عن الديموقراطية و الذي كانت قد وقعت عليه غالبية الأحزاب و النقابات تم تكوين التجمع الوطني الديموقراطي لتنظيم العمل المعارض و لمناهضة الإعتقالات و التعذيب في بيوت الأشباح . هكذا أقمنا فروعا للتجمع في الأندية السودانية في الأمارات , و كانت تأتينا الكشوفات بأسماء المعتقلين و الذين تم تعذيبهم و من فارق الحياة منهم , و كان يتم نشر ذلك علي نطاق واسع . حقيقة , كان السودانيون يتعاملون بخصوصيتهم في انديتهم و كانوا في فترة الديموقراطية الثالثة يباشرون تجمعاتهم الحزبية , و يباشرون حقهم الإنتخابي في السفارة السودانية , و لم يكونوا قط بعيدين عما يدور في السودان , و كانت صحيفة ( الخليج ) تمدهم بكل اخبار السودان من خلال صفحة ( السودان ) الأسبوعية و هي إحدي صفحات ( الوطن العربي ) , و كنت حينذاك أكتب متعاونا في تلك الصحيفة . منذ بداية الثمانينات إنتظمت علاقتنا و نحن في دولة الإمارات العربية المتحدة مع مكتب السودان في بغداد , و قد توجهت في زيارة تنظيمية في ذلك الوقت الي بغداد و إقترحت علي الرفاق السودانيين في المكتب أن يراعوا لخصوصيتنا في السودان و أن يسمحوا لنا أن نعمل مستقلين عن التنظيمات البعثية الموحدة و المتواجدة في دولة الإمارات , كما إقترحت عليهم ان يركزوا في معارضتهم للنظام علي الجوانب الإقتصادية المتدهورة و التي تهم المواطن العادي أكثر من تركيزهم علي الجوانب السياسية , و قد رحب الجميع بذلك خاصة الأخ محمد شيخون و الذي كان مسؤولا أمنيا بالمكتب و كان دارسا للإقتصاد, وقد عملوا بها .
كان موضوع إسترداد الديموقراطية مطروحا من قبل التجمع , و أذكر قبل أيام من حدوث أنقلاب رمضان – أبريل 1990 وردت إلينا رسالة من مكتب السودان مفادها أن نتوقع أخبارا سارة في غضون الأيام القادمة , و كان المقصود واضحا , و هذا يعتبر خطأ فادحا منافيا للسرية . المهم , حدث الإنقلاب و كان ناجحا بمقياس الإنقلابات , إلا أن سقطته كانت في عدم إعتماد القائمين به في النقاط المختلفة علي وسائل الإتصال المتنقلة و هي أجهزة الراديو النقالة . كان إعتمادهم علي الإذاعة السودانية و لكن سؤ الطالع أوقع بالصدفة الضباط الذاهبين لإذاعة البيان الأول في نقطة للتفتيش علي الطريق العام تحرت معهم حسب قانون الطواريء ثم حجزتهم . لو قدر لجماهير الشعب أن تعلم أن ذلك الإنقلاب كان من قبل التجمع الوطني الديموقراطي و من اجل إسترداد الديموقراطية لخرجت و توجهت لحمايته . هكذا صارت مجموعات منفذي الإنقلاب في جزر معزولة و إجتاحتها الحرب النفسية الإنقاذية بإثارة الشائعات  بأن كل الوحدات قد سلمت أنفسها و علي الباقين أن يسلموا , مع وعود لهم ان يلاقوا معاملات كريمة و كان للوسطاء دور في ذلك . هكذا إستسلم الجميع , و في غضون ساعات و قبيل عيد الفطر المبارك كانت الإعدامات قد نفذت في ثمانية و عشرين ضابطا إشتركوا في المحاولة الإنقلابية , أذكر منهم حسين الكدرو و عثمان بلول و محمد أحمد قاسم و خالد الزين و عاصم ميرغني و عبد المنعم كرار , يرحمهم الله جميعا , لقد كانت غالبيتهم من البعثيين . هكذا أصابني الإحباط كما أصاب الكثيرين , و ذلك كان الإحباط الأول .
في يوليو عام 1990 كان مؤتمر القمة العربي في بغداد و فيه إلتقت كل الدول العربية لأول مرة علي الحد الأدني , و دعمت إلتقاءاتها عمليا بالعمل المناطقي , فكانت مجموعة شمال أفريقيا المغاربية , و مجموعة مصر و السودان و الصومال و اليمن , و مجموعة الدول الخليجية , و مجموعة الشام و العراق , و كان ذلك تقدما عمليا في شأن الوحدة العربية الشاملة و كانت خطوة جادة في طريق التلاقي العربي . لأول مرة التقي فيها الملوك و الرؤساء بدون حساسيات و تعانقوا جميعا أمام الكاميرات , و دعوا بعضهم البعض للزيارات المتبادلة .عند ذلك دقت مجموعات التآمر الغربي – الصهيوني أجراس الخطر , و خططوا لإفشال هذا التلاقي الغير مسبوق , فكان إختلاق خفض أسعار البترول ثم إختلاق أزمة المثلث الحدودي المشترك بين العراق و الكويت و تقسيم عائد نفطه ثم كانت التصريحات الكلامية المتبادلة و ترديد العراق لمقولة : ( قطع الأعناق و لا قطع الأرزاق ) . حضرت حينذاك في زيارة تنظيمية الي بغداد و شهدت كل ذلك و كانت نغمة التصعيد واضحة . في مكتب السودان قابلت الأخ الأستاذ محمد علي جادين و تفاكرنا في الشؤون المختلفة و إقترح علي أن أتولي مسؤولية التنظيم في دولة الإمارات و أن يتولي الأخ العزيز أحمد إبراهيم خلف الله مسؤولية تمثيل الحزب في التجمع . في ذلك الوقت و مع الزخم الجماهيري السوداني كانت لدينا مجموعات فرقية في كل الإمارات و كنا نسعي لربطها بالوطن .
 بعد شهر من ذلك و أنا في دولة الإمارات سمعت بغزو العراق للكويت من خلال أجهزة الإعلام , ثم تواترت الأنباء أن أمريكا عن طريق سفيرتها كانت قد أبدت لصدام قبل الغزو تغاضيها عن هذا الأمر إذا ما تم , و هذه كانت حيلة التوريط المدروسة لزعزعة التقارب العربي كما أشرت . هكذا في أغسطس 1990 تم إحتلال الكويت , و أنا أري هنا ذهنية صدام الذي أراد ان يجعل من بداية عقد التسعينات بداية لمشروعه الوحدوي العربي علي طريقة ( الإقليم القاعدة ) . لكنني أركز هنا علي التصرفات العراقية التي اعقبت الغزو و التي تناقلتها القنوات التليفزيونية من سلب و نهب للسيارات و الأجهزة الكهربائية و الأثاثات المنزلية الكويتية . تصرف لا يدل علي التآخي و علي المشاعر الطيبة , و من سؤ المعاملة تلك ترك معظم الكويتيين ديارهم و لجأوا الي دول الجوار . في دولة الإمارات تم إستقبالهم , و في الشارقة و في النادي العربي و أنا عضو في لجنته الثقافية كونا مسيرة تضامنية حول بحيرة خالد ثم شرعنا في التبرع بإيوائهم بتقاسم منازلنا معهم و لكن الدولة اسرعت في تسكينهم جميعا . كان ذلك الإحباط الثاني الذي يصيبني , و قد أعقبه الإحباط الثالث حين إنقسمت الدول العربية بين دول الإدانة للغزو و دول الضد و الذي قصم ظهر التوحد العربي . إحباطات ثلاثة في اشهر قلائل جعلتني اقرر مع الأخ أحمد إبراهيم خلف الله تجميد نشاطنا الحزبي في دولة الإمارات . لم يصلنا قط أي تحليل سياسي أو موقف حزبي من مكتب السودان في بغداد و الذي كان يفرق دائما بين علاقة العراق كدولة مع السودان و بين معارضتنا للنظام في السودان , لكنه هذه المرة صمت طويلا ثم أرسل إلينا رسالة مع أحد السودانيين من تجار الشنطة و الذي تصادف حضوره الي الإمارات من بغداد , و لم تصلنا تلك الرسالة بل أوصلتنا الي المعتقلات ! في تلك الفترة ساءت العلاقة بين السودان و دولة الإمارات بعد وقوف السودان بجانب العراق بعد الغزو مما أدي الي سحب السفراء و إغلاق السفارات , و بدات عمليات إعتقال بعض الناشطين من حزب الحكومة السودانية . في ذلك الوقت وصل ذلك القادم من بغداد حاملا رسالته لنا , و منذ وصوله في مطار أبو ظبي واصل الإتصال هاتفيا بالأخ أحمد إبراهيم مكررا انه يحمل رسالة هامة لنا من بغداد ! و هكذا لم تتم له مقابلة أي احد منا . كانت فحوي الرسالة كما علمت بعد ذلك ان مكتب السودان يدعونا الي التصالح مع الحكومة السودانية و الإنسحاب من التجمع . حدث آخر كان له وقع و هو إعتقال علي كامل الأخ غير الشقيق للأستاذ بدر الدين مدثر ممثل القطر السوداني في القيادة القومية في بغداد , إثر خلاف مالي بينه و بين شخص آخر أدي الي الوشاية به , و هكذا تساقطت مجموعتنا في الإعتقال بعد أشهر عدة من تجميدنا لنشاطنا .
لقد أدي تدخل مولانا السيد محمد عثمان الميرغني و شرحه للإخوة في الإمارات أننا كنا نعمل من داخل التجمع و لأجل السودان , أدي ذلك الي عودتنا بعد اشهر متفاوتة الي السودان . في السودان طلب البعض منا أن نكتب و نتحدث في وسائل الإعلام عن تلك الفترة العصيبة في الإمارات , لكنني لا أري أن أحدا منا قد وافق علي ذلك , و عندما أسال نفسي لماذا رفضنا كلنا ذلك أري ان الإجابة تنطوي في ما يمثله لنا الشيخ زايد بن سلطان حكيم العرب يرحمه الله مؤسس أنجح وحدة عربية حديثة متمثلة في دولة الإمارات العربية المتحدة , و أن الأمر كان فيه إلتباس عمقته الأصوات المرتفعة ضد دول الضد التي ساندت العراق و هي السودان و اليمن و فلسطين . في السودان واصلت قراري في تجميد نشاطي الحزبي فلم أقابل أي مسؤول بعثي و كنت أرفض ذلك بشدة , فأخطاء مكتب السودان كانت لا تغتفر , و هكذا توالت السنون و انا علي موقفي ذاك . عندما تطول المدة يكون التجميد للنشاط بمثابة الإنصراف الكلي الذي لا عودة بعده , و هذا ما حدث .
لقد عرفت نفسي , و رصدت كل كتاباتي السابقة ووجدت انها يجمعها رابط خفي يتمثل في الوسطية في كل شيء , و أن الوحدة النيلية الإقليمية التي بدأها الإتحاديون تلتقي مع الوحدة المناطقية التي أقرها مؤتمر القمة العربي في عام 1990 و التي لا زالت تتبناها جامعة الدول العربية كمرحلة تعقبها مراحل أخري في سبيل الوحدة العربية الشاملة علي نهج الطريقة الثانية التي تتحقق بمساعي و تلاقي القوي العربية الوحدوية في الوطن العربي علي التراضي و المصلحة المشتركة و علي مجابهة التحديات التي تواجه وجودها عن طريق التعاون و التنسيق و التكامل و الإندماج فيما بينها . هذا الإندماج الذي تجسد في عصرنا الحالي في إتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة و في إتحاد اليمنين الشمالي و الجنوبي في دولة واحدة , و إنشاء الله سوف تعقب ذلك إتحادات أخري .
 رجعت الي أهلي و عشيرتي و تمعنت في مناداة عمي سر الختم لي ب ( الخليفة عمر ) , و رجعت الي والدي يرحمه الله و إقامته لليالي الذكر علي الطريقة الختمية و إنشادهم للنور البراق في مدح النبي المصداق صلي الله عليه و سلم للإمام السيد محمد عثمان الميرغني الختم , ورجعت الي زياراتي الي الميرغنية في كسلا لأمنا آمنة بنت بشير بك كمبال شقيقة جدتي أم كلثوم و زوجة السيد احمد بن السيد الحسن الختم , و رجعت الي مسجد الفقيه شمس الدين في حلفاية الملوك وزفة العيد و الي مسجد السيد علي الميرغني في الخرطوم بحري , و رجعت الي ( عماير الميرغني ) في مدينة جدة , و رجعت الي صحيفة ( الخرطوم ) و التي ظللت أكتب فيها منذ أكثر من عقد من الزمان ووجدت أن القدر قد جمعني بها بعد أن أوجد فيها كل قناعاتي التي توصلت اليها . هكذا و منذ أعوام مضت أبديت للأخ الدكتور الباقر أحمد عبد الله رغبتي في العمل الحزبي من داخل الحزب الإتحادي الديموقراطي , و هكذا إلتقيت مع الإخوة الأفاضل في مدينة جدة و في مدينة الرياض , و هكذا كانت عودتي الي الحظيرة .