عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عمود : محور اللقيا
يواجه نظام الإنقاذ حراكا جماهيريا هذه الأيام ضد الغلاء المستشري الذي أفرزته موازنة العام الجديد 2018 والتي إعتمدت إعتمادا كليا في مواردها على الجمارك و الضرائب و حجبت حجبا تاما كل إيرادات البترول و الذهب و الشركات الحكومية كشركات الإتصالات و الصناعات و غيرها , و رغما عن التحوطات الأمنية الإستباقية لأماكن تجمعات المتظاهرين و إعتقال القادة و النشطاء فقد تجمعت أعداد غفيرة من المحتجين و الرافضين للموازنة الجديدة و خرجوا في تظاهرات سلمية تندد بالغلاء و بالمسببين له و مطالبين بتوفر الخبز و الحرية اللذين يحيا بهما الإنسان , و لا زال الحراك مستمرا ... !

ردود أفعال النظام كانت متوقعة كما تعود مرارا في إعتقال قادة أحزاب المعارضة و إعتقال الناشطين في عمليات التنظيم و التنسيق في تجمعات المعارضة والتنظيمات الشبابية و منظمات المجتمع المدني والموثقين للأحداث والمصادمات , وها وسائل التواصل الإجتماعي قد إمتلأت بفيديوهات المسيرات و التظاهرات وما بها من تعديات أمنية على المتظاهرين السلميين بإلقاء القنابل المسيلة للدموع عليهم و ضربهم بالهراوات , و قد تناقلت كل ذلك القنوات الفضائية العالمية و صار جليا للعالم أنه لا توجد حرية تعبير مسموح بها في السودان رغما عن تشدق مسؤولي الإنقاذ الأمنيين أن الدستور يكفل التظاهرات السلمية و واجب الشرطة أن تحميها ! لقد تواردت أنباء غير مؤكدة أن مسؤولين كبيرين من السفارة الأمريكية و من الإتحاد الأوربي قد إلتقيا بقيادة الدولة في القصر الجمهوري , و حاليا ورد خبر مؤكد عن حضور وفد من الكونقرس الأمريكي يوم 21/1/2018 للإلتقاء برئآسة الدولة و بالمعارضة و بجهاز الأمن و المخابرات , و حتما لن يخرج محتوى لقاءات الوفد الأمريكي عن الأحداث الجارية حاليا .

التذاكي على المواطنين كانت إستراتيجية النظام الإنقاذي و التي لم يغادرها منذ توليه السلطة و إلى يوم يحزنون , لأنه لا يملك غيرها مع سعيه الدؤوب للإحتفاظ بالسلطة , و لكن الشعب السوداني قد علمته التجارب حتى صار أكثر ذكاءا و حصافة و صار لا تفوت عليه فائتة مهما أرسلت إليه مغلفة بهندسة التجهيل و بإستراتيجية الإلهاء ! فدعوني أبحر بكم في منحى توعوي عما تعنيه هذه الإصطلاحات مع تقديم بعض الأمثلة لها ..

بعد الحرب العالمية الثانية و أثناء فترة الحرب الباردة بين أمريكا و الإتحاد السوفيتي ظهر مصطلح ( إدارة الفهم ) كمصطلح معرفي جديد في العلوم الإنسانية ينبني على التحكم في تمليك المعرفة للجماهير و ذلك عن طريق نشر ما يراد نشره من معلومات و حجب ما يراد حجبه و هذا التحكم تقوم به الأنظمة الحاكمة و أي سلطة تهيمن على مساحة مغلقة النوافذ , فهي التي تمتلك حق المعرفة و مصادر المعلومة و تستأثر بها لنفسها , و لذلك فإن هذا المنحى قديم في تطبيقه منذ زمان السلاطين و الأباطرة . يوجد تعريف لوزارة الدفاع الأمريكية عن مصطلح ( إدارة الفهم Perception Management ) أنه : ( أي نشر لمعلومات أو حذف لمعلومات يتم من أجل التأثير على تفكير الجمهور من أجل الحصول على نتائج يستفيد منها أصحاب المصالح ) . نسبة لإعتماد هذا التعريف لإدارة الفهم إلى مقدرة في علم النفس و السلوك و الإدراك فقد أفرز منه الباحث روبرت بروكتور علما صار معروفا أكاديميا في التسعينات ب ( هندسة التجهيل Agnotology ) و هو علم يرتكز على التجهيل الممنهج بطرق علمية في مختلف مناحي الحياة , و هو يقوم على ثلاثة شعب : بث الخوف لدى الآخرين , إثارة الشكوك , و صناعة الحيرة .

على هذه الشاكلة كان مصطلح ( إستراتيجية الإلهاء Strategy of Distraction) الذي صاغه الكاتب و الفيلسوف و أستاذ اللسانيات نعوم تشومسكي و الذي إستنبطه عمليا من تجارب الأنظمة الحاكمة المستبدة , فقد أعد قائمة من عشرة إستراتيجيات تستعملها وسائل إعلام الأنظمة الحاكمة للسيطرة على شعوبها , و أولى هذه الإستراتيجيات هي إستراتيجية الإلهاء التي تتمثل في تحويل الإنتباه Diversion of Attention عن المشاكل السياسية و الإقتصادية الهامة عبر كم من الإلهاءات و المعلومات التافهة , و الأمثلة كثيرة منها حوادث سرقة الأعضاء البشرية و منها الإهتمام الزائد بالرياضة و الفن ( علي كبك ) و منها حادثة ضرب مدير جامعة الأحفاد لطالباته و منها محاولة توجيه غضبة إرتفاع الأسعار نحو التجار الجشعين و منها عمل تشكيل جديد في الحكومة الحالية و منها دق طبول الحرب بين السودان و جارتيه مصر و أريتريا ... و يمكن أن يكون المثال الأخير عبارة عن محاولة لإلتفاف الشعب حول الحكومة عن طريق خلق عدو خارجي ضد الوطن .

لقد تخطت الجماهير حاجز الخوف منذ أحداث سبتمبر 2013 و قد إزدادت وعيا بقضاياها و بحقوقها خاصة و ظروف سبتمبر تلك قد عادت أكثر قباحة و شراسة و لا زالت ريادة كتيبة الصدام الأولى في يد الشباب الذين أضحوا أكثر دراية و تنظيما .

أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم وهو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك أفريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني مما أدى لتمازجهم و كان نتاجه نحن , و أضحت هويتنا هي السودانوية . إن العودة إلى المكون السوداني العربي الأفريقي اللاعنصري تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !