الطاعون ليس فقط رواية كالتي كتبها البير كامو ليستعرض فيها تاريخ مدينة (وهران) التي ضربها الطاعون، والتي نال عليها جائزة نوبل للآداب، إنما محاولة لإحداث هزة أرضية تقلب أساس البناء الفكري الذي تأسس عليه مجتمعنا المتراخي والمحتضر في آن واحد. كاد الجسد أن يُشَل لولا مقاومة الروح، التي لا تسمع صرخات اليوم فقط، إنما تستشعر صرخات جميع العهود وتتنصت لأيما آهة "كأنها من فرط رهافتها صادرة من جميع الناس."


لم تجد المعارضة بداً من التقدم نحو عشيرية -- فإن الظرف الإقليمي قد يتبدل نسبة لإمكانية وصول حفتر لتسوية مع غرمائه تبللها بوادر الخريف وتتضعضع الاوضاع في الجنوب -- علماً بأنها لا تختلف عن قوز دنقو (راجع مقالتي "نزيف الخاصرة" والتي كان بمثابة تدوين لوقائع ذاك اليوم المشؤوم) من حيث المكون الاجتماعي والاقتصادي وقد تعمدت استخدام هذين المصطلحين لأن المقاومة الشعبية لها لم تكن بدافع القبلية قدر ما كانت بقدر الحاجة المادية. إن من تصدوا للجيش المتقدم في مناحي قميلاية (عسلاية حالياً) لن تعوذهم الشجاعة للدفاع عن حاكورتهم اذا احسوا بأنها اقتحمت عنوة، لكن الواقع يقول بأن دافع الغنيمة بات هو الأرجح، فالدولة قد أعلنت أن من يحصل على سلاح يصبح ملكه، وللمواطن مجمل الحرية في بيعه للدولة أو لغيرها بأسعار قد تفوق قيمة ما قد يتحصله الشاب من حصاد زرعه لسنوات عدة. الأمر نفسه ينطبق علي بعض من فئات المعارضة التي باتت تعتمد علي تجنيد الشباب مستغلة الحمية وضعف الحيلة المادية، بل بؤسها وانعدام اي سبل خلافها.


لا أود أن أقلل من الدافع القبلي في مثل هذه المواجهات، بيد أن المواطنين يعلمون أن الدولة أو ممثليها لا يكترثون لهوية القاتل والمقتول، ولذا فإن هذه الحجة تستخدم كمبرر وليس دافع أصيل، والدليل أن جيش خليل أو "الذراع الطويل" قد مر من ذات الديار قبل أعوام دون أن يتعرض له أحد، بل وجد التعاطف، لأن الناس حتى ذاك الوقت كانوا يؤمنون بمشروعية المقاومة الوطنية لدولة المركز. أمَا الآن وقد تفرقت الجيوش أيدى سبأ وتنافرت رؤي قادتها -- منهم من جرب في الحكم ففشل فشلا ذريعاً أو فُشِّل ومنهم من قاده هواه في الانضمام للمنظومة الحاكمة في الخرطوم، ممّا وضع المشروعية الثورية في محك وأثر سلبًا علي مصداقية قادتها.


لو كُتب لهذا الجيش أن يتقدم ويواصل نواحي مهاجرية (معتمدًا خط السير الآتي: قِميلاية، الميماية، بوطة النيل، بركة النجم، وقّاع، صليعة، لبد، مهاجرية)، فإنه كان سيجد مقاومة أكبر، لكنها تأخذ شكل المدافعة المدنية (غير العسكرية) من قبل مواطنين عانوا من صلف هذه المجموعات واصطلوا ببطشها حيناً من الدهر. لكن الشاهد في الامر أنهم، اي المعارضين العسكريين، في غمرتهم وإرهاقهم قد أضاعوا طريقهم الي جبل مرة (وقد كانوا من المفترض أن ينطلقوا معتمدين خط السير الآتي: قِميلاية، الميماية، ياسين، أفندو، تعايشة بالغرب، مِرير، مُنواشي، الفاشر بالغرب، كبكابية، شرق الجبل)، الامر الذي أوقعهم في حبائل الاستخبارات والدعم السريع.


ظهرت بسالة الفريقين في تورع المعارضة عن استخدام السلاح المتطور ضد المواطنين، وفي رفق الأخيرين "بالأسري" الذين هم في عرف الكل -- باستثناء القوة المستعمرة دارفور حالياً -- سودانيون وأصحاب حق أصيلين، رغم ما طرأ من فتنة لابد لها من زوال بإذن الله. هذه المواقف وغيرها ممَّا يغيظ الحية التي لا تجرؤ من جبنها وخستها أن تطل برأسها، يكفيها فقط اللعب بذنبها. أقتال بين الأخوين في الأشهر الحرم، وظلم للنفس وتبخيس لحرمة المسلم؟ كيف يجرؤ أحد الإسلاميين الامنيين وهو في موقع مسؤولية أن يقول بأنهم، اي المتمردين، "لا يسون طلقة" ونبي الرحمة محمد (صلي الله عليه وسلم) يقول: من أعان علي قتل مسلم ولو بشق كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله؟ أهذا ما تعلمتموه في الخلايا أم الزوايا؟ بئس الشيوخ أشياخكم، فإنهم بدواعي الهوي يفسدون الباطن وينشرون الرزايا؛ ونعم الشيوخ أشياخنا (القادرية والتيجانية والسمانية، وغيرهم من أصحاب الوقت والطريق) فإنهم يصلحون الباطن بإذن الله ويعدلون النوايا!


ودي لو يسمعونني، لكنهم -- أي كلا الفريقين -- في جنون القتل لا يستطيعون ان يفعلوا غير ذلك، لعلها "التدميرية البشرية" التي يصفها إيريك فروم. لو أن هناك هدفاً استراتيجياً أعلى لاجترأت ولقلت أن هذه الميتات (من ميتة بكسر الميم وليس فتحها) ضرورية لتحقيق عالم لا يقتل فيه أحد من أبناء دارفور أو أبناء السودان. لكننا ينبغي أن نقبل بالفضيحة والتي مفادها بأننا نفتقر حتى هذه اللحظة إلى قادة وطنيين، وأن من تعج بهم الساحة هم قادة نفعيين (من المنفعة التي تتحصل مباشرة، أو من نافع، ذاك المعلم الذي ائتمنه الشعب كي يسهم مع إخوته في رفعة بلده فرجع محمَّلاً بأمصال استخدمها في نشر الطاعون -- الذي قد تتباين تمثلاته، لكن مطلقا لا تختلف حيثياته). وهكذا أصبح مسرحنا البلدي منذ سنين، كما هو الحال بالنسبة لاورفيه واريديس في رواية الطاعون، يضج بين فين وأخر بشكاوى "الحكومة" الغنائية (الحظر، الحصار، الاستهداف، الي أخره من المناشدات الصبيانية التي تظهر عجزهم عن فهم المجتمع الدولي وتعقيداته) ونداءات "المعارضة" العاجزة التي تفضح عجزها عن إحداث اختراق حقيقي يشل مقدرة النظام العسكرية باستهدافه في الخرطوم وليس في دارفور وبتكلفة جسدية أقل ("انت ما تفسر وانا ما بقصر" علي رأي المثل البلدي). إنهم -- أي قادة النظام -- موجودون في مناحي العاصمة يخططون، فلما التسبب في رهق لأهلنا كل مرة ، الزرقة خاصة، بقيادة حملة عسكرية دون جدوي وهم في بؤسهم يرزحون وفي معانتهم يتأوهون؟ إمّا حرب بلا هوادة لاقتلاع دولة المركز والتي حُلْت صواميلها الاربعة، وإمّا استسلام يعطي المواطن فرصة للاستجمام. لن يغلب القارئ حيلة في الإجابة علي هذا السؤال حين يتذكر أن جيفارا تسلل بوعيه وصدقه مع قضيته قبل أن يتسلل بكتيبته!


فالحكومة تتلهي بمنظر المرضى في الكرنتينة (في وسط البلاد) أو الموتى في القبور الجماعية بدارفور، والمعارضة الدارفورية العربية -- التي برزت مؤخراً علي استحياء مستغلة أفقية وسطحية التناول في الفضاء الاسفيري -- لا تستطيع ان تقنع مواطنيها بجدوى تحررهم من الجلاد، وقد حملت له السياط من قبل ومن بعد. ومع ذلك فقد ظلت هذه المسرحية تحوذ على حظوة الجمهور الذي يتحين فرص السماع لتسجيلات صوتية تمرر عبر الواتساب لا تشكل إضافة فكرية، ثقافية أو مجتمعية، ويطرب لتهديدات أشبه بالتعاويذ التي تقرأ على مرضى الطاعون. لا نشكك في قدرة الآيات على الشفاء، إنما في قدرة القارئ على استشفاف روح النص ومعرفة الداء. فالطاعون الحسي أيسر من ذاك المعنوي، لأن الاول ينعدم بموت المصاب، أمّا الآخر فيحتل مساحة في الوجدان تهيئ له فرصة الاختباء، حتما ليس الاختفاء. يختبئ الطاعون في العُشرة ويظهر في عشيراية، يظهر في الحلفاية ويختبئ في ام لبانية. وهو دوماً علي هذه الحالة الزئبقية متأرجحا بين ما هو حسي وما هو روحي. ليت الاهالي يعلمون أن الداء هو الداء وأنه لا حل للاحتواء او الاحتماء، فلا شيء ينجي هذه الاثناء غير الالتجاء.


إن الإجراء الذي استخدم لحل مشكلة دارفور والمضايق الحلزونية التي اتبعت أفرزت أسوأ القيادات من الناحية الاخلاقية وأحطها من الناحية الفكرية. لعل الحكومة نجحت ولو مؤقتاً في بعثرت أحلام الشعب الدارفوري والتشكيك في عدالة قضيته التي لا تخفى على القاصي والداني، من خلال تصعيدها لعناصر رخوة لا يهمها انتزاع الحق لأهله قدر حرصها على تثبيت مبدأ المشاركة الصورية. كما نجحت في دق إسفين بين شعب دارفور والحركات من ناحية، وبين الحركات والقوة المتصدية لهم (مواطنين ومجندين) وسائر أبناء الشعب السوداني من ناحية أخرى. هذه الخطوة وإن كانت ضرورية من وجهة نظر أمنية إلاّ إنها كافية لصد أي مزاعم قومية أو وطنية، ومهمة من ناحية سياسية، إلاّ إنها غير منطقية.


إذا كانت الحكومة تزعم أن الحركات الدارفورية عنصرية فمن الطبيعي أن يكون المتصدي لها بطل قومي. لكن هيهات، فالأخير، بما تبثه أجهزة الأمن وليس الشيوعيون أو الثوريون، لا يروج له علي أنه "حامي حمى الوطن والدين" إنما "حامي حمي البشير وزمرته." وهذه الحيلة القذرة في حد ذاتها كافية، بل مقصودة لصد أي مزاعم قد تتجاوز الرئيس الخالد والبطل القائد. علي الصعيد الاخر، فإن تلبس "الثوريين الآخرين" من عمد ومشايخ العربان بشعارات قومية وتقلدهم لمنطق أخلاقي إنساني أمر واهي، فطير ويفتضح عند أول امتحان إذ تراهم متأرجحين بين القبول بالذل أو الارتماء في أحضان الفقر. المسألة، رغم قومية الشعار ووطنية المناداة، لا تعدو كونها مناشدات نرجسية، سرعان ما تتراجع من خانة المخاطبة للأمة الابية إلى خانة الاحتماء بالحمية القبلية.


لقد عانى المواطن من هذه الحروب العبثية وكره الثورية والأنانية والطاؤوسة، لا لأنه خانع، لكن لأنه قانع بأن هذا التكتيك العسكري الفاشل والذي أثبت فشله أكثر من مرة، يجعله هدفاً للمدفعية في حالة الكر، ويتركه عرضة للإهانة والنهب في حالة الفر. كما أنه لا يبدو حتى الآن بأن هنالك هدفاً استراتيجياً أعلى. وإن وجد فإنه يتجاوز إنسان دارفور إلى المتاجرة بإرثه وارتهان حاضره ومستقبله لصالح فئة فاقدة للأهلية والمصداقية.


إن تلاطم الأمواج الإقليمية حالياً قد يبحر بالقضية الدارفورية بعيداً عن مرسى الحقوق والواجبات ويحط بها في جزر المناجزات على أسوأ حال والموازنات على أحسن حال، كما فعلت سابقا أعاصير الأهواء العالمية. إذ نجح الإعلام حينها في "شيطنة" العرب، كل العرب، وليس فقط الجانجويد، "ومسكنة" الزرق، كل الزرقة، وليس فقط الفور والمساليت، مما عرض كل جهة للارتماء في حضن المغُرِض وليس المحب. من ذاك الوقت وكلا الفرقين عاجزين عن تحقيق الحد الأدنى من التنسيق أو التخطيط لصالح المواطن والدفع بمطالبه، رغم كل التضحيات، بل السند غير المسبوق الذي حازته قضية دارفور.


إن صمت النخبة الدارفورية الواعية والملتزمة، بل مساندتها للفرق المتحاربة وعدم كشفها وتعريتها في الوقت المناسب قد أغري الأخيرة باختطاف المنصة، الآن، لم يعد ممكنا التنبيه إلى خطورة تولى أولئك وهؤلاء لزمام الأمر لأن "البورمة فارت" (يعني الحلة نجضت) ولا ينظر إلى المثقفين على أساس أنهم قادة إنما "آكَّالة". لقد كان هذا المخاض مهماً، بل لازماً، كي تسقط الرايات الكاذبة ويهلك حامليها، وتستبين الآيات الباهرة التي تجعل المؤمنين أكثر استمساكاً بمعانيها وأقل انبهارا بصانعيها. لا ننسي أن الوعي النوعي تراكمي وليس خطي تصاعدي أو انفعالي.


أولى هذه الآيات هو الوعي النوعي المتحقق والذي يلاحظه المرء من خلال التعامل مع الروابط الطلابية (لعل وعيها يفوق وعي النخب الخاملة بكثير)، التي باتت ترى أن كافة الانحيازات الجهوية والعرقية والدينية والطائفية والسياسية والأيديولوجية لم تكن انحيازات أصيلة لكنها كانت انحيازات واعية تُكَيِّفها النخب كآفة، وليس فقط المركزية، للتعامل مع مقتضيات المرحلة التي قد تتطلب الاستنصار بفريق من المواطنين ضد الآخر، واستنفار جهة لمواجهة آخري، لكنها حتما لا ترى مصلحة في استنهاض همم المواطنين كافة لمعالجة الخلل التنموي الذي يتطلب الاستفادة من الميز الاستراتيجية لكل إقليم وتطويرها لدعم الرؤية المستقبلية. فهؤلاء سماسرة ينشدون الربح الآني وليس قادة لينصب جل جهدهم في استحداث خطة تنموية تتحقق بها الكرامة الإنسانية والنهضة القومية.


ثاني هذه الآيات هو أن ما ظللنا نتصوره مخرجاً -- استيلاء أحد الجهات العسكرية، تنظيمية، ثورية، أو غيرها علي الحكم في السودان بديلا للإنقاذ -- هو في حد ذاته مأزقاً، لأن هؤلاء، أي العسكر، لا يرون الحياة المدنية قناة ثاوية لتحقيق غايات إنسانية راقية، إنما يرون الحياة العسكرية غاية لا محيص عن محايثتها مدنياً. هم إذ يئدون أهم ما في الحياة العسكرية، ألا وهو الانضباط، ويسخرون من "الملكية" (المدنيين) الذي يرون الحرية وسيلة لتحقيق الحد الأدنى من القواسم المشتركة بين الشعوب، ألا وهو المواطنة، لا يحققون شيئا غير الفوضى.


هذا من الناحية المادية، أما من الناحية الروحية، فإنني أرى أن الستين عام التي انقضت – رغم فداحتها – لم تنل من الوجدان السوداني، والذي يحمد للفنانين والمبدعين أنهم جنبوه مزالق الهواة، أو أنه كان أعظم من أن يصل إليه الطغاة برغم عزمهم وإصرارهم. إن موقفاً واحداً من مواقف الإيثار والبطولة والعفة والشهامة والمروءة، بمقدوره أن يعطل الطاعون ويمنع وصوله إلى الروح أو يقنن محاصرته عن الانتشار في سائر مناحي الوجدان. لقد شرعت في كتابة (نفحات الدرت: بين وطن يتردى وغربة تتبدي) وأنا حزين على الوطن الذي ضُيِّع، لكنني ما إن وصلت الفصل الرابع من أصل اثنى عشر فصلا حتى أدركت أنهم، أي المجرمين والمنحرفين، قد نالوا من الفروع وبربروا أوراق الشجر، لكنهم لن يصلوا أبدا إلى العروق دعك من أن تطول أياديهم الآثمة لتصل جنات الروح.


ثالث هذه الآيات هي أن معظم المناهضين للإنقاذ لا يريدون ان يتخلصوا منها، لكنهم يريدون مناورتها لتسجيل نقاط تمكنهم من الحصول على مكاسب شخصية، يشمل ذلك العسكريين والمدنيين. من هنا نفهم إشكالية التنسيق، الاختراقات، والمساومات التي عطلت المسيرة وتسببت في تأخر النصر.


رابع هذه الآيات هي أننا يجب أن نقنع بأنه "ليس في بحر الطاعون جزيرة" أو كما يقول البير كامو وأن الكل قد تم اختراقه على مستوى من المستويات. لقد رأيتم كيف أن بعض شيوخ المعسكرات لم يهن عليهم انقطاع "الممدة" فآثروا استثمار منحة أهاليهم باستبقائهم في حالة أشبه بالعبودية. باختصار، لقد بات الضحية جلاداً.


خامس هذه الآيات هي أن دولة الإنقاذ، إذ تخلصت من كادر الخدمة المدنية المؤهل وضباط الجيش الوطنين والذين كان جلهم من أبناء السودان الشمالي النيل وسطي، فإنها لم تجد بداً من الاستعانة ببعض الانتهازيين والمغفلين. صحيح أنها تدعى أنها مثلت الهامش، لكنني أؤكد أنها قد مثلت بالهامش يوم أن انتدبت هذه العناصر البئيسة والرخوة من الهامش لتمثيله دون دربة أو تأهيل، إنما الولاء للحاكم والتفاني في خدمة الذات. إذا كان الخيار بين "الجلابي" و "الجابي" فإني أفضل الأول لأن له أسس موضوعية يحتكم إليها، وإن تك أحيانا غير عادلة، أما الآخر فيعتمد الضرر والضرر.


سادس هذه الآيات هو أن هناك وعياً متصاعداً جسدته الهتافات التي بحت بها الحناجر عشية استقبال عُشر ورفاقه الكرام في الفاعلية التي أقامها نداء السودان بدار حزب الأمة، وآخر هابطاً أظهرته انكفائية القيادة الرجعية وعدم قدرتها للنظر في المرآة وإحساسها بالخزي، فالصبيان الذين كانوا رهن إشارتها يوما قد تحرروا وهي اليوم لا تملك إلا أن تنزل على إرادتهم أو تنسحب فتموت من الحسرة في دهليز من دهاليز المكر والتآمر والاندحار. تباً لها وتباً لكل من هانت عنده نفسه فسامها في سوق النخاسة. استثمار هذا الوعي وترجمته إلى واقع سياسي ومدني أمر يستلزم تشييد منصة لكافة الوطنيين والشرفاء الذي حان وقت تقدمهم لبناء وطن على أسس أخلاقية ترعى ذمة الله وتراعي حرمة الوطن.


سابع هذه الآيات هو أننا قد ادركنا بالتجربة أنه لا يوجد أساسين للمواطنة إنما فسطاطين للاسترشاد. تبقى لدارفور قضية وإن هزمت كل الحركات وإن أزيحت عنوة كل المعسكرات. وأننا سنظل نرفض وسنقاوم بالقرطاس والقلم محاولة المركز وزبانيته استضعاف أهلنا اقتصادياً بغرض استتباعهم سياسياً. إن ظلماً لحق بأهلنا في جبال النوبة وفيافي الأنقسنا أو مرافئ النوبيين يجب ان يُسْتَشْعَر على أساس أنه ظلم للكل، فإن الفئة الباغية والعصابة الإجرامية المندحرة والتي تمتد جذورها عميقاً لم تستفيد من شيء قدر استفادتها من تبعيض وعينا القومي وتجزئة حسنا الإنساني، الأمر الذي سهل لها اختطاف كيانات بجل أركانها وجيوش بكامل عتادها واعتقال قيادات، ولو معنوياً، من خلال تكبيلها وأسر مقدرتها على التحرك. كل ذلك يتم لصالح السيطرة الاقتصادية والسياسية والعسكرية لشواذ (أو نشاز) هم في عداد الأقلية.


ثامن هذه الآيات، لقد دلت بعض المواقف أن كثيراً ممن ينتقدون الانضمام تحت لواء الدعم السريع أو التوظيف في دواوين الإنقاذ، لا ينتقدونها من موقف مبدئي، إنما انتهازي يتجلى في انتظار أحدهم فرصة سانحة للدخول في هذه الردهات، حينها لن ينبس فمه ببنت شفة.


تاسع هذه الآيات وآخراها، أن النخب التي تعتقد في عدم أهلية هذه العناصر العسكرية، فإنها تخشي الافصاح عن مخاوفها الحقيقية المتمثلة في خشيتها من وجود "غرباوي"، لأول مرة منذ دخول كتشنر، بالقرب من موقع اتخاذ القرار ولو ان يكون معايناً من الشباك. إذن، فهم ينطلقون من دوافع عنصرية (أو غِيرية) وليس أخلاقية أو نظامية مؤسساتية. لقد أشاح البعاتي (في هذه الحالة، الجهة المهيمنة تاريخياً) عن وجهه الكالح، ولم يعد بإمكانه السيطرة في جموع الريف السوداني مستنداً على حق قدسي أو ألهي، فالحرية خيار الشعب وهي أداته لتحقيق النهضة والسلام والعدالة.


ختاماً، إن انفضاح الطائفية واضمحلال عرى الارتباط العقدي أو الايديولوجي بالمركز، الذي كبل دارفور لأكثر من 130 عاما وكان سبباً في إضعافها، قد سهل لشعبها اليوم الاندياح والتواصل فيما بينه والأخرين، بطريقة لم تحدث من قبل. وهي اليوم إذ تبدو منهزمة عسكرياً وسياسياً، فقد كسبت دارفور المعركة الثقافية والاجتماعية، بل حتى الاقتصادية بحكم الكثافة السكانية والمساهمة الحقيقة في مناشط التعدين، الرعي والزراعة. وهم إذ بنوا سد مروي دون إخضاعه لدراسة جدوى اقتصادية أو سياسية، فقد نسوا عنصر الكادر البشري الذي من دونه لا يمكن لحضارة أن تزدهر، والذي وفرته لهم دارفور من ذات العناصر التي تنكروا لها بل عمدوا على طمس هويتها. وإذ يبدو أن الطاعون قد بدأ في الانسحاب فإننا يجب أن نعلم أن الطاعون يختبئ ولا يختفي. فيجب أن نتخذ التدابير التعليمية والتحصينات التربوية اللازمة لتفادي خطر العدو في المستقبل القريب والبعيد.

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.