عمود : محور اللقيا
كمدخل , يقول الشاعر المصري أمل دنقل :
يقال لم يجئ ..
و قيل : لا .. بل جاء بالأمس
و استقبلته في المطار بعثة الشرف
و أطلقوا عشرين طلقة – لدى وصوله –
و طلقة .. في كبد الشمس
كاذب أكون إذا قلت أنه بإمكاني أن أكتب جازما عن تداعيات الخطة الإسعافية للنهوض بالإقتصاد السوداني المتردي عن طريق العلاج بالصدمة , فالأمر شائك و يعتمد في نجاحه على عوامل عدة يتطلب الخوض فيها الكثير من الولاء للوطن و الجدية و الشفافية , فهلا فعل القائمون بالأمر ذلك !
لقد تم تحرير سعر الصرف للعملة الصعبة لتكون مساوية لسعر السوق الموازي و من أجل ذلك تم تكوين ( لجنة صنّاع السوق ) بإعتبارها محايدة و ممثلة من البنك المركزي و مجموعة المصارف و الصرافات و أفراد من التجار المهيمنين على سوق العملة و ذلك لكي تقوم بتحديد سعر الصرف يوميا عند الساعة السابعة صباحا , و منذ اليوم الأول إرتفع سعر الدولار من 28 جنيها إلى 47.5 جنيها أي أنه قد تم خفض الجنيه السوداني في هذه الخطوة بما يعادل 60 % و إستمر السعر ثابتا لعدة أيام و لكن ظهرت ثانية السوق السوداء بزيادة طفيفة في السعرفصار 48.5 ثم 50 جنيها ! هنا إتخذت الحكومة قرارت مشددة ضد تجار العملة تشمل مصادرة أموالهم و معاقبتهم بأحكام صارمة لم يفصح عنها بعد حتى تقضي بذلك على السوق السوداء , و لكن ليست هذه المرة الأولى التي تحارب فيها الحكومة السوق السوداء و التي كانت تعود ثانية كل مرة , و للسوق السوداء مجال أكبر في بلاد المغتربين خارج السودان . لذلك فلا بد من دراسة مسببات السوق السوداء و من هو المستفيد الأكبر من شراء العملة الحرة من المغتربين في الخارج و كيفية تحفيز المغتربين لتحويل أموالهم إلى داخل السودان عن طريق القنوات الرسمية . كما قلت الأمر متشعب و عوامل النجاح تعتمد على معالجة الأدواء الرافعة للدولار و أجملها هنا في الآتي :
أولا – يجب أخذ أمر القطط السمان مأخذ الجد حتى يتم إسترداد الأموال التي إستغلوها في فسادهم و معظمها بالعملة الحرة ثم يتم تقديمهم للمحاكمات عملا بالقانون , و هذه الأموال المستردة سوف تعمل عمل القروض و الودائع الأجنبية و سوف تكون في يد البنك المركزي ليضخها في السوق متى شاء لتثبيت سعر الجنيه السوداني , كما يمكن للبنك المركزي أن يستغلها في أية أمور طارئة أخرى .
ثانيا – لقد بدأ السيد رئيس مجلس الوزراء وزير المالية برنامجه الإسعافي بداية موفقة بزيارته لمناطق الإنتاج الزراعي في الجزيرة و الأبيض و القضارف فإذا تم توفير كل مسببات نجاح الموسم الزراعي و حصاد المحاصيل فسوف تزداد قيمة الصادر و لكن القيمة الفعلية مع تخفيض قيمة الجنيه السوداني فلن تكون عالية و لكنها سوف تخلق أسواقا جديدة .
ثالثا – بالنسبة لعملية الإستيراد فقد صدرت قرارات أولا بايقاف الإستيراد بدون قيمة Nil value و إيقاف إستيراد السلع الكمالية و الفواكه و المواد الغذائية و السيارات ما عدا الشاحنات و البصات و ذلك حتى تقل المضاربة على الدولار و يقل الطلب عليه و يقل سعره , و لكن فقد حدث تعديل بيّنه إتحاد أصحاب العمل بإستمرار الإستيراد بدون قيمة و الإستمرار في إستيراد بعض السلع .
رابعا – كثر الحديث عن حوافز المغتربين و أرى الحل أن يعود كما كان في ثمانينات القرن الماضي حينما أبدى المغتربون رغبتهم في دعم وطنهم السودان بدفع مساهمة من رواتبهم سموها بالمساهمة الوطنية و كانوا يحولونها عن طريق البنوك و شجعتهم الحكومة بأن وضعت لهم حوافز تزداد مع إزدياد تحويلاتهم و لم يكن هنالك وجود لأي وكلاء للسوق السوداء في بلاد الإغتراب و لكن كان لقرار المقاطعة الإقتصادية للسودان دور كبير في إيجاد وكلاء الخارج هؤلاء . يوجد نظام للمغتربين في مصر يمكن تطبيقه عندنا في السودان و هو أن يمنح الإذن لكل من يجد فرصة للعمل في الخارج لمدة لا تزيد عن الأربعة أعوام تكون فيها وظيفته و علاواته محفوظة له و يعود إليها عند عودته و مقابل ذلك يدفع مبلغا لحكومته و يحول نقوده بالبنوك الرسمية و يمنح حوافز مقابل ذلك كإدخال سيارته و أغراضه معفية من الجمارك .
خامسا – السوق السوداء تكون عادة في حالة الندرة أو إزدياد الطلب عن العرض و عدم قدرة القنوات الرسمية على تغطية العجز و يمكن محاربة مشروعيتها حتى تظل في الخفاء و يصعب التعامل معها كما في دول عدة . أما أن تعمل السوق السوداء في بلاد الإغتراب و بواسطة وكلاء من تجار الداخل فهذا أمر له مسبباته و كما ذكرت فمسببه الأول هو المقاطعة الإقتصادية التي تمنع التعامل مع البنوك , و مسببه الثاني هو تهريب الأموال التي بالعملة السودانية في الداخل إلى الخارج بعد تحويلها إلى عملة صعبة و في هذه الحالة من المستفيد ؟ المستفيد الأكبر من يضع أمواله تلك في البنوك الأجنبية و يستثمرها في مشاريع بالخارج , ثم التجار الذين يستعملونها في الإستيراد الحر للسودان , و يمكن محاربتهم و الحد من نشاطاتهم عن طريق العمل بحوافز المغتربين كما ذكرت آنفا .
أما عن تحسين معايش الناس و الذي كان السبب الرئيسي للبرنامج الإسعافي كما ذكر السيد رئيس الوزراء وزير المالية فقد كانت صدمة تحرير سعر الصرف قاضية عليهم و إزدادت الأسعار بطريقة دراماتيكية في الأيام الماضية و لكن دعونا ننتظر و نرى كما يقولون Let us wait and see


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.