عمود : محور اللقيا
كمدخل أنقل لكم بضع أبيات للشاعر العراقي أحمد مطر :
- - أيقظوني عندما يمتلك الشعب زمامه
عندما ينبسط العدل بلا حدٍ أمامه
عندما ينطق بالحق و لا يخشى الملامة
عندما لا يستحي من لبس ثوب الإستقامة
و يرى كل كنوز الأرضِ
لا تعدل في الميزان مثقال كرامة
.. سوف تستيقظ لكن
ما الذي يدعوك للنومِ
إلى يوم القيامة
تسع سنوات عجاف مررن على هبة سبتمبر 2013 و لا زال الغموض يكتنف ظاهريا القناصة الذين تسببوا في قتل ما يربو على المئتين من الشباب المتظاهرين الذين أهدر دمهم بلا جناية سوي التعبير عن الرأي المعمول به في الدستور , بينما يعرف المواطنون باطنيا من خلال شهود العيان من يكونون هؤلاء القتلة , فها هي لجنة التحقيق في أحداث سبتمبر و بعد تحريات مكثفة لمدة سنتين كاملتين من أحداثها الأليمة تأتي بتقريرها و تقول أن عربات من غير لوحات قد أطلقت النار على المتظاهرين !! أين الشفافية يا من تدعون إليها و تبشرون بكشف كل الفساد و تبشرون بالنزاهة و بالتغيير ؟ هل يوجد فساد أكثر من فساد المفسدين في الأرض الذين يقتّلون أبناءنا و يستحيون نساءنا و يخرجوننا من ديارنا ؟ الفساد ليس هو فساد المال العام فقط , بل هو يشمل كل طغيان و بغي للسلطة المطلقة .
كل ما سأكتبه سوف يكون تكراراً لما كان في الأعوام الماضية منذ عام 2015 أي بعد تقرير اللجنة أعلاه و ما تلاه من تعويضات مالية لأسر القتلى قد رفضته جل الأسر , و غير ذلك فلا جديد حتى صارت الكتابة فيه كوضع الحافر على الحافر و صارت الأمور كما هي و صار الهم الإنقاذي هو التمادي في لعبة مط الوقت من أجل الحكم . كثير من الأسر أحشاؤهم محروقة جراء فقدهم لفلذات أكبادهم من الشباب اليفع الذين سالت دماؤهم الطاهرة أثناء التظاهرات و روت الأرض الطيبة لتنبت وعدا و تمني . الأمهات الثكلى من ينصفهن و كيف يبرد غليلهن و هن ما زلن في إنتظار الحقيقة عن قاتلي أبنائهن و ينتظرن القصاص الذي سيظل مطلبا مرفوعا ! هبة سبتمبر , أقول أنها هبة لأنها انتهت قبل أن ترقى لتكون إنتفاضة أو ثورة و الحكم دائما في النهايات , فالهبة انتفاضة شعبية لم تصل في نهايتها الى تغيير السلطة , و الإنتفاضة ثورة وصلت في نهايتها إلى تغيير السلطة و لكن بعد تدخل طرف آخر كالجيش كما في انتفاضة أبريل 1985 , أما الثورة فهي التي تقتلع النظام القائم و تغيره بفعل المد الشعبي الثوري كما في ثورة أكتوبر 1964 .
السبب المباشر لهبة سبتمبر كان رفع الدعم عن المحروقات الذي اشعل السوق غلاءً , و الأسباب غير المباشرة كانت جماع تراكمات عدة , و منذ تلك الزيادات المعلنة لم يتوقف الغلاء و صار مرتبطا بصعود الدولار مقابل العملة المحلية و الذي واصل صعوده و واصلت الأسعار إرتفاعها و طالت كل شئ و إزدادت رسوم الجبايات و إزدادت تعرفة المواصلات العامة إلى الضعف و كانت كلها زيادات غير معلنة حتى تتجنب الحكومة أي غضبة أخرى كما حدث في سبتمبر و بذلك صارت الزيادات تنطلي على المواطنين المشدوهين بأعباء الحياة الصعبة .
البرنامج الإصلاحي الذي بدأته الحكومة مؤخرا لن يكون أمره سهلا إلا إذا صدقت النوايا في تنفيذه , فهو عبارة عن خطة إسعافية إعافية لإنقاذ الإقتصاد السوداني و المواطن السوداني المحتضرين , و العلاج المطلوب يتطلب الشفافية و النزاهة و هذان أمران ليس بالسهل تطبيقهما مع تمدد سلطة الإنقاذ في حكمها الذي بلغ التسعة و عشرين عاما و إحتواه فساد القطط السمان و تجاوزات عدة في مجالات عدة و منها قضية شهداء هبة سبتمبر .
الشعب السوداني شعب عظيم , في عين كل من عرفه حق المعرفة , لأن بواطن حقيقته لا تتجلى لأصحاب الإنطباعات السريعة , فتأثير الصوفية و الأثرة الغيرية و التربية القيمية هم نتاج تشكل الشخصية السودانية على البساطة و التواضع و التسامح و الصبر ... الصبر على كل شدائد الحياة , فترى السوداني منا ( ممكونا ) و حاملا على كاهله ما تئن من حمله العيس , و لكنه رغم ذلك صابر ! هذا الصبر الأيوبي قد فهمه الإنقاذيون أنه ضعف و خور قد نجحوا في غرسه بآلتهم القمعية في الشعب السوداني طيلة القرون الماضية التي شارفت على الثلاثة . لذلك فإن دوام الحال من المحال , و إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون , و أن ليس للإنسان إلا ما سعى .. و أن سعيه سوف يُرى .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.