عمود : محور اللقيا

في أحد المساجد الكبرى في الخرطوم و في خطبة صلاة الجمعة في الأسبوع الماضي تحدث الخطيب حديثا مستفيضا عن فضيلة التنازل عن الحكم في التاريخ العربي الإسلامي درءاً للنزاعات و حقناً للدماء , فضرب أمثلة عن ذلك في كل الحقب العربية الإسلامية حتى عصرنا الحديث و أورد ما يلي :
1 - بعد عهد الخلفاء الراشدين كان تنازل الخليفة الخامس الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بعد سبعة أشهر قضاها في الحكم , بعد أن كادت أن تقع الحرب بينهما و إستعد كل من الحسن و معاوية لها بجيشين جرارين و لكن الحسن تريث لأن في الحرب إفناء لجيشيهما و ما كان سوف يعقب ذلك من إضعاف لقوة المسلمين و قاد ذلك إلى تنازل الحسن بن علي عن الحكم حقناً لدماء المسلمين فإنسحب بجيش العراق الذي كان يقوده و ترك الحكم لمعاوية و لجيش الشام .
2 – في الدولة الأموية كان الخليفة معاوية بن يزيد بن معاوية الملقب بمعاوية الثاني في غاية التدين و الزهد فرفض الخلافة بعد شهرين فقط من تنصيبه و تنازل عنها طواعية خوفا من إقتراف الذنوب و رفض ان يختار خليفة في مكانه عندما طُلب منه ذلك قائلا : ( و الله ما ذقت حلاوة خلافتكم فكيف أتقلد وزرها ) !
3 – في دولة المرابطين التي غطت مناطق المغرب العربي و توسعت جنوبا سار الأمير الحاكم أبو بكر بن عمر بجيشه جنوبا في الصحراء لإخماد القلاقل و للتوسع و ترك قائده العسكري إبن عمه يوسف بن تاشفين لينوب عنه في مناطق الحضر من دولته , و عندما عاد بعد أن مكث زمانا في جنوب دولته وجد أن مركز يوسف بن تاشفين قد قوي و انه سوف لن يتخلى له عن الإمارة فتنازل له في عام 1065 حقناً للدماء .
4 – عند قيام الدولة الأيوبية التي دعا لها صلاح الدين الأيوبي قائد جيش الملك الصالح زنكي بعد أن إستتب له الأمر في مصر و من ثم تقدم نحو الشام و بدأ في إخضاع الحصون الرومانية و منافسة الملك الصالح زنكي في أمور الحكم , إستشعر الملك الصالح مغبة ذلك الأمر الذي يتمثل في ضياع قوة الدولة أمام أعدائها و آثر أن يتنازل في عام 1176 عن حكم الشام لصلاح الدين الأيوبي و يكتفي بحلب .
5 – في عصرنا الحديث – يستمر خطيب الجمعة في سرده – نجد مثالا لتنازل الحاكم طوعا حقناً للدماء في تنازل المشير عبد الرحمن سوار الذهب عن رئاسة السودان طوعاً و في نفس مدة السنة التي كان قد حددها هو لحكم السودان و أوفى بوعده ثم سلم الحكم بعدها إلى حكومة منتخبة ديموقراطيا !
ربما كان الإخوة العرب لا يعرفون تفاصيل فترة رئاسة المشير عبد الرحمن سوار الذهب للمجلس العسكري الإنتقالي و ملابسات إختياره و اين كان مكمن القوة و إتخاذ القرار حينذاك عندما وصفوه بأنه الزعيم العربي الوحيد الذي تنازل طوعا عن السلطة , و لكن أن يصدر مثل هذا الكلام الذي فيه تضخيم مغلوط لدور المشير عبد الرحمن سوار الذهب من مثقفين سودانيين يعلمون البئر و غطاءها في السودان فإن الأمر حينئذ يبدو مغرضا و مربكا . لا ينكر أحد أن المشير سوار الذهب كان على خلق حسن و كان متدينا و طيب المعشر و قد زاد تدينه بعد عودته من مسرح العمليات العسكرية في جنوب السودان أثناء الحرب الأهلية و قد ذكر في شريط بالصوت و الصورة أنه كان قد نجا بأعجوبة من الموت عندما إنفجرت فيهم قذيفة مدفعية قتلت كل الضباط الذين كانوا معه في المناورة و لم ينج إلا هو و ضابط آخر كانا قد صلّيا الصبح حاضرا معا في صبيحة ذلك اليوم . لذلك لم يكن سوار الذهب يرضى بأخذ قرض لبناء منزله و كان يقول أن ذلك حرام حتى فتح الله عليه باموال كافية من راتبه لبناء منزله , و نسبة لأعمال البر و خدماته الجليلة التي قام بها للدين الإسلامي فقد نال جائزة الملك فيصل العالمية في عام 2004 , و قد وافق الملك سلمان بن عبد العزيز على دفن جثمانه في مقابر البقيع عملا بوصيته , يرحمه الله .
الناس يختلفون في تقييم المشير عبد الرحمن سوار الذهب في الجانب السياسي و الذي يتضح فيه انه كان منحازا للجبهة القومية الإسلامية ربما بحكم تدينه و إعتباره أنهم يخدمون الإسلام , فهو عندما أقاله الرئيس نميري من الخدمة العسكرية تمت إعادته للخدمة بعد تحالف الجبهة القومية الإسلامية مع نظام نميري و إجازة قوانين الشريعة الإسلامية المعروفة بقوانين سبتمبر , و عند قيام إنتفاضة أبريل المجيدة بقيادة الأحزاب و النقابات و إقتراب تمكنهم من السلطة دعا بعض الضباط الكبار منهم اللواء تاج الدين و اللواء عثمان عبد الله و اللواء حمادة عبد العظيم دعوا الفريق عبد الرحمن سوار الذهب بحكم أنه يحمل أعلى رتبة للإنحياز للشعب و تكوين مجلس عسكري مؤقت حفاظا على أمن البلاد و لم يكن سوار الذهب موافقا بل كان مترددا نسبة لقسم الولاء الذي كان قد أقسمه لنميري و لكن أتوا له بمن أقنعه بإمكانية حنث ذلك القسم و إلا فإنهم سوف يتجاوزونه .
الفترة الإنتقالية قد تم تحديدها بعد إجتماعات المجلس العسكري الإنتقالي مع الأحزاب و النقابات الممثلة للشعب و كان أن حددوها بسنة واحدة و عند تكوين الحكومة كان رئيس الوزراء دكتور الجزولي دفع الله و هو إسلاموي و عضو في الجبهة القومية الإسلامية , و لذلك لم يتم إلغاء قوانين سبتمبر رغما عن وجود إجماع أنها لا تمثل الإسلام ثم تم إجازة قانون للإنتخابات كان في مصلحة الجبهة القومية الإسلامية و بذلك لم يتم اي حجر سياسي على الجبهة القومية الإسلامية كما حدث للإتحاد الإشتراكي رغم تحالفها و مشاركتها في الحكم مع نميري . بعد إنتهاء الفترة الإنتقالية التي تم تحديدها بعام و قيام إنتخابات ديموقراطية فاز فيها السيد الصادق المهدي برئاسة الوزراء إنتهى دور المجلس العسكري الإنتقالي و عند ذاك إنتقل المشير عبد الرحمن سوار الذهب ليكون أميناً عاما لمنظمة الدعوة الإسلامية . في عهد الإنقاذ كان للمشير سوار الذهب دور في إخماد حركة رمضان التي قام بها الضباط ال 28 كما كان له دور في رئاسة الحملة القومية لإنتخاب الرئيس البشير في إنتخابات 2010 .
كنت قد عقدت مقاربة في مقالة لي سابقة بين المشير عبد الرحمن سوار الذهب في السودان و المشير حسين طنطاوي في مصر فكلاهما مولودان في عام 1935 و كلاهما يحملان رتبة مشير و كلاهما كانا وزيرين للدفاع و قائدين عامين للقوات المسلحة و كلاهما إنحازا لإنتفاضتين شعبيتين في السودان في ابريل 1985 و في مصر في يناير 2011 و كلاهما ترأسا المجلس العسكري الإنتقالي و كلاهما إنتهت مدتهما بإنتهاء المدة المحددة بسنة في السودان و بستة اشهر في مصر , و لكن فإن التقريظ و الشهرة التي تلقاها المشير سوار الذهب لم يتلقاها المشير طنطاوي !


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.