عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تتعرض هذه الورقة التي وردت قي كتاب "ستون عاما علي الاستقلال" الذي حرره الدكتور حيدر ابراهيم بالنقد للعوامل التاريخية البنيوية والسياسية الإدارية التي اضاعت فرص التنمية التلقائية أو المؤسسية في دارفور حتى أضحى الجسم معلولا والفؤاد معطوبا، فلا الحلول الجزئية عادت مجدية ولا التبريرية باتت مسلية. الأدهى من كل ذلك، ان تُقابل العنصرية بعنصرية مضادة، مثل قولهم "النخب الدارفورية" او "النخب النيلية". خطورة الاسناد الجغرافي هو انه يمنح بعض العصابات العنصرية التي تعاقبت علي حكم السودان -- دون تنسيق او توافق في ما بينها -- شرعية لا تستحقها، كما تتوهم لديهم عبقرية هم ابعد الناس عنها. إنهم يسعون لتجيير مشاعر (مثل الانتماء لجهة او عرق او دين) لصالح موقفهم الانتهازي المتمثل في ضرورة الهيمنة بغرض الاستحواذ علي المال والمال فقط. إذن يمكنا ان نقول عن العنصري أنه "وطني غير مخلص." لأته يمارس العنصرية كتكتيك وتهفو نفسه الي الوطن كمجرد نزوع مؤقت. لا محيص للنخب عن مواجهة التحديات بأمانة علمية وواقعية تجعل الإنسان في كآفة ربوع الوطن هو المستهدف باستراتيجيات البناء والتطور؛ أداته في ذلك التخطيط المنهجي والإشراف المتكافئ لكل ابناء الوطن المتخصصين والحادبين دون بخس للمظالم التاريخية او إنكار للمزايا الاستراتيجية التي تملكها بعض الاقاليم دون الاخري.

إذا كانت مهمة البنكرياس لا تقتصر علي إنتاج الأنسولين الذي يبتكر ويختزن طاقة الجسم وإفراز الإنزيمات التي تساعد على الهضم، فإن دارفور الجغرافية قد وفرت المخزون الاستراتيجي الذي أمد السودان بعنصر المقاومة العسكرية، كما أن دارفور الاجتماعية (وجود الدارفوريين في كافة أنحاء الوطن وجهاته المختلفة) قد وفرت اللحمة الوطنية التي تحول دون محاولات الفرز العرقية والإثنية. بيد أن النخب المركزية لم تر في "الإقليم الكنز"مزية، بل توهمت في وحدته مهددا لهيمنة الأقلية ذات الموارد المحصية (القليلة أو المنعدمة)، فعمدت منذ الاستقلال على احتوائه/استلابه (مستخدمة لافتات طائفية دينية أو أيديولوجية حداثوية)، أو إسكاته/إخضاعه باستخدامها الحلول العسكرية والأمنية.
كل ذلك لا يخرج أحد الأسلوبين عن نهج الأحادية والظلم في إدارة الدولة وإحصاء مواردها بمنهجية وعلمية. فبإنكارها لواقع التهميش السياسي وتعمدها الالتفاف حول المطالب الأساسية لشعوب الريف أو التهرب من التزاماتها تجاه مواطنيها، أسهمت النخب المركزية في تعميق الأزمة وجعلت إمكانية الخروج منها أشبه بالولوج من سم الخياط، خاصة إذا علمنا حجم التعقيدات الإقليمية والدولية. هنا يلزم التمييز بين نظام الإنقاذ وكآفة الأنظمة السابقة (عسكرية أو ديموقراطية) التي ربما أقعدها الأفق الخفيض أو الهمة المهيضة في اتخاذ القرار الصائب لكنها لم تضمر العنصرية أو علي الأقل لم تظهرها بالوجه القح الذي أبدته الإنقاذ -- كل ذلك له صلة باستراتيجيات التنمية المتبناة عالميا.
مثلا، إن توجيه الشاحنات القادمة من ليبيا إلى مدينة دنقلا بدلاً من مليط في أواخر السبعينات تصرف يختلف من حيث الدرجة (وليس النوع) من الإصرار على بناء سدٍّ لا يحتجز أكثر من 83 مليار متر مكعبا يتبخر نصفها في وقت يحتاج فيه السودانيون الذين يعتمد غالبيتهم (70%) على القطاع المطري التقليدي. ولا يحتاج هذا القطاع لأكثر من سدود موسمية صغيرة لحبس أودية مثل وادي أزوم، كجا، كتم، برلي، كفوت، هور، أريبو، .... إلخ، كانت تستقبل قبل الانفصال1000 مليار متر مكعب من مياه تجود بها السماء، كان يمكن ان توظف لسد حاجة المزارعين. في هذا الصدد يمكن ان نقول إن "شن" وافق "طبقه" البنك الدولي الذي أراد ضرب الاستقلالية لشعوب الجنوب بالتركيز على القطاع المروي إيفاء لمبدأ الكفاءة الإنتاجية وليس القيمة التكافلية التي تزدهر بها الإنسانية وتفني بغيرها.
إن تفاوض نخب "الغرب الكبير" فيما بينها من شأنه أن يفسح المجال لتدابير إدارية أكثر نجاعة، ودستورية تهيئ لتشييد معدل متكافئ من التنمية الاقتصادية والاجتماعية. لا سيما أن استعادة الديموقراطية السياسية واستدامتها يعتمد على تصميم وتنفيذ فيدرالية حقيقية تدعم سبل الديموقراطية الثقافية والفكرية. تحتاج النخب (الدارفورية) كخطوة أولى التحلل من التصنيفات الجهوية المغرضة والعرقية السالبة لإجراء حوار معمق فيما بينها يؤهلها لإجراء حوار متكافئ مع الآخرين بعيدا عن أي وصاية مركزية أو ادعاءات "كونفدرالية". إن تواجد المواطنين في وحدات إدارية ذات قواسم ثقافية مشتركة من شأنه أن يلبي الأشواق الروحية للشعب، ويجعل وحدته الطوعية عبر السبل التفاوضية أقوى، وإلا فالتفتيت أو التغريد بنشيد للوطن "ضمن كورال يختتم بأنغام مغايرة للوطنية".
تتعرض هذه الورقة بالنقد للعوامل التاريخية البنيوية والسياسية الإدارية التي أضاعت فرص التنمية التلقائية أو المؤسسية في دارفور حتى أضحى الجسم معلولا والفؤاد معطوبا، فلا الحلول الجزئية عادت مجدية ولا التبريرية -- كقولهم "الشمالية برضها مظلومة" -- باتت مسلية. لا محيص للنخب عن مواجهة التحديات بأمانة علمية وواقعية تجعل الإنسان هو المستهدف باستراتيجيات البناء والتطور؛ أداته في ذلك التخطيط المنهجي والإشراف المتكافئ لكل أبناء الوطن المتخصصين والحادبين.

مراحل التردي الإداري والسياسي في دارفور:
بعد ما ضمت في 1884، مرت دارفور بمراحل سياسية وإدارية عديدة اتسمت كل مرحلة منها بأسلوب معين اعتمدته القيادة السياسية – حينها – في اكتساب الشرعية مما كان له أثر مباشر على الحالة الأمنية وشابت الاقليم حالة من الاستقرار النسبي في الفترة الأولى من المهدية (أو المهدية الأولى) والتي اعتمدت فيها الدولة على شخصية الإمام محمد احمد بن عبدالله (الملقب بالمهدي) في إضفاء شرعية دينية / روحية سرعان ما استحالت إلى شرعية عسكرية / دينية في ظل حكم الخليفة عبدالله التعايشي (1886 – 1898)، الذي لم تسعفه ملكاته في الاعتماد على الكاريزما الشخصية فلجأ إلى البطش وسيلة لتحقيق الأمن الذي لم يكن ليتحقق في ظل نظام أيديولوجية مؤسسه "جئتكم بخراب الدنيا وعمارة الآخرة". فكلما وجه النظام بتحديات دنيوية متمثلة في الاقتصاد والاجتماع كلما أوغل في الإشارة إلى الآخرة -- آخرة لم يجد المؤمنون جسراً للوصول إليها غير التنكب (أو التنكر) لمقتضيات الفطرة التي تنشد العول، والمساواة والحرية والكرامة والأخوة، تماما كما يحدث اليوم. الغريب في الأنظمة الثيوقراطية هذه قديما أنها تتخذ حيلا مادية وإحالات آخروية تجعلها في حالة عدم اتساق حتى مع ذاتها المنحرفة المستبدة (قال البقاري للخليفة عبدالله ود تورشين عندما أبلغه أن الخضر معه وأنه سيهديه سبل الخروج من المأزق الذي تحقق بمشاهدة جيش المستعمر في أم دبيكرات، "أنا بجريرتي الخضر جريرتو شنو؟"). فالتهجير القسري لقبائل الغرب كان القصد منه الإحلال لقبائل صُنفت على أنها غير موالية فكان أن انقلب الولاء إلى عداء، لأن قبائل طبيعتها التنقل/الترحال كانت ستضيق حتما بالمكوث في "بقعة" لا تلاؤم بينها وبين وسائلهم للإنتاج. ومن كانوا منتجين في بقاعهم، مثل أهل الجزيرة، هُجروا باعتبارهم غير موالين، فكان أن حدثت مجاعة سنة سته.
وإذا كان الوهج الثوري قد سكن المشاعر في تلكم الفترة، فإنه سرعان ما ألهب الحقد الطبقي والإثني العرقي الذي تجلى في تقلد "الرعاع" لمناصب لم تؤهلهم للإنصاف قدر ما مكنتهم من رقاب "النبلاء." لم يكتف قادة الجهادية (والذين كان جلهم من باذنقر الزبير باشا) بالمحاولة لتسلق الهرم الأدبي والاجتماعي، انما سعوا لتدميره مستخدمين كآفة الحيل من كيد سياسي وعسكري، لم يبلغ أوجه حتى كانت دارفور تعيش حالة من حالات الضياع عُرفت من بعد "بأم كواك" (القاتل لا يدري فيما يقتل والمقتول لا يدري فيما قتل).
بانتهاء دولة المهدية ورجوع القادة القبليين الذين أُطلق سراحهم عشية كرري بغرض الانضمام إلى الحشد العسكري، اكتسبت دارفور نوعا من الشرعية التلقائية التي كان لها أثر في إحداث استقرار لم يدم طويلا نسبة لطموحات على الدينار (1898 – 1916) التي تمثلت في محاولته الدؤوبة لإخضاع الرزيقات وغيرها من القبائل، رغم تعهده باحترام السلطة السيادية لكل من القيادات القبلية التي اعتقلت معه في السجن بأم درمان لمدة 13 سنة.
لم يعبه الإنجليز بطموحات على الدينار الإقليمية حتى أحدث حلفا مع الألمان والأتراك هو بمثابة المناورة التي أدخلته دائرة الاستقطاب الدولي، وقتئذ تحركت طائراتهم لدك عاصمته بعد أن تأكدوا من خلو الفاشر من أي مقاومة عسكرية يمكن أن تشكل هاجساً أو وجود معارضة سياسية يمكن أن تُحدث بلبلة أمنية، خاصة ان جيشا له بقيادة رمضان بورا قد هُزم هزيمة نكراء -- في فترة ليست بالبعيدة -- في مواجهة مع الرزيقات تحت إمرة الشيخ موسي ود مادبو (الملقب بسلطان الصعيد)، وقد توغل في دار الرزيقات بجند بواسل تجاوز عددهم الاثني عشر ألف جندي أرغمهم أو استمالهم من كافة قبائل دارفور. الجدير بالذكر أن قبيلة خزام كانت بمثابة رأس الرمح في تلكم الحربة وصوت حاديها يردد: "مافي رجال بلا خزام." جعلت خزام نفسها مطية لطموحات علي دينار التوسعية حتي كاد يفنيها، مثلما جعل الرزيقات (في شمال وغرب دارفور) اليوم أنفسهم وقودا لحروب الإنقاذ العنصرية حتي كادت تورثهم بغض الدارفوريين وعامة السودانيين الذين وجدت الإنقاذ لديهم استعدادا فطريا لقبول "فزاعة الغرابة." ليس أدل من أحداث سبتمبر 2013 التي تولي قمع المواطنين فيها جهاز الأمن الوطني، بيد أنه تواري مفسحا المجال لادعاءات تلوم المنفذ ولا تجسر علي ذكر اسم من أصدر أمر التنفيذ، من هو موجود بينهم في صيوان العزاء. لم تكن مخابرات الإنجليز ببعيدة عن حبك الدسائس والمؤمرات، مثلما يفعل جهاز الأمن "الوطني" اليوم في الوقيعة بين قبائل دارفور المختلفة مع اختلاف بسيط بين سياستي "فرّق لتسد" و"فرّق لتدمر" علي حد تعبير الأستاذ حامد علي محمد نور.
نجح الحكم الأجنبي (1916 – 1956) نجاحاً كاملاً في حماية أموال وأرواح المواطنين، ما أكسبه شرعية فوق تلك الاستعمارية، كان أعظم تجلياتها استحداث نظام الحكم المحلي (1937 – 1951) الذي أجريت له تعديلات وإضافات لم تخرج عن مناط فلسفته الإدارية التي اعتمدت على الإدارة الأهلية، مكونا أساسيا وركيزة محورية لتوطيد أ ركان الحكم في البلاد وفي دار فور خاصة.
جاءت مايو (1969 – 1984) متوشحة بعبارات أيديولوجية ومعتمدة على شرعية وطنية عسكرية جعلتها تتأرجح بين نظامين للإدارة بينهما قاسم مشترك: استفراد المركز بالقرار السياسي، واستئثاره بالشأن الإداري دونما إعطاء أدنى اعتبار للتحديات الواقعية والموضوعية. لقد أدرك الإنجليز بعد دراسات مستفيضة أنه لا سبيل لفرض سيطرة تفتقر الدولة إلى العنصر المادي لتحقيقها، فاعتمدوا المركزية السياسية واللامركزية الإدارية، بيد أن نظام مايو قد اعتمد الحكم الشعبي المحلي وسيلة لتحقيق مركزية سياسية ومركزية إدارية ما تسبب في إحداث فراغ سياسي وأمني كنتيجة مباشرة لحل الإدارة الأهلية. لقد استحدثت مايو نظام الحكم الإقليمي كوسيلة سياسية لتغطية عجزه الإداري، بيد أنه ذهل بحجم الدعم الشعبي الذي كادت النخب أن تترجمه إلى واقع عملي، لولا تراجع النظام المايوي فور انتفاضة دارفور (يناير 1978)، والذي عمل مذ حينها إلى ضرب وحدة حسبها خصماً على توجهاته الاستبدادية. ونلاحظ أن نظام الانقاذ لم يكتف فقط بضرب الوحدة السياسية، إنما أيضا استهدف التماسك الوجودي والوجداني لشعب دارفور. ولعل هذه هي إحد الفروق بين النظام الشمولي والنظام الاستبدادي.
لقد رأت النخب الدارفورية أ ن في استتباعها لكردفان ضياعا لهويتها الثقافية، وتفردها التاريخي ووحدتها الإدارية. ورغم إيمانها بفكرة "الغرب الكبير"، إلا إنها آمنت مبكرا بمشروع الاندماج ورفضت فكرة الانصهار. هذا كله لم يمنع النظام المايوي على العمل الحثيث لضرب الوحدة بين أبناء الإقليم المنتزع من فك الأسد، والتي سرعان ما انفضت لأنها -- كما اليوم -- افتقرت إلى عناصر احتواء مادي ومعنوي، لا سيما غياب مرجعية فكرية وأخلاقية تساعد على التنسيق بين أصحاب المصير المشترك.
واكتست فترة "الديموقراطية" (1986 – 1989) شرعية طوعية ساعدت في استتباب الأمن لكنها لم تخل من الاستقطاب السياسي الذي أحدث بعض التوترات، التي انفجرت لاحقا في شكل مواجهة بين الفور والعرب. إن حصول حزب الأمة على نسبة (95%) من المقاعد البرلمانية في دارفور عام 1986 كان بمثابة الصاعقة التي ألجمت الجبهة الإسلامية القومية، وسفهت أحلامها، وجعلتها تضمر الانتقام الذي اتخذت كافة التدابير السياسية والإدارية لإنفاذه حال وصول الإنقاذيين إلى الحكم. إذ كان الهدف الاستراتيجي الأعلى لقادة الجبهة هو ضرب التماسك الوجداني لشعب دار فور وإحالته إلى شعب عاجز عن المبادرة، بيد أن النخب الدارفورية كادت تنخدع (ومازالت) بالاصطفافات العرقية (زرقة وعرب)، قبلية (زغاوة ورزيقات)، عقدية (إسلاميين وطائفيين)، حزبية (وطني وشعبي)، ففاتها الالتفات إلى طبيعة الصراع وحقيقته التاريخية التي تمثلت في مركز يستثير المد أعلاه ليبقى الريف في حاله استجداء معنوي ومادي. لقد اكتفت الإنقاذ في نسختها الأولى (1989 – 1999) بإضفاء شرعية سياسية دينية على دولتها التي استحدثت النظام الاتحادي عام 1994 كأداة لإضعاف الكيانات الكبرى، وتحفيز تلكم الصغرى (كخطوة أولى) تجاه التفتيت الذي بدأ بتقسيم الإقليم إلى ثلاث ولايات، اقتصرت وظيفة الولاة فيها على تقنين وليس تذويب العصبية.
عوضا عن توسيع قادة المشاركة الشعبية، فإن تقصير الظل الإداري (كممارسة غير معيارية لفلسفة حكيمة) قد أدى إلى تركيز السلطوية الهرمية إذ إن كآفة الصلاحيات قد سحبت من الضابط الإداري وأعطيت للوالي (أنظر الاقتباس القروسطي) أو المعتمد الذي لا يخضع لقانون محاسبة العاملين كما لا يخضع للجهاز التشريعي لأن هذا الاخير معين، علما بأن القانون ينص على شرعية انتخابه ودستورية مسائلته للمسؤولين التنفيذيين. وبهذا الأسلوب تم استهداف أسس الإدارة في الدولة كافة، وسهل على الولاة التصرف في المال العام متجاوزين مسؤولية المدراء التنفيذيين المسنودين بقانون إجراءات المالية والمحاسبة.
لقد امتحنت المفاصلة بين القصر والمنشية دولة المركز امتحانا جعلها تسفر عن وجهها الكالح فاستعاضت عن الأيديولوجية بالقوة، وعن الهيمنة الثقافية بالعنصرية. لقد كان من سوء حظ الإقليم أنه اتُخذ ساحة لتصفية الحسابات التنظيمية، ومن تعاسة أبنائه استجابتهم للاستقطاب الذي انحدر نحو الحرب الأهلية. وعوضا عن مقاومة الدولة الظالمة، استطاع النظام توظيف آلياته كافة لتصبح المواجهة بين المواطنين أنفسهم. ولا غرو، فإن الإنقاذ في نسختها الثانية (2000 – 2015) اعتمدت على شرعية عسكرية دينية جعلتها لا تألو في مؤمن إلاّ ولا ذمة، بل حفزتها علي إحلال المواطنين الأصليين بمهاجرين سيتشكل وجدانهم وفق الأقيسة المادية للإنقاذ وليس المعطيات الوطنية للتاريخ. أ ليس من الغريب والعجيب توافق الإنقاذ مع المهدية في شأن الإبادة الجماعية (انظر مقولة "الامير" عثمان جانو "دخلت دارفور جبر بخرب الدار وبعمر القبر") باعتمادهما الفوضى واهدارهما للطاقة كوسيلة للتحكم وقد فشلتا في إحكام دورة تصميم وتنفيذ السياسات من خلال التفعيل غير الراشد للمؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وفي غياب الحماسة او الغبينة لدي أي جهة أجنبية، يبقي المعول بعد مئة عام علي الدارفوريين في استنقاذ البلاد من براثن الاستبداد ومطاحن الغلو والجهل. ولا محيص للحكم الذي سيعقب الإنقاذ من الاعتماد على شرعية عسكرية مدني،ة إذا قيض له أن يعيد الأمر إلى نصابه، وإلا فالاستمرار والفوضى واستمراء أمراء الحرب لوضع "ام كواك".


دارفور ... بنكرياس السياسة السودانية (2-3)


العقوبات الجزائية واستبعاد دارفور من التنمية الاقتصادية والاجتماعية:
إن المتتبع لأحداث التاريخ السوداني يلاحظ أن العقوبات الجزائية التي استبعدت دارفور من دائرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية كانت بسبب المقاومة الوطنية للاستعمار الذي استطاع إخضاع كآفة انحاء البلاد، بل نجح في إقناع قيادتها ليكونوا ضمن الحملة التي لم ترد فقط حيازة الديار، إنما استهدفت أيضا إرثها النضالي والبطولي (حامد علي).
لقد شهدت معركة بارا الوطنية (1821) بسالة الدارفوريين في مقاومة الاستعمار التركي المصري، توجت باستشهاد المقدوم مسلم وسبعمائة آخرين. بيد أن إيقاف درب الأربعين الذي كان يعتبر شريانا للحياة كان له وقع قاس على شعوب المنطقة التي خبرت التواصل الحضاري وعهدت التبادل التجاري عبر مسافات دارة وأزمنة قارة تجاوزت الثمانية قرون.
لم يمض نصف قرن حتى كان المستعمر على أبواب منواشي (1874) يطرق أبوابها بزخات الرصاص التي لم تكتف بقتل السلطان ابراهيم قرض، إنما أيضا فرضت ضرائب باهظه أرهقت المواطنين وكادت تعطل طاقتهم للإنتاج. لا يحسب القارئ ن المهدية (في نسختها الأولى والثانية) كانت أعظم شفقة بدارفور، فما إن كتب النصر للثوار في عام 1884 حتى لاحت في الأفق بارقة خلاف حول الخلافة، فرضت من جراها هجرة قسرية كادت تضحي بالموروث الثقافي والسياسي للإقليم لتسهيل مهمة الانصهار الاجتماعي. لقد اعتمدت القيادة المهدوية في نسختها الثانية تأجيج الصراع الطبقي والعرقي -- مثلما يحدث الآن -- كوسيلة لاحتواء دارفور سياسيا حتي وضعت الإنسان السوداني في محط الخيار بين الوطنية والكرامة الإنسانية. لا ادرى لماذا يوضع الإنسان السوداني دوما بين قيمتين -- إن صح تعريفهما -- من المفترض ان يكونا توأمين؟
باستشهاد على دينار في 1922م، إنهار الحصن الأخير الذي عمل الوطنيون على ترميمه واشتغلوا جاهدين حتى اعلن الاستقلال في 1956. بيد أنه كان استقلالا رمزيا أسندت مهمة اقتراحه في البرلمان للسيد/ عبدالرحمن دبكة عرفانا واعترافا بدور دارفور الريادي والقيادي في مسيرة النضال الوطني.
لم يحرص الإنجليز على تنمية دارفور قدر حرصهم على استقرارها الأمني والعسكري، وذلك لحاجة في نفس يعقوب، حتى لحظة خروجهم لم يكن هناك أكثر من مشروعين غير مكتملين. إن التطور النسبي بين دارفور والوسط يبين سبب هجرة العمالة إلى الوسط النيلي، كما أن الأقدمية التي حازتها النخب المركزية في خدمة المستعمر قد بررت العنصرية التي ما برحوا يمارسونها حتى أحالوا إنسان دارفور إلى مواطن من الدرجة الثانية، ليس أ دل من وضعية الكنابي في الجزيرة والنيل الأبيض.
لم تشأ النخب المركزية (عسكرية أو ديموقراطية)، هذا إذا افترضنا أنها كانت مدركة، أن تحدث إصلاحا بنيويا أو مؤسسيا من شأنه أن ينصف دارفور اقتصاديا وسياسيا، بل اكتفت (هذه الأخيرة) بقمع الإرادة الجماهيرية وأمعنت في تحيزها لصالح الترميز (تمثيل "الغرابة" في الحكم) عوضا عن التمييز الذي يتطلب أولا: تغيير البنية المادية والاجتماعية لقاطني الإقليم من خلال التنمية الريفية الشاملة التي تستهدف استصلاح الصحراء والتفكير الجاد في إقامة المزارع الرعوية التي ربما تسهم في تحويل العلاقة الاجتماعية بين الرعاة والحيوان إلى علاقة اقتصادية -- الأمر الذي يتطلب توفير معينات للتوسع الأفقي والرأسي في النشاط الزراعي، لا سيما أن المواطنين لا يقطنون أكثر من ثلث الأرض رغم الحديث الساخن حول "ملكية الأرض وقدسيتها". إن تناقض السعة الاستيعابية للأرض المأهولة سهل للمركز إمكانية التلاعب بمقومات الهوية، الأمر الذي بلغ أوجه في الإنقاذ، إذ اعتزمت الدولة على إبادة مواطنيها وصممت حربا لإبادة إثنيات بعينها، فكان أن اصطبغت لوحة الشهادة ولأول مرة في التاريخ بصور للأطفال ونساء جل جرمهم أنهم طالبوا بحقهم في حياة كريمة.
ثانيا: إن التسلسل الزمني للأحداث والنقدي لمجرياتها، والذي تضمنته هذه الورقة، يبين إشكالية النخب في مقاومة حالات الاستلاب الثقافي الذي يعانيه أبناء الإقليم الذين لم يجتهدوا حتى هذه اللحظة في إيجاد وحدة شعورية واستبصار وجهة حضارية بناءة علها تسهم في كسر حلقة الانعزال الفكري، الطبقي والمكاني. إن التصميم الخلاق للمقررات التعليمية وإيجاد قنوات لممارسة الحق السياسي ديموقراطيا وليس عسكريا من شأنه أن يقوى الرابطة المدنية ويعزز الثقة بين إنسان الأساس والإنسان الانتقالي اللذين تأثرا سلبا بالترتيبات الإدارية غير الناجعة التي تتمثل في الفيدرالية المظهرية التي تأرجحت بمعياري الكفاءة والكفاية (ادم الزين).
ثالثا: من حيث الكفاءة، هناك تباين واضح بين النصوص الدستورية القانونية والواقع الإداري التنفيذي، كما أن توزيع الإيرادات مجحف على المستويين الرأسي والأفقي(لا يسع المجال لإيراد ما حدث في "مفوضية تخصيص الإيرادات" لكنه أفضل مثال علي دور المركز في استحداث مركزيات يتم التحكم فيها اعتمادا علي اسس اعتباطية وغير موضوعية في توزيع المال العام)، ما يؤثر سلبا على التنمية والإنفاق الاجتماعي، ويجعل من الصعب خلق علاقة حيوية تكاملية مع المركز.
رابعا: بعمايتها غفلت النخب المركزية عن الرؤية الاستراتيجية، التي تتطلب خلق تكامل اقتصادي مع دول الجوار (جنوب السودان من ناحية الجنوب، إفريقيا الوسطى من ناحية الجنوب الغربي، وتشاد من الناحية الغربية، وليبيا من الناحية الشمالية) الأمر الذي تحتاجه دارفور لاستعادة مكانتها كمركز للتقاطع المعرفي ودرب للتبادل التجاري الإفريقي والعربي.
خامسا: إن الانفتاح الثقافي والاجتماعي على الحزام السوداني مطلوب؛ لأنه يعزز أواصر الاخاء الديني والإنساني، ومرغوب، لأنه يفتح أفقا فسيحا للتعاون الاقتصادي عبر المحيط الأطلنطي (الذي سيصبح الناقلة الرئيسة للبترول الإفريقي، ومنه سينداح مؤملا مخزون المربعين 12A & 12B عبر تشاد)، ويضمن إمكانية الاستقرار السياسي بالتعاون مع المجتمع الدولي الذي اتجهت أعينه مؤخرا نحو القارة السوداء. بل إنه يعتزم الاستعاضة بها عن الخليج حال حدوث متغيرات يصعب التكهن بها.

تصاعد وتيرة الأحداث والانزلاق المتعجل نحو مربع الحكم السالب:
إن المتتبع لوتيرة الأحداث والمستكشف لكنه الديالكتيك بين المركز والهامش الدارفوري، يلاحظ أن فشل الدولة عن أداء دورها الإنمائي ورفضها العمل على موازنة المعادلة المختلة في التعليم والصحة والبنية التحتية (محمد ابراهيم كبج)، أو مجرد الاستيعاب لعدد مقدر من أبناء الإقليم في المستويات الإدارية العليا في الخدمة المدنية، ومجرد الاكتفاء بديكور سياسي قد بدل الإرادة السياسية المتمثلة في نشأة الحركات الاحتجاجية مثل حركة اللهيب الأحمر في نهاية الخمسينات وبداية حكومة عبود، وجبهة نهضة دار فور التي انبثقت من رحم أكتوبر، وجبهة سوني 1970، وانتفاضة دار فور في يناير 1987 إلى إرادة عسكرية ميدانية أضمرها الشهيد داود يحيى بولاد وفجرتها حركتا تحرير السودان وحركة العدل والمساواة في عام 2003.
تعرضت الحركات الثورية بالنقد إلى بنية الدولة السودانية دون أن تسعى لتعميق أدبياتها الفكرية بمنهج ومفهوم الثورة الذي يتطلب تأطير العمل التنظيمي والسياسي، لا سيما التحسب للارتدادات القبلية (أو الجهوية)، والتحصن ضد الانقسامات التنظيمية (أو الأيديولوجية) التي تعزز مصالح النظام وتضعف القاعدة الجماهيرية للحركة. ولا غرو، فسرعان ما حدثت الاختراقات التي سنّت التحيز العرقي على شفة الأهواء الشخصية فوقعت القطيعة بين المثقفين من أبناء الإقليم والعسكريين، فعجز كل منهما عن الانعتاق من الأطر الشكلية للاتفاقيات التي تضمنت محاصصات رقمية حجبت كلا الفريقين عن رؤية الأمور بمنظار الوطنية والإيثار (دارفور وأزمة الدولة في السودان للأستاذ عبدالجبار دوسة هو المصدر للمعلومات الموجودة أدناه، بيد أن التصنيف هو مسؤولية الكاتب).

انتفاضة دارفور الكبرى يناير 1978
حركة الشهيد داود يحيي بولاد 1988
توغل قوات حسين هبري 300 كلم داخل الحدود السودانية لتعقب المعارضة التشادية فاغتالت عددا من المواطنين السودانيين واعتقلت آخرين ممن صنفتهم متعاونين، تحديداً الزغاوة. 1990
تفجر الثورة وحصولها علي دعم شعبي دارفوري منقطع النظير. 2003
استنجاد الرئيس البشير بالرئيس التشادي إدريس دبي ومطالبته صراحة للتدخل بجيشه لإنهاء التمرد الدارفوري. 2003
اتفاقية السلام الشامل التي أتاحت لطرفيها حصرية القرار فآلوا علي نفسيهما تسكين قضية دارفور ومعالجتها في مساحة لا تمس بالتوازن الذي أنتجته الاتفاقية . 2004
ضربة الفاشر التي نفذتها القيادات الشابة المتحمسة والمتشربة بروح الاندفاع الثوري والقتالي، الذي أهلها في مرحلة ما على السيطرة على 80% من مساحة دارفور. ابريل 2004
جاءت مقررات القمة العربية داعمة للبشير، الذي تسبب في مأساة هزت الضمير الإنساني لكنها عجزت عن أن تحرك القادة العرب، والذين تحركوا، من عجب، بسرعة مذهلة لمحنة شعوب أخري في المنطقة. مارس 2006
التوصل إلى اتفاق أبوجا الذي أملته الرغبة الدولية في إدخال القوات الهجين، واقتضته حاجة الرئيسين توني بلير وجورج بوش لتسجيل نجاحات شخصية في السياسة الخارجية قبل مغادرتهما السلطة.
مايو 2006
بلغت مساعدة الولايات المتحدة لبرنامج الأمم المتحدة في دارفور 375 مليون دولار، بعد أن وجد المجتمع نفسه مواجها بمهمة إطعام مواطنين الجأتهم سياسة "تجفيف القرى" إلى النزوح إلى معسكرات داخل البلاد أو خارجها. سبتمبر 2006
تأجيل مؤتمر المانحين المزمع قيامه لدعم الخطة الأساسية اللازمة لتمويل المشروعات البالغ قيمتها 18 مليار دولار، التي أعدها صندوق دارفور للتنمية والإعمار والمستوفية للمواصفات والمعايير الدولية حسب شهادة البنك الدولي. والجدير بالذكر ان المجتمع الدولي أودع المبالغ المطلوبة لتنمية جنوب السودان دون أن يتمكن قادته من تقديم دراسة جدوى مقنعة. نوفمبر 2006
إلغاء مؤتمر المانحين والاكتفاء بالوعود التي تضمنتها اتفاقيه أ بوجا دون تمكن الحكومة من الإيفاء بــــــ 1% من مبلغ 700 مليون دولار منصوص عليها في الاتفاقية والموزعة على ثلاث سنوات من 2006 – 2008. 2007
إدخال القوات الهجين إلى إقليم دارفور بالقرار رقم 1769م، والذي تتضمن إحدى فقراته نصا يسمح باعتراض الطيران الحكومي إذا ما ثبت تورطه في استهداف المواطنين، بيد أن هذا النص لم يفعل حتى الآن لحاجة في نفس يعقوب. 2008
بداية دخول دولة قطر في محاولة مخلصة لحل مشكلة دارفور، لكنها غير فاحصة، إذ لم تأخذ في الاعتبار حجم التعقيدات المحلية والإقليمية. 2008
هجوم حركة العدل والمساواة على الخرطوم. مايو 2008
ملتقى "أهل دارفور" في كنانة وهو إحدى المحاولات الفاشلة التي أدمنتها الدولة في دأبها للالتفاف حول الإرادة الجماهيرية مستخدمة تزلف بعض النخب الدارفورية للنخب الحاكمة بغرض الكسب المادي والأدبي. 2008
إعلان المحكمة الجنائية قرارها، والذي طالبت فيه الرئيس البشير الامتثال أمام القضاء لمواجهة جرائم يحتسب ارتكابها ضد الإنسانية. مارس 2009
توقيع خليل للاتفاق الإطاري الذي كاد أن ينجح لولا أن بعض القيادات اتبعت نهجا إقصائيا، سهل للحكومة السودانية فيما بعد مهمة الاستقطاب. فبراير 2010
عودة السيطرة الكاملة للدولة على يد المؤتمر الوطني بعد الانتخابات التي أقر المحايدون بأنها مزورة. أبريل 2010
انسحاب منى من اتفاقية (أبوجا) بعد أن وجد نفسه معزولا ومهملا. أكتوبر 2010
انفصال جنوب السودان . 2011
توقيع حركة التحرير والعدالة اتفاق الشراكة مع المؤتمر الوطني في الدوحة يونيو 2011
انتهت مدة التفويض دون أن تتمكن السلطة الانتقالية من ممارسة صلاحياتها، ناهيك عن تحقيق أهدافها الاستراتيجية في التحرير والعدالة. 2014

 

دارفور ... بنكرياس السياسة السودانية (3-3)


الراهن السياسي والاجتماعي الدارفوري
أصبحت حالة منظمات المجتمع المدني السودانية والدارفورية خاصة، أشبه بمستنقعات جونقلي أو وحول بحر العرب، والتي تتفرق مياهها فتصبح متسيبة ولاهية عن الغرض الذي أنشئت من أجله؛ فهي في حاجة إذن إلى قنوات تجميع ومرافئ توجيه هادفة كى تكتسب الطاقة الإيجابية اللازمة لإحداث التغيير المنشود. وإذ ظلت مجهودات المجتمع المدني (سواءً في المركز أو الأطراف) تفتقد التنسيق، فإنها حتماً ستواجه التهميش، الأمر الذي سيعزلها عن المنابر السياسية والحوارات الثقافية، لا سيما إبعادها من الدورة الاقتصادية المتكاملة، والمنسقة والمتداخلة. وقتها سيفقد المجتمع أدوات مهمة ومهارات كان سيكتسبها لهزيمة الاستقطاب الإثني/والقبلي الذي تمارسه الدولة سوياً مع الألاعيب التي يقوم بها عملاؤها لإسكات صوت أغلبية السكان. إن محاولات النظام السوداني المفضوحة والرامية إلى تمزيق المجتمع السوداني السياسي والمدني بشكل كامل، والتي ظلت تمارسها لمدة تزيد عن ربع قرن من الزمان، ستجعل من السودان بلدا شبيهاً بلييبا، إذا ما حدث فراغ في السلطة ستكون للفوضى تأثيرات قاتلة على كل الحزام السوداني وليس فقط الأمة السودانية.
ويظل الشعب السوداني رهينا لمحاولات النظام الحاكم المستمرة لتدمير الأمة وتمزيق إرثها، وذلك باستخدام الأساليب الناعمة والخشنة. وتشمل الأساليب الناعمة الدعاية، واستمالة النخب المحلية، وعمليات التعداد العبثية، والانتخابات التي تتم بصورة مخجلة، وما يشبه النظام الفيدرالي العاجز، والترتيبات الإدارية التي تتم خصيصاً لتمزيق الهامش (متمثلا في دارفور، والنيل الأزرق وجنوب كردفان) وإضعاف قدرته على دعم هوية مشتركة. أما الأساليب الخشنة فهي تتمثل في القصف الجوي العشوائي، أي ضرب أي كائن متحرك، والتدمير المكثف للقرى، وتدمير ممتلكات السكان، وعمليات الاغتصاب المتوالية، والقتل النشط للسكان الاصليين (يطلق عليهم أحيانا أهل الدار) والعمل السلبي الهادف لتدمير الكيان العربي (مجموعات الرعاة فيدارفور وكردفان)، وذلك من خلال إمدادهم بالأسلحة والذخائر ليتقاتلوا مع بعضهم البعض.
ومن الواضح أن حكومة الإنقاذ تقوم بالحرب كمهمة موضوعية، وتستخدم الأيديولوجية كمبرر لهذه المهمة، فمن خلال عمليات تفتيت ومراوغة تسخر الحكومة كل إمكانياتها السياسية والإدارية لإعاقة كل المجهودات الوطنية لإيجاد حلول تستخدم النهج السياسي والمدني. وأبرز مثال لذلك هو محاولة نائب وزير خارجية الولايات المتحدة روبرت زوليك في دارفور عام 2006 (وهي تعتبر من المحاولات الذكية النادرة للتعامل مع هذه القضية) لحل الصراعات بين المجموعات الاثنية في دارفور، قبل أن تقوم الطغمة الحاكمة بمفاقمة الأوضاع واتخاذ الإجراءات الإدارية الهادفة لتمزيق الإقليم. وكان إعلان الحكومة بتقسيم الإقليم الي ثلاث ولايات ولاحقا إلي خمس عبارة عن محاولة من النظام لإعطاء القادة العسكريين والسياسيين مطلق الصلاحية لتمزيق المجتمع الدارفوري، الذي يعاني أصلاً من التشرذم. ومن خلال التبوؤ بالمصالح الانتهازية قامت الحكومة مباشرة بعد اتفاقية أبوجا بإحداث فتنة بين الحركات، وامتدت يدها للعبث بالعلاقة بين الحركات والأغلبية الصامتة. بهذا الأسلوب نجحت الحكومة في تفتيت المجتمع الدارفوري رأسياً وأفقياً. فليس من العجب أن يتدهور الوضع بصورة متزايدة ويتحول من مجرد تمرد إلى حرب أهلية إلى "أم كواك" (وهذا مصطلح تقليدي يعني الفوضى أو حرب الجميع ضد بعضهم البعض). وعن طريق الإمداد بالأسلحة والذخائر أصبحت الدولة فاعلاً أساسياً وليس فقط داعية للحروب بين القبائل.
ولقد كان لتكثيف الصراع أثرا سلبي على قوات اليوناميد، إذ فشلت في أداء واجباتها، وذلك على النهج التالي:
- فشلت في إيصال المساعدات الإنسانية في دارفور، أو حتى في إيجاد جو آمن لرجوع النازحين المحليين و اللاجئين إلى ديارهم.
- فشلت في محاولاتها لتطوير ودعم احترام حقوق الإنسان، والحريات الأساسية في دارفور.
- فشلت في المساعدة في تطوير حكم القانون، سواءً من خلال بناء المؤسسات أو دعم الإمكانيات المحلية لدرء الكوارث.
- فشلت في دعم تطبيق البنود المضمنة في اتفاقية سلام دارفور.
بالرغم من كل هذه النواقص، فإن وجود اليوناميد في دارفور يشكل ضرورة إذا أردنا تفادي الهلاك الذي يواجهه النازحون المحليون وإضافة الي الحرب الدائرة رحاها بين ميليشيا الحكومة والحركات، فإن المواطنين كثيراً ما يصبحون هدفاً للاعتداءات الإثنية، وقد يدفعهم هذا الوضع المتردي إلى مواجهة العدوان عزلا، فقد تم حديثاً حصار مجمعات اللاجئين ومجمعات اليوناميد من قبل الميليشيات الحكومية وذلك حينما انتشرت الإشاعة القائلة بأن رئيس الجمهورية السوداني قد منع من مغادرة جنوب أفريقيا. ولم يتم فك الحصار عنهم، إلا بعدما وصل الرئيس السوداني لبلاده عائداً من جنوب إفريقيا.
إن الحكومة السودانية تتخذ موقفاً استراتيجياً ضد التنمية في دارفور، وليس أدل علي ذلك من اتخاذها الحرب ذريعة لتعطيل طريق الغرب، والاتجاه لتكملة شريان الشمال في ذات الوقت الذي نشبت فيه الحرب، وقد كان حري بها أن تعجل لإيقاف نزيف الخاصرة الذي حتما سيدمي الذاكرة. إن المنابر والمؤتمرات والإعلانات العديمة المعنى تتخذ وسيلة للتغطية على أيديولوجية الدولة العنصرية التي لا تتردد في تلميع قادة الميليشيات على حساب المفكرين والنخبة من المثقفين والسياسيين وقوى المجتمع المدني وتضخيم شأنهم كي يظل أفق المواطن خفيضا وهمته مهيضة. هذا الموقف غير الجاد يؤثر سلباً على استدامة اتفاقيات السلام سواء أن كان ذلك في دارفور او كافة أنحاء السودان.
اهتمت مجموعة من المفكرين/النشطاء الدارفوريين مؤخرا بدراسة المصاعب التي تواجه المجتمع المدني في سعيه للوصول إلى سلام مستدام في دارفور. وقد عمل هؤلاء بحزم من أجل تأسيس منبر المجتمع المدني الدارفوري (داسف)، والذي يعمل على ضرورة السماح باستقطاب مكثف في دارفور، يضع أسساً سلمية للتقدم الاجتماعي والسياسي. ويجب العمل على توضيح رؤية هذا المنبر بصورة مؤسسية، كما يجب القيام بتدريب مكثف لكوادر هذا المنبر في القضايا الخاصة بالحوكمة حتى لا يتحول المنبر إلى منظمة غير فاعلة.
إن الهدف الرئيسي لهذه الجماعة هو توحيد المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني في دارفور (حوالي 40 منظمة)، وهي منظمات فاعلة ولها وجود فعلي على الأقل في الولايات الثلاث لدارفور الكبرى. وهي تشمل منظمات غير حكومية، ومنظمات للنساء والشباب، والطلاب، ومنظمات النازحين المحليين واللاجئين، ومنابر متعددة وطوائف دينية. وهي جماعات تعمل من أجل الرفاه الاجتماعي وتؤكد على قيم السلام والتنمية المستدامة وتطوير الديموقراطية.
ومن الواضح تماماً أن النظام في السودان سيركع على قدميه قريباً، إذا لم يكن بالوسائل السياسية سيتم ذلك من ناحية اقتصادية، وبدلاً من انتظار حدوث فراغ سياسي، فعلي اعضاء المجتمع المدني العمل على وجود منبر يمهد الطريق إلى إحداث تغير ديموقراطي. فالنظام الحاكم يعمل على إحداث بلبلة للجماهير من خلال بثه دوما للتساؤل الآتي: "من هو البديل؟" هذا التساؤل يعمل على إثارته المتواطئون الذين يعملون على الحفاظ على هذا النظام بأي شكل، خشية افتضاحهم ومثولهم أمام العدالة. البديل هو الوعي الجماهيري ورغبة المواطنين في خلق اتحاد يصون كرامتهم ويحفظ لهم حقوقهم.
بإعلانهم أن "الملك يجلس عارياً "تجرأ بعض خبراء الأمم المتحدة متحلين بالأمانة وواصفين الوضع طبقاً للحال في دارفور علي مواجهة الواقع الذي يلزم الاعتراف بفشل اتفاقيات دارفور كافة أو بالأحري موتها السريري. بيد أن هذا الموقف قد سبب الإحراج لبعض الجهات مما حدي بالمجموعة بالاستقالة. تم تعيين طاقم جديد من خبراء الأمم المتحدة وهم يعرفون ما هو مطلوب منهم هذه المرة، إذ قدموا تقريراً يتناقض مع كل ما كان في التقرير السابق وحوروا الحقائق كالآتي: زعموا أن الدولة التي كان موقفها تجاه المجتمع المدني تخريبياً بدأ في التغير، وأن مواقفها التي وصفت بالتعنت وإنكار المأساة تحولت إلى مواقف ايجابية تتسم بالموضوعية، وأن معسكر الكراهية تحول إلي مبادرة تنادي بوقف العنف وقبول المساعدات الإنسانية والتي تقدم بلا ضغوط أو تدخلات.
إن فشل الاتفاقيات مرده إلي فشل المجتمع المحلى (والدولي) في تقديم مظلة دبلوماسية سياسية/مدنية، هذا إذا لم نتحدث عن التواطؤ أو التباطؤ في وضع آلية للتطبيق. وبدلاً عن الرؤية الأيقونية التي سادت مجتمع السفارات في الخرطوم، والتي أقعدت دولها عن مساعدة الشعب السوداني في اختراق الجدار السياسي والعسكري السائد، ترى مجموعة (داسف) ضرورة تأسيس منبر للسياسات يسهم في خلق رؤية تربط المواطنين (محلياً وفي مناطق الشتات) بفهم مبدئي وأخلاقي للتنمية، وبالتالي تعبئة الأقلية الصامتة ودفع الشباب -- الذي يمثل 70% من سكان السودان -- إلى تبني منهجية علمية وموضوعية في الإصلاح (Policy-Oriented Reform).
ثانياً: عن طريق قراءة الخريطة الاجتماعية المعاصرة، ودفع المواطنين للعب أدوارهم في المجالات السياسية، وذلك كضرورة تاريخية لا غنى عنها في مجال صنع السلام، ويمكن للمنبر أن يبدأ تدريجياً ببناء خلايا التغيير في المحليات المختلفة. لقد تحول الفضاء العمومي بفضل الاتصالات التي أصبحت أكثر تنوعا وأكثر اتساعا - من مجال هيمنة المنظمات القومية إلى ساحة متعددة الأشكال والزوايا، يمكن أن تشكل أرضية تساعد المجتمع المدني علي خلق شبكات للتواصل ذات إمكانيات إبداعية وخلاقة.
ثالثا: يجب ان يكون للبحوث دورا مهم في نشر المعرفة ودعم استراتيجية التطور القومي في السودان. وكي يكون لهذا المنبر إرث مؤسسي وثقافي هائل يستطيع المجتمع المدني من خلاله تطوير السياسات لابد من تضمين آراء جميع المواطنين في قضايا الصحة والبيئة والرفاه ... الخ. بهذه الطريقة يستطيع المنبر العمل في مجالات السلم والتكامل الإقليمي ومن ثم إزالة النتائج السلبية لممارسات النظام الحاكم وأنشطته التي حرمت المواطنين من كافة أنواع التثاقف. وعلى المنبر أن يعمل على تعميق الحوار بين فئات الجماعات المتباينة عن طريق التفاهم المشترك لا فرض الأيديولوجيات والتواصل لا "الإقناع". وعن طريق "التنوير الاجتماعي" تستطيع العناصر الشابة الاستفادة من الإرث الضخم، والذي ظل طويلاً في حالة من الجمود. وبهذا يتم تحرير الفرد الذي ظل لعدة قرون رهناً لقساوة السلطوية و"التفسيرات الأحادية الجامدة".
أخيراً وليس آخراً، يجب أن تتضمن استراتيجية "نزع السلاح" استراتيجية لنزع دواعي العنف وإبطال الثقافة الإقصائية. هذا إذا أردنا الخلاص من الحروب الأهلية الغليظة والمتطاولة وإنهاء الكوارث. لمدة طويلة من الزمان كان العرب (مجموعات الرعاة) يتعايشون مع السكان المحليين في دارفور وكردفان ... إلخ، بيد أنهم ظلوا مهمشين، اذ ظلوا معزولين من المنابر السياسية والثقافية غير مندمجين في الدورة الاقتصادية، الأمر الذي ساعد على تفشي الغبن والأحقاد الشخصية، ما كان له تأثير سالب على الحياة الاجتماعية، وقد أعاق أي تسويات سلمية. ويجب تأكيد دور الأعراب كجزء متكامل في المشورة والوعي الاجتماعي بالعمل مباشرة معهم إبطالا لمفهوم السمسرة السياسية، وتنفيسا لبدعة الارتزاق السياسي والخناعة الاجتماعية.

الختام
إن إمكانية الدولة في القيام بدورها الإنمائي مرهون ببراعتها على التفاوض خارجيا، كما هو مرهون بقدرتها على التعاقد داخليا. وكلما كان الخارج مزهوا بانتصار النموذج الليبرالي كمرحلة أخيرة من مراحل التاريخ البشري، كلما أعلن الداخل غوايته كمرحلة أولى من مراحل الضياع الأزلي، ولتشتعل حينها الحروب. إن مأزق البشرية اليوم هو مأزق أخلاقي وجودي قبل أن يكون مأزقا اقتصاديا سياسيا. ولا أجد أفضل من مقولة أدونيس تخليدا لهذا الواقع المزري الذي ينذر بفناء الكون روحيا وماديا:
"إن تاريخا كاملا من الحضور تمحوه لحظة من الضياع".
بالنظر إلى أنماط الاصلاح الاقتصادي المختلفة التي اعتمدت دوليا، تحديدا التخطيط المركزي (1960 – 1973)، وبرامج التكيف الهيكلي (1980 – 2000)، والتنمية الشمولية (2000 – 2010)، نلاحظ أن برامج التكيف الهيكلي الذي دعم النمو الاقتصادي مشفوعا بالزيادة في الناتج القومي الإجمالي والكفاءة التشغيلية للشركات على حساب السياسات التوزيعية للموارد والخدمات، كان له الواقع الأسوأ على مجتمعات الريف من حيث التماسك الوجداني والاستقرار السياسي، إذ أن إهمال الدور الإداري للدولة اللازم لدعم الرأسمالية الوطنية، المساعد في تحديثها، وجعل مؤسساتها قادرة على المنافسة، كما أن التحول المتعجل إلى اقتصاد السوق، قد حال دون تشكل اقتصادات سوق حقيقية ذات أبعاد وطنية وأدى إلى تعطيل الوظائف الثقافية والاجتماعية والبيئية والهيكلية النوعية العميقة، وتسبب في مغادرة غالبية سكان الريف إلى المدن دون أن يستطيعوا أن يتحولوا إلى طبقة وسطى عريضة تعي واجباتها المدنية وحقوقها الديموقراطية.
لقد فضحت العولمة الخلل الوظيفي للدولة الأمة (التي تبلورت فيها القومية قبل السلطة السياسية)، وبيّنت عجز الأخيرة عن احداث التوازن المادي الاجتماعي المطلوب للحفاظ على الهوية الوطنية. وبافتقارها إلى الجدارة الائتمانية لاجتذاب رأس المال الأجنبي وعدم قدرتها على اجتراح "المعجزات بالدخل الضئيل الذي تحصل عليه من الصادرات الأولية أو القليلة التصنيع" (ينمو الطلب العالمي على المنتجات الصناعية ذات التكنولوجيا العالية 15% والمنخفضة 5%)، تجد الدولة القومية مواجهة نفسها بأجندة تفتيتية (حقوق الإقليات ومطالب الإثنيات) لا تعتمد التعليم والتثاقف السياسي وسيلة لإطلاق الإمكانيات غير المحدودة للعقل البشري، وجعل روحه تخدم الأهداف الخاصة بالتكافل أو الاقتصاد الأخلاقي، لا سيما أن العقبة اليوم لا تتمثل في عدم وجود القدرة المالية أو التكنولوجية بل عدم وجود أخلاقيات تعتبر البشرية كتلة واحدة.