عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

عمود : محور اللقيا
مكابر من لم ير ما عرا الشخصية السودانية من تغييرات مسلكية و قيمية و نوعية حادت بها عن كينونتها المعروفة قبل الحقبة الإنقاذية , و وراء كل ذلك عوامل عدة أجبرت على و أدت إلى تلك التغييرات التي في مجملها سالبة إلا ما ندر ..
لقد تشكل الإنسان السوداني خلال قرون عدة تمددت إلى إثني عشر قرنا منذ بداية دخول العرب سلميا إلى السودان في عام 651 و حتى العصر الحديث , و قد أدى هذا التمازج بين العنصرين العربي و الأفريقي إلى إنتاج الإنسان السودانوي بشخصيته المعروفة المتفردة بصفاتها المجبولة على الشهامة و الشجاعة و الكرم و العزة و الأنفة و حب الحرية و التعايش السلمي و نبذ العنف و نبذ الإرهاب و قبول الآخر . هذه كلها صفات إيجابية كانت تكتنف الشخصية السودانية , و لكن قد تغير الحال حاليا فما الذي أدى لذلك ؟
كان هم الإنقاذيين الأكبر – و لا زال – هو كيفية الإستمرار في الحكم لأبعد مدى أو على الدوام حتى ينتهوا بتسليم حكم السودان إلى إسرافيل كما قالوا ! فكانت هنالك الكثير من الخطط التي تصب في تدجين الإنسان السوداني و تحييده و تغييره لأنه هو المحرك لأي قوى تسعى لتغيير النظام الإنقاذي و إسقاطه . كان الهم الأكبر لوزارة الشؤون الإجتماعية هو ( إعادة صياغة الإنسان السوداني ) , و كانت للقرارات السياسية الصادرة أوجهها الإجتماعية التي أدت إلى إعادة الصياغة , فسياسة التمكين قد أحالت الإسلامويين إلى متنفذين و مراكز قوى مقابل بقية المواطنين الذين صاروا في مرتبة أقل بل و صاروا أكثر ضعة مع الإعتقالات الأمنية و بيوت الأشباح و مع الإحالات للصالح العام و مع جلد النساء بسبب الأزياء الفاضحة و فرض لبس العباءة عليهن رغما عن إصرارهن على الثوب السوداني المميز . كل ذلك أدى بالملايين من خيرة أبناء و بنات الوطن إلى الإغتراب و الهجرة حتى وصلوا إلى أقاصي بقاع العالم في النرويج و كندا و أستراليا , كما أدى التضييق المعيشي الذي لا زال يشد من ضائقته إلى إستمرارية الهجرات التي فاقت الخمسين ألف حالة في الشهر كما ورد في إحصائية ليست بالبعيدة .
عقوبة الجلدعقوبة إذلالية كانت تستعمل في البداية مع قوانين سبتمبر 1983 في محاكم العدالة الناجذة لشاربي الخمور السكارى , و في عام 1991 تمت إجازة قانون النظام العام ثم أضيفت إليه المادة 152 من القانون الجنائي الخاصة بالأفعال الفاضحة و صارت المواد المحتواة كلها تعاقب بالجلد كالشغب و السباب و الإخلال بالسلام العام و الأفعال الفاضحة التي تتضمن الأزياء الفاضحة و غالبا تفسر بلبس البنطلون و التنورة الضيقين . هذا القانون قد صار مثيرا للجدل من ناحية تطبيقه و منافِ لحقوق الإنسان و للحريات و صار يصب في ناحية الدعاية السيئة للدولة و يؤدي إلى التنفير و الهجرة من البلاد . هنا لا بد من ذكر الحقيقة المرة من أن المهاجرين الذين كانوا من خيرة أبناء و بنات الوطن قد تم إحلالهم بمهاجرين جهلاء وافدين من أقطار تقع غرب و شرق الوطن السوداني و ذوي ولاءات للإنقاذيين و ذوي طباع تختلف عن طباعنا و هذا ما ساعد على تغيير الشخصية السودانية .
لقد ظن البعض أن إعادة صياغة الإنسان السوداني سوف تجعل الإنسان السوداني أكثر علما و تدينا و لكن جعلت منه شخصا فاقدا للشهامة و للأنفة و للإقدام و للتمرد , فصار منكسرا ذليلا .. إلا من ندر . أما عن القيم و الأخلاق فقد أصابها إنهيار أودى بها إلى إجترار ما كان .. إلا ما ندر أيضا . لقد أدت كل الأسباب التي أجملتها أعلاه متفاعلة إلى غزو الخلايا المتخلقة لثوابت الشخصية السودانية المتوارثة فكان أن أنتجت ما نراه حاليا من تغيير و مسخ لشخصية الإنسان السوداني . حتى أن التدين الذي كان يظنه الناس ظاهرة حسنة غدا تدينا شكليا يهتم بالعلامات الشكلية المميزة للمظهر من غرة للصلاة و تقصير للجلباب و مسبحة مستديمة و رفع للسبابة كل غدو و رواح و تغاضِ عن جوهر الدين و معنى خشية الله الحقة . النتيجة النفسانية لتغيير الشخصية السودانية تتجسد في السلبية المستفحلة و ( الأنامالية ) التي أنهت معاني التضامن و المؤازرة و الشهامة و حرارة القلب , و صار معظم المواطنين مصابين بالإحباط . الوضع المعيشي في تدهور مستمر فالأسعار في إرتفاع و كذا الضرائب و الجبايات , و كما هو معروف فالإقتصاد يؤثر في الإجتماع و في السياسة , فإلى أين نحن منقادون و ما العمل ؟
لقد أدى تغيير الشخصية السودانية إلى ظهور النعرات القبلية التي كانت قد تضاءلت كثيرا في مجتمع الحضر و صارت تتمثل في مجتمع البداوة في النزاعات على الزرع و الضرع , و إستفحلت ثقافة الحرب بين مكونات المجتمع و تضاءل الشعور بالمواطنة و تعاظمت العنصرية و إمتلأت النفوس بالضغائن , و يظن الكثيرون أننا منقادون إلى التناحر و التقسيم .لا بد من إعادة الشخصية السودانية لسيرتها الأولى , و ليس ذلك بالأمر الهين فقد تمددت أعوام الإنقاذ إلى الثمانية و عشرين عاما و توطنت في المواطنين عادات دخيلة , و يقع على المثقفين الوطنيين عبء التوعية و التنوير و الصبر على ذلك , و يقع على الشباب كتيبة الصدام الأولى أهمية التصدى عمليا لتوعية و تنوير المواطنين و التضحية في سبيل ذلك .
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم وهو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك أفريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني مما أدى لتمازجهم و كان نتاجه نحن , و أضحت هويتنا هي السودانوية . إن العودة إلى المكون السوداني العربي الأفريقي اللاعنصري تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !