عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عمود : محور اللقيا
ثقافة الحرب تتجلى في إعلاء قيمة الحرب و الترويج لها و خلق العداوات و التهديدات الأمنية و إستنفار المواطن للتصدي لأعداء حقيقيين أو وهميين و دق طبول الحرب و الرقص الحماسي علي كلمات المدح و الشجاعة و البطولة ..
في سودان اليوم تظهر قيمة الحرب و تتراءي جلية في تخصيص 70% من ميزانية الدولة السنوية للأمن و الدفاع و إضفاء شعور بين الناس أنها حرب لا بد من خوضها من أجل الدفاع عن الوطن و إبقائه موحدا في وجه الأعداء مع أن الأعداء في حقيقتهم ليسوا غزاة خارجيين بل هم مواطنون يطالبون بالعيش الكريم و التنمية و المساواة , و شتان ما بين الحرب الوطنية و الحرب الأهلية . يحدث هذا بينما لا يتم توجيه هذه القوى الدفاعية وجهتها الصحيحة من اجل إعادة ما أقتطع من مناطق سودانية في الفشقة و حلايب و قرى شمال حلفا بواسطة أثيوبيا و مصر و لو حدث هذا الذود المأمول عن حياض الوطن لكان الشعب السوداني كله مستعداً للتضحية بالغالي و النفيس و بلقمة العيش حتى ولو ذهبت كل الميزانية السنوية إلى الأمن و الدفاع !
أما الترويج للحرب فيظهر جليا في نبرة الإعلام الموجه كما يحدث عند تخريج دفعات المقاتلين و طلاب الخدمة الإلزامية و في ساحات فداء مجاهدي الدفاع الشعبي و في إستعراضات مليشيات الحزب الحاكم و في بث البرامج الموجهة و في اللقاءات الجماهيرية و حشد الموالين و الهتيفة و تخصيص ميزانيات ضخمة لكل ذلك , و لا بد هنا من خلق عداوات مع المعارضة سواء السلمية منها أم المسلحة و رميها بالعمالة للدول الأجنبية و أنها تمثل تهديدات أمنية وإستنفار المواطنين ضدها حتى يجتمعوا على عداوات وهمية تلعب فيها البروباقندا دورا اساسيا , و البروباقندا ترفع من تشاء درجات و تهوي بآخرين إلى الحضيض .
بعد إعداد الساحة تدق طبول الحرب و تدوي الهتافات و يبدأ الرقص الحماسي و يا له من رقص على أنغام تتخللها كلمات تشبّه الأبطال بالحيوانات و بالطيور و بالجبال و الأمثلة كثيرة منها : تمساح الدميرة , تمساح أب كبلو , أب كريق , الدود , مرفعين الجبال , أسد الخشش , النمر , دابي الخلاء , التور , الجاموس , صقيرها حام , جبل الداير ... كل هذه و غيرها أغانِ حماسية وردتنا من حقب ماضية من تاريخ السودان معظمها منذ فترات الصراعات القبلية قبل قيام الدولة المركزية و لكن قد عادت باقوى ما يكون متزامنة مع عودة العصبية القبلية !
هذه النبرة التي تهيمن عليها ثقافة الحرب أحسها كلما إستمعت إلى خطاب جماهيري لأي أحد من المسؤولين الكبار , فالخطاب لا يخلو أبدا من الهجوم على المعارضين الأعداء و تهديدهم بالويل و الثبور و عظائم الأمور و الإعداد لنسفهم و أن كل الخير لهم أن يلتحقوا بقطار الإنقاذ الذي قد تحرك كما إلتحق آخرون أمثالهم ! إن هذه النبرة لم تتغير منذ إستيلاء الإنقاذيين على السلطة منذ ثمانية و عشرين عاما , و لم توقف عملياتهم الحرب بالقوة العسكرية لأنها في طبيعتها حرب عصابات و كلما ( همدت ) في منطقعة إشتعل أوارها في منطقة أخرى , و لذلك كان الأمل في إنهاء الحرب الأهلية في الإلتزام بمخرجات الحوار الوطني رغما عن عدم تمثيله لأحزاب المعارضة الحقة و كان في الإمكان إلحاقهم عملا بخريطة الطريق المتفق عليها و بذلك تزول أسباب الحرب مع رفع الظلم و التهميش ثم العمل على مبدأ دولة المواطنة و على السودانوية .
إذا كان قد تم كل ذلك فسوف تختفي طبول الحرب وأغاني القتال أعلاه و سوف تحل محلها أغاني الحب والسلام و الوطن و التقدم والعمل و الفداء , و سوف تختفي من خطب المسؤولين نبرة الحرب و الوعيد و التهديد بالنزال و سوف تحل محل ذلك خطابات تتحدث عن رفع المعاناة عن كاهل المواطنين و عن التنمية و عن التخطيط و عن المشاريع القائمة ونسبة ما تم تنفيذه و إن كان ذلك متقدما أم متأخرا عن الخطة المتفق عليها و لماذا إن كان متأخرا و كيف يتم علاجه . إنها أمنيات أتمنى أن أجدها على أرض الواقع .
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم وهو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك أفريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني مما أدى لتمازجهم و كان نتاجه نحن , و أضحت هويتنا هي السودانوية . إن العودة إلى المكون السوداني العربي الأفريقي اللاعنصري تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !