عمود : محور اللقيا
النضال السلمي إشتهر به المهاتما غاندي و توصل به إلى إستقلال الهند من الإستعمار البريطاني في 15/8/1947 و إلى رئاسة دولة الهند الحديثة , و لكن هل ينجح النضال السلمي في كل الأحوال ضد المستبد الغاشم ؟ لقد إستدعى غاندي العاطفة الإنسانية في الضباط و الجنود البريطانيين و تركهم يهاجمون بأسلحتهم المختلفة المتظاهرين الهنود السلميين و يضربونهم ضربا مبرحا و يرمونهم بالرصاص و لكن مع صمود المتظاهرين الهنود و تساقطهم و عدم مقاومتهم تحركت في الضباط و الجنود البريطانيين عواطفهم الإنسانية فتوقفوا عن ضرب و تقتيل المتظاهرين , و نجح غاندي ببعد أفقه و معرفته بمكنون نفسية البريطانيين ! ترى , هل كانت طريقة غاندي في النضال السلمي سوف تنجح في ذلك الزمان الذي لا يعرف التدخلات العسكرية الإقليمية و الدولية إذا ما كان الحاكمون مؤدلجين و خالين من الرحمة و يتمسكون بحكمهم العضوض و يعتبرونه أمر حياة لهم أو موت و لا يطرف لهم جفن حتى ولو قتلوا نصف الشعب ليحكموا النصف الآخر ؟
عند قيام ثورة أكتوبر 1964 لم يكن الحكم العسكري مؤدلجا و لم يكن لهم حزب سياسي بل كانوا يحكمون الناس بأعمالهم و يطلبون من الناس أن : ( أحكموا علينا بأعمالنا ) و عند قيام الثورة التي كانت تطلب الحرية و الديموقراطية بعد ستة أعوام من حكمهم و بعد إستشهاد القليلين تنازل الرئيس إبراهيم عبود عن الحكم حقنا للدماء . عند قيام إنتفاضة أبريل 1985 كان الحكم العسكري متقلبا في إيديولوجيته و كان له تنظيم سياسي قد قام بتكوينه كحزب حاكم بعد أن إستولى على السلطة و لذلك عند قيام الإنتفاضة بعد ستة عشر عاما من حكمهم و إستشهاد القليلين إنحاز الجيش بقيادة أركانه إلى الشعب حقنا للدماء . عند قيام إنتفاضة ديسمبر 2018 و المستمرة حاليا كان الحكم العسكري الإنقاذي مؤدلجا و له حزب سياسي في الساحة معروف بالجبهة القومية الإسلامية و الذي تحول إلى حزب المؤتمر الوطني ثم صار الحزب هو الدولة مع تطبيق سياسات التمكين التي مكنته من مفاصل الدولة فخلا له الجو , كما يقول المثل المأخوذ من بيتي الشاعر طرفة بن العبد : ( قد خلا لك الجو فبيضي و أصفري ... و نقّري ما شئتي أن تنقّري ) , بل و عملوا السبعة و ذمتها في تلونهم و في تنقير ما في الأرض من بترول و ذهب , و لذلك فإن الأمر هذه المرة يختلف عن سابقيه !
هذه المرة و بعد قرابة الثلاثين عاما من حكم الإنقاذيين و حتى الآن يقدّر عدد الشهداء القتلى بثلاثين قتيلا في إنتفاضة ديسمبر الجارية و قبل ذلك في هبة سبتمبر 2013 كان عدد الشهداء القتلى يقدّر بمئتي قتيل , و لكن لم يرف طرف للقوات الأمنية و لا للمليشيات الخاصة بالحزب و بامانة طلابه , فقبضتهم الأمنية لن ترتخي مهما كثر عدد القتلى و لن يسمحوا بالتظاهرات السلمية رغما عن الدستور السوداني الذي يكفل الإحتجاجات بل و في حقيقة الأمر تتم محاصرة أماكن تجمعات المتظاهرين بالقوات الأمنية و سدها بالقوة و منع التجمعات و يتم إستعمال العنف المفرط ضد المتجمعين و المتظاهرين فيتم رميهم بالقنابل المسيلة للدموع و ضربهم بالعصي و بالأسلحة النارية و يتم إعتقالهم !
كيف تتم حماية التظاهرات السلمية حتى تبلغ منتهاها ؟ الوضع هذه المرة مختلف و لكن تجارب الربيع العربي في تونس و ليبيا و مصر و اليمن و سوريا تشير إلى إحتمالات ما سوف يحدث , و إن كان وضع النظام السوداني مختلف هذه المرة عما كان في عامي 1964 و 1985 فإن وضع المتظاهرين ضد النظام أيضا مختلف هذه المرة كما سابين في الاتي :
1 - هذه المرة جل الشعب السوداني يعاني من ضائقة معيشية قد أمسكت بتلابيبه و يزيد إيقاعها كل يوم و حين و قد شمل تاثيرها كل مدن السودان فخرج المواطنون في جميع أنحاء السودان في تظاهرات مطلبية صاخبة أجمعوا أن تكون سلمية .
2 – هذه المرة تم تاسيس جسم موحد لقيادة التظاهرات الإحتجاجية السلمية و العصيان المدني من أجل إسقاط النظام تحت مسمى تنسيقية الإنتفاضة السودانية و هي تضم كل أطياف المعارضة كتحالف قوى الإجماع الوطني و تحالف نداء السودان و تجمع المهنيين السودانيين و التجمع الإتحادي المعارض و كل الكيانات السياسية و المجتمعية التي تؤمن بالإنتفاضة و بذلك أصبحت المظاهرات أكثر تنظيما و تاثيرا و إطالة في حراكها .
3 – هذه المرة حدثت إنشقاقات في حزب المؤتمر الوطني و في أحزاب الحوار الوطني الموالية له فخرجت مجموعة الدكتور غازي صلاح الدين التي كونت حزب الإصلاح الآن ثم خرج إثنان و عشرون حزبا من أحزاب الحوار الوطني المتحالفة مع الحكومة و كونوا كلهم الجبهة الوطنية للتغيير و انضموا لمعارضة النظام , كما صارت أعداد الإسلاميين المغادرين سفينة الإنقاذ في تزايد و الذين تلتقطهم سفينة المعارضة في ترحاب مقدّم و محاسبة مؤجلة .
4 – هذه المرة إزدادت مراقبة منظمات حقوق الإنسان لما يحدث من تجاوزات من القوات الأمنية أثناء التظاهرات السلمية و كذلك مراقبة الترويكا ( بريطانيا و الولايات المتحدة الأمريكية و النرويج ) و كندا و الإتحاد الأوربي و الإتحاد الأفريقي لما يحدث , مع إنتشار القنوات الفضائية بمراسليها الميدانيين , و صار كل شئ مكشوفا لا تجدي معه أساليب الحشود الخادعة .
5 – هذه المرة و مع صمود التظاهرات السلمية لأسبوعها الرابع و تجاوب الجماهير معها و تصعيدها و إصرار التنسيقية لإستمرارها و السير بها نحو غايتها تظل مسالة حماية المظاهرات السلمية تكمن في إزدياد زخمها الجماهيري و في إعلامها القوي في وسائط الميديا و في وقفات سودانيي الخارج الإحتجاجية و في كشف مراسلي الإعلام الدوليين و منظمات حقوق الإنسان و السفارات الأجنبية و الأمم المتحدة للتجاوزات الأمنية و التقتيل و ما يعقب ذلك من تحذيرات , و ربما تأتي الحماية كما حدث في مدينة عطبرة من قوات الشرطة و الجيش التي تحولت لحماية المتظاهرين . لكن في كل الأحوال لن تأت الحماية للمظاهرات السلمية من أسلحة الحركات المسلحة المنضوية للتنسيقية لأنه عند ذاك سوف تنتهي مرحلة التظاهرات السلمية و سوف تدخل البلاد في مرحلة الإغتيالات و حرب المدن .
6 – هذه المرة سوف يتطور الأمر إذا أصرت سلطة الإنقاذ على تعنتها و تمسكها بالحكم و لم ترض بأية تسوية , خاصة بعد حديث السيد علي عثمان محمد طه الإخير الذي كشف فيه عن وجود كتائب ظل مسلحة للنظام و مستعدة ان تموت في سبيل بقائه في الحكم , و عند ذلك سوف تكون الإحتمالات مفتوحة لحرب المدن , أو لإنحياز الجيش للإنتفاضة من ضباطه المؤدلجين أصحاب الرتب العليا و في ذلك سرقة للإنتفاضة معادة , أو ربما تكون هنالك تدخلات اجنبية بقرار من مجلس الأمن الدولي أو من حلف شمال الأطلنطي ( الناتو ) و يكون في ذلك دمار كثير لمدن السودان خاصة الخرطوم , فهل من مدّكر ؟
من الحكم المأثورة للشيخ فرح ود تكتوك الذي كان يستشرف المستقبل قوله : ( الخرطوم تعمر للديوم , و تتهدّم تبقى روم ) , و قد صدق الشيخ فرح في الشطر الأول فكثر العمران و قامت البنايات في الديوم التي كانت في أطراف الخرطوم , فهل أتى أوان الشطر الثاني كي تتهدّم الخرطوم و تبقى حطاما ؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////