عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عمود : محور اللقيا
تهنئة مني حارة للشعب السوداني بمناسبة العام الميلادي الجديد 2018 و أتمنى أن يكون عام خير على بلادي و أن يعم السلام و الوئآم بين المواطنين و تزول ثقافة الحرب التي إستوطنت فينا كثيرا و تنقشع الظواهر السالبة التي أقعدت بنا كثيرا و أضرت بإقتصادنا و جعلتنا في مصاف الدول الفاشلة و المتخلفة عن ركب التقدم و النمو . أمنيات طالما رددناها كل عام و يظل واقع الحال كما هو بل و يزداد سؤا , و كما قال الشاعر أحمد شوقي :
و ما نيل المطالب بالتمني .... و لكن تؤخذ الدنيا غلابا
علينا في وضعنا هذا أن نركن للتمني كخطوة أولى و أن نتمنى و نحلم و نتمعن في كيفية الخروج ببلادنا من عنق الزجاجة الذي حشرت فيه و صار يزحف بها من ضيق إلى أضيق و نتدارس اسس الخروج بها إلى البراحات و الساحات , و بعد ذاك سوف تؤحذ الدنيا غلابا ! تفاءلنا خيرا مع بداية الألفية الثالثة من التصالح الوطني بين الحكومة و أحزاب المعارضة و عودة أحزاب التجمع الوطني الديموقراطي إلى السودان و مشاركة البعض منهم في حكومة التوالي الأول و لكن تبين الأمر على حقيقته في إلحاق هؤلاء بقطار الإنقاذ الذي صار يجري بنفس سائقه و( كماسرته ) و (عطشجيته ) و ( سفرجية سناطوره ) و ( عمال دريسته ) كما هم بدون تغيير ! و صار الأمر مجرد زيادة لقاعدة المشاركة الحزبية . نتيجة لذلك أعقبت تلك الفترة إنشقاقات عدة في أحزاب المعارضة المتوالية و في الحركات المسلحة و في حزب المؤتمر الوطني الحاكم أيضا و ذلك لإختلاف الرؤى في معنى التحول الديموقراطي و أحقيته مع إستمرارية ما إعترى التجربة الأولى من تمكين قابض و حكم عضوض وصل إلى درجة قتل المئآت من الشباب الذين خرجوا في تظاهرات سلمية مطالبين بالعيش الكريم و بالتغيير !
منذ عام 2014 و لمدة تقارب الثلاث سنوات دخلنا في حوار قيل إنه وطني و قد عُرف بحوار الوثبة و لم تشترك أحزاب المعارضة فيه لأنها إشترطت مطلوبات تمهد للحوار كوقف الحرب و السماح بإدخال الإغاثة للمتضررين في مناطق النزاع و رفع العقوبات و تفشي السلام , و لكن لم يتم ذلك و شاركت أحزاب الحكومة و الأحزاب و الحركات المتوالية و المتشظية و ظهرت أحزاب لم تكن معروفة و ليس لها دور في الساحة السياسية و النتيجة أن خرج الحوار بمخرجات كان وعد رئآسة الدولة أن تجيزها كلها عندما ترفع أليها و لكن لم يتم إجازة إلا القليل الذي يتماشى مع الوضع القائم , و تبقت الأمور الكبيرة التي تتطلب إنفاذا للدستور و تغييرا في نظم الحكم و الأمن و الهوية و عملا بالتحول الديموقراطي و بدولة المواطنة و لا زالت الحكومة تعد بين فينة و أخرى بتطبيق هذه المخرجات المتبقية و قد تناست خريطة الطريق التي وضعتها وساطة أمبيكي و الإتحاد الأفريقي لضم أحزاب المعارضة للحوار. لذلك فقد تكونت حكومة الوفاق الوطني بدلا عن حكومة الوحدة الوطنية و تم تطبيق النظام الخالف الذي ألحق مجوعات و أحزاب جديدة بقطار الإنقاذ في مرحلة كنت أسميتها بالتوالي الثاني , بينما تبقى سائقه في موقعه و لم يحدث إلا القليل من التغيير في ( كماسرته ) و ( عطشجيته ) و ( سفرجية سنطوره ) و ( عمال دريسته ) !
الآن دخلت علينا ميزانية السنة الجديدة مع دخول عام 2018 و منذ الأيام الأولى في العام الجديد تبدى الغلاء الطاحن في الأسعار و الزيادات المتوالية , قيل سببها رفع قيمة الدولار الجمركي إلى الثلاثة أضعاف و أيضا رفع قيمة الجبايات , و رغما عن تطمين وزيري المالية و التجارة بأن السلع الأساسية لا يطالها تغيير , فقد إرتفعت قيمة الجمارك على معظم البضائع المستوردة إلى قرابة الضعف و توقف البيع في سوق السيارات نسبة لإرتفاع أسعارها الي معدلات تضاهي القوة الشرائية للمواطنين . أما أسعار السلع الإستهلاكية ففي تزايد مستمر و لا ندري إلى أي مدى سوف تصل .
المواطن السوداني صار يمشي مكبّا على وجهه مهموما و منكسر النفس مما يحمله على كاهله من أعباء الحياة و قد ضاقت دائرة التحمل عليه مع تزايد الضائقة الإقتصادية , لقد صار البؤس مهيمنا على الطبقات المقهورة الغالبة و صارت مظاهر الإستجداء و الجوع و التسول ماثلة للعيان في الطرقات و في الأسواق و في دور العبادة و قد قادت إلى تزايد حوادث الإجرام و النهب و الكسر , و في نهاية المطاف سوف تقود حتما إلى الخروج , كما قال الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري : (عجبت لمن لم يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه) !
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم وهو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك أفريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني مما أدى لتمازجهم و كان نتاجه نحن , و أضحت هويتنا هي السودانوية . إن العودة إلى المكون السوداني العربي الأفريقي اللاعنصري تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !