] كنت محتشداً بالصبابة أكتب في ورق الورد

بعض الحروف عن الوجد تنثال من خطوط السلام

 منذ عشرين عاماً أعانق في دورة الحكم هذا الظلام

وطني باعه الناخبون بأغنية من ردئ الكلام

 فقد القلب عنوانه تحت ظل الخيام![

                               جابر حسين، ص:27، كجراي: عاشق الحرية والقول الفصيح

 

أفلحت الحركة الشعبية إذ أيقنت أنه ما من سبيل لتفعيل إيما إتفاقية إلاّ إذا تفاعلت معها الجماهير قاعدياً، بل ما من جدوي سياسية للتعامل مع نظام ينشد التسابق النيابي ويرفض دفع إستحقاقات الإنتماء الوطني. إن القوي الوطنية إذ تحاصرهذا النظام أخلاقياً وفكرياً فهي تفوت عليه فرصة إستخدام القوة، وإذا فعل فأن ذلك حتماً سيكون وبالاً عليه لأن أعضاء القوات النظامية قد ادوا القسم ليكونوا حماة الشعب وليست قساة عليه. لكن النظام المفتقر الي أي مشروعية أخلاقية قد أعد العدة بمليشيات قد عبأها معنوياً بتضخيم جرعة العنصرية وإنتقاها إثنياً لتقنين مادة التدافع العرقي. لكنها لن تكون أجدي في التراجع من السافاك، الحرس الثوري أو جهاز الأمن القومي - إحتكاماً للقرب الزماني والمكاني. إنني أخطئ خطاءًا مفاهيمياً وأضل القارئ معي حين أرمز إلي هذه  "العصابة العنصرية" علي أنها دولة، وإلي الأعيبها علي أنها تقنيات مؤسسية ودستورية. وليست هذا سبب الإستبداد، فإن هنالك بلاد كثيرة مترعة بذلك لكنه بسبب غياب المؤسسات وتغليب الفهلوة علي الإستراتيجيات.

لقد ابرمت "الدولة" عهوداً أخرجتها (ولو إلي حين) من دائرة (اللا) شرعية إلي مصاف القانونية، فكانت إتفاقيات الشرق، الغرب والجنوب، التي جعلت اولي اولوياتها إستحداث إصلاحات مؤسسية وبنيوية تمهد الطريق نحو دمقرطة، ثقافية، إجتماعية، إقتصادية وسياسية. لكننا لا يمكن أن نقول أن التطبيق الحرفي لهذه الإتفاقيات كان يمكن أن يمثل مخرجاً للسودان، لأنها أُبرمت تحت ظروف إستثنائية وبمحددات تتغير بتغير الظروف السياسية المحلية منها، الإقليمية والدولية. مثلاً لقد شكلت إتفاقية السلام الشامل القاعدة الدستورية لممارسة حكم الجنوب من الناحيتين السياسية والقانونية (واني تونبي، ٢٠٠٨م)، لكنها لم تخلو من مطبات هوائية أو نوافذ شيطانية، إعتمد اللاعبين الرئيسيين -- قرنق وعلي عثمان -- في تصريفها علي مهارتهما الشخصية (الكاريزما في حال الأول والحنكة في حال الثاني) عِوضاً عن التعويل علي آلية محددة ومقننة يمكن بموجبها تجاوز ما قد يطرأ من ازمات فكانت المصيبة أن قد غيب الموت جون قرنق، كما قد غيبت الغيرة السياسية قرينه. ولم يبق إلاَّ الإستشفاف الواعي لروح النص، فهل يكفي ذلك؟ لا، لأن تعويل أي بند من بنود الإتفاقية يعتبر خرقاً إلاَّ إذا سانده وفاق أشبه بالإجماع الوطني. كما لا يمكن لاي إتفاقية أن تصبح شأناً ديوانياً، إلا إذا أبطلت فاعليتها جماهيرياً. ولا يمكن لأي جهة أن تبطل فاعليتها جماهيرياً إلا إذا قنعت بالإستبداد كحيلة سياسية، لكنها لا تعتبر حيلة ناجعة أو وسيلة ذات مردود إيجابي في تربية المواطن وترقيته ليستيقن أن التدافع بالطرق السلمية والحضارية مهما تبيانت فيه الأراء من شأنه أن يضفي قيمة علي مسيرة التقدم الوطني. ثانياً، إن إحترام المواثيق شأن منصوص عليه قرآنياً لحد قوله تعالي "ياأيها الذين اوفوا بالعقود"، ولحد قوله (صلي)

 "المسلمون علي شروطهم." إن الإخلال بشرط من شروط التعاقد يضعف الرابطة الرأسية بين الدولة والمجتمع، كما يفل من عضد المجتمعات إذ يحيلها إلي كتل متنافرة تتجاوز الرابطة المدنية أفقياً وتضمحل إلي حضيض العصبية القبلية، الأثنية أو الدينية. إن التعلل بأمن المواطن أمر مستهجن ومستقبح، لانه إلي كونه فرية القصد منها الحفاظ علي أمن "المؤتمر الوطني"، قد أصبح فرمالة القصد منها وأد الدينامية الشعبية والتلقائية الجماهيرية التي ساعدت السودان من التخلص من كافة الطواغيت عبر التاريخ.

إن التظاهرات ليس المنوط بها فقط تنفيس الغضب الشعبي لكنها أيضاً تعتبر القناة التي يمكن ان توجه من خلالها المطالب مدنياً، إذن هي رافد حضاري يتوخي فيه توليد طاقة سياسية من جراء الإحتشاد مع الروافد الأخري.

إن الإنتكاسة الحضارية التي حدثت في ظل "الإنقاذ" قد احدثت الإشكالية الآتية (فيما يتعلق بضمان العمل الجماهيري المتسق وجهة وتنظيماً):-

1.        قضت سياسة "التحرير الإقتصادي" علي الطبقة الوسطي التي ظلت هي العمود الفقري للمجتمع المدني، لأن من يكابد شظف العيش لا يسعه أن يجد الوقت أو الهمة لتحمل أي أعباء إضافية.

2.        جيرت كل النقابات المهنية والعمالية لصالح النظام مما أفقدها صبغتها القومية، بل أشد، أفقدها بوصلتها الأخلاقية. فهي لم تعد تمثل عضويتها ناهيك ان ترافع عن حقوقها المشروعة، المادي منها والمعنوي.

3.        أنهكت الاحزاب وشلعت رواكيبها حتي لم تعد تطمح في أكثر من لافتة يستظل تحتها القادة الذين إفتقروا إلي بصيرة تجنبهم الوقوع في المهالك وإذا وقعوا فيها لم يملكوا رؤا تخرجهم منها.

4.        بالرغم من إفتقارها إلي مشروع سياسي ذو عمق فلسفي وفكري، فإن "الحركات" قد نالت من عضوية هذه الاحزاب في الهامش-- الامر الذي أحال الأخيرة إلي قعيد إذ حرمها من القدرة التمثيلية بعد أن خسرت الذات التفعيلية.

5.        أمّا القوات النظامية، التي تعتبر حجر الزواية في هذا المعترك (غير المتكافئ) فهي لا تمثل القوات إلاّ بما تمتلكه من معدات، لانها ببساطة تفتقر إلي الإحترافية والمهنية، تئن تحت وطئة الشخصانية التي تتعارض مع المؤسسية التي تغلِّب مصلحة الجماعة علي فردانية الأنا، وتؤثر حيوية المبدأ علي إعتباطية الغلبة. إن مصطلح "النظامية" لم يعد ينطبق علي قوات أوكلت مهامها الضبطية إلي مليشيات قبلية، كما أحدث التمايز المادي غير المبرر وظيفياً هوة شعورية بين كبار الضباط ومرؤسيهم وبينهم وبين رصفائهم في الخدمة المدنية. فاللواء يصرف بدل معاش يساوي أضعاف ما قد يؤول إلي الرقيب في عقود من الازمنة، كما يستبدل معاشه بعشرة أضعاف ما قد يناله رصيفه في وزارة المالية أو غيرها من وكالات الخدمة المدنية. لكن ذلك كله -- أي تضافر الضغوط المادية والمعنوية -- لايلغي تعمق الغيرة الوطنية عند بعض الشخصيات القيادية.

6.        السؤال يبقي ما الذي يملك ان تفعله هذه الاخيرة في ظل التكالب الإستخباراتي (من قبل القوة الإقليمية والدولية يعينها جهاز الأمن "الوطني") علي "مشروع السودان الوطني"،

7.        بل ان سمات هذا المشروع لا تكاد تستبين في ظل الغيوم الملبدة بروح الإستعلاء العرقي في الشمال ودعوي الإنفصال المخدرة في الجنوب؟ وليت الأمر كان بهذه البساطة فيسهل علينا مشقة التحليل الذي يلزم التعرض للديناميات الآتية:-

أ‌.          إن عجز الاحزاب، كما الحركة الشعبية، ناجم عن الإزدواجية الأخلاقية عند كليهما، فالأحزاب مع النظام وضده، مع النظام إذا شعرت بزحف قوي الريف السوداني، التي تنشد الإصلاح، إبطال الهرمية العرقية والإستخفاف بخرافة الأشراف الذين ما فتئوا  يستثمروا محنة هذا الشعب حتي تردوا في خانة المغضوب عليهم، وحسياً بإثبات الوجود الإجتماعي والتوسع الديموغرافي الذي طالما تم إنكاره أو تجييره لصالح القوي التقليدانية (وإذا شئت الرجعية). فهي، أي الأحزاب، إذ تسعي لمصادمة النظام لا تعمل علي تقويمه (لأنها أنكي منه وأتعس، خاصة إذا عاينا المقارنة بين الزعيم "الإله"  والمشير "الباطش")، إنما تتخذ من المصادمة مهرباً من المنازعة لها التي فاقت طور المناشدة بالإصلاح). إنهم يحسنون المطالبة بحسناء لا يألون جهداً في التخلص منها عندما تغشاهم غارة، ليس أدل من وزير داخلية الديمقراطية الثالثة الذي هربته الإمبريالية الإسلامية.

ب‌.       إن الحركة الشعبية تُعالج إنقساماتها الداخلية في شكل التدافع مع هذا النظام (وهذا امر حيوي)، فقد واجهت منذ اليوم الاول الإنفصاليين الشماليين الذين ينظرون إلي شعب الجنوب نظرة مجازية، ومشكلة تنتهي بترسيم الحدود دونما إعتبار لحقائق التاريخ الدالة بوجود حضارة في الشمال ساهمت فيها بإمتياز قبائل الجنوب وشرفات ظللت قبور ابائهم، أو حتي إفتخار بإسهاماتهم الحضارية الباهرة. إن الإنفعال الوجداني بين الشعوب السودانوية قد كان داعماً للتداخل الأيكولوجي الذي ينكره الإنفصالييون الجنوبيون الذين طالما عانوا من الحمولات الدينية الشائهة للشمال، فلم يهولهم إستجداء الولاء السياسي الذي ظل مرادفاً لذاك القبلي أو تغشاهم رهبة من هول الإعتماد علي المعونات الخارجية وقد تنحي المركز عن دفع المطلوبات المادية لتنمية الجنوب حسياً ومعنوياً لمجرد أن تم إمضاء الإتفاقية.

أمَّا العنصرييون الشماليون فقد رأوا في الإنفصال وسيلة للتخلص من بعبع يتطلب تضمينه في العقد الإجتماعي تعديل لمورثاتهم الإيدولوجية التي لا تحترف بالإنتقال من طور الدولة الدينية إلي مصاف الدولة المدنية، فهنالك مفهوم الولاية الكبري التي لا تُعطْ للعبيد، النساء، الكفار أو الذميين وهنالك مفهوم الولاية الصغري التي تُعط بشروط دقيقة خطها فقهاء أقل ما يقال عنهم أنهم خلطوا المفهوم البشري للدين بالغاية الإلهية التي تظل  فوق الزمان والمكان. إذن فالوحدوييون في الحركة وفي الأحزاب الشمالية يواجهون تحدياً يتطلب منهم إدارة المعركة السياسية بحنكة تمنع هذا التجاذب الإيدولجي الخافت من إحداث إنقساماً وجدانياً مدوياً تكون المجموعات الإنفصالية المنتصرة فيه. بإختصار يلزم تضافر جميع الوحدوييون لمحاصرة اولئك الإنفصاليين. إن ذلك لا يكون بترديد دعاوي السودان الجديد (إذ لايُعقل أن يُصنع سودان جديد برموز قديمة) او السودان العريض (إذ لا يجدي ان تقف حدوده عند بيت المال)، إنما بإستحداث وسائل حديثة تسعي لإستنطاق الأغلبية الصامتة وفق مبادئ بسيطة (مثلاً: نعم للتكافل لا للتناحر)، لكنها عميقة، تسمو فوق النوازع الأولية ولا تشطط  إلي الشعارات الهلامية أو تلكم الوهمية.

ج. إن الإستغناء عن المنهجية العلمية في مخاطبة الشعوب يعني التعويل علي الغوغائية التي هي رصيفة الرجعية التي تعني بإنتاج التخلف ولا تحتفي بإستثمار ما توفر من وعي نسبي للمواطنيين دعمته الثورة الإعلامية ورعاه تعدد الفضاءات الإثيرية. عليه فإن التلويح بكرة الإنفصال (أو إحالة الوحدة إلي أماني وظنون) لايفضي إلاَّ إلي الفوضي او الإنضباط المخل (الذي طالما وأد روح الإبداع). يَفضُل هذه السبهللية إتخاذ تدابير قانونية ومؤسسية تسعي لتقنين الكونڨدرالية وفق برنامج زمني محدد ترعاه القوي الوطنية التي يعوذها حتي الان تفعيل رؤاها في الهامش الذي برهن إستعداده، بل تلهفه لإستقبال الحديث من الرؤا والناطر من المفاهيم.

ليس أدل من الجزيرة آبا ((فاتيكان العقيدة الإسلامية)) التي إستخفت بمحاولات الكهنوت للإلتفاف مؤخراً حول المبادئ وإستقبلت منافستو الحركة الشعبية التي إنضم إلي عضويتها أربعة الآف من أحفاد اولئك الأفذاذ الذين رفضوا الظلم متدثراً باللياقة الأفرنجية، فحريُّ بهم أن يرفضوه مستتراً وراء الجبة الأنصارية.

عِوضاً عن طلب النصرة من الفرنجة وإستجداء الهيئات الدولية، لزم علينا تفعيل الأغلبية الصامته في دارفور الجغرافية -- الأمر الذي عجز عنه كبير مساعدي الرئيس لمحدوديته الفكرية وتقوقعه الوجداني، فلجأ إلي التحالف مع ذات المجموعة التي رعت الإستخفاف بأقليمه لمدة سبع قرون-- وتطويق القوي الرجعية بإستنفار دارفور الإجتماعية.

إن الحليف الإستراتيجي لباقان (فتي الشُلك العظيم) هو الريف السوداني متمثلاً في دارفور، كردفان، الشرق، الشمالي النوبي، إلي آخره، وليست هذه المجموعات الإنتهازية والطفيلية التي راعها الحب المستبطن بين المستضعفين فسارعوا إلي الإخاء المعلن بين المتجبرين الذين لم يألوا جهداً في تقتيل أبناء الجنوب حتي دبروا فتنة إحترقت بموجبها دارفور. لقد وقف كبيرهم مندداً بالإستبداد الذي رعاه زهاء عشرة اعوام، فلم يكلف نفسه الإعتذار لشعب الجنوب الذي طالما اعلن حرباً مقدسة ضده! لماذا يعتذرهو وقد سبقه إلي المنصه من تقلدوا يوماً منصباً تنفيذياً درجت من تحت طاولته اقدام الفتنة العنصرية التي بدات بتسليح المراحيل؟ بل، لم يروغ له مقاومة الفاشية الدينية في ١٩٨٩م فناشدها بإسم الشرعية الثورية المكملة لتلكم الديمقراطية. كيف نرضي لانفسنا الإصطفاف مع هؤلاء أو الوقوف معهم في خندق واحد؟ كيف لنا أن نتبع هذا الحلف اليميني الذي أدخل السودان في ازمته الحالية؟ وهل لنا بديل؟ بالرغم عن بؤسهما السياسي فإن لديهما أريحية فكرية تبرئ الإسلام من تهمة التؤاطو العقدي مع الطاغوت؟ بل كيف يسعنا التفريق بين اليسار الذي يقود معركة التنوير-- دون ادني نصير-- وذاك الذي دشن حكمه المايوي بجل الإدارة الاهلية في وقت لاحت فيه بودار المجاعة مما أدي إلي كارثة حكم صَعُب معها إدارة الموارد البشرية والبيئية؟ الذي أود ان اقوله أن هذا المعترك يختلف عن سابقاته، بل أخرياته (إبريل وأكتوبر)، في انه يمثل لحظة إنتقال أنتولوجي لا تصلح معه التدابير التكتيكية، بل الإستراتيجية المستوحاة من رؤا أخلاقية وروحية نافذة.

لايسعني في هذه اللحظات غير الإستعانة بكجراي: عاشق الحرية والقول الفصيح كما اسماه الأستاذ جابر حسين:

"يا خطانا في الدروب المبهمة

هذه لحظة عمر مظلمة

أتراها عودة أخري إلي كبح الخيول الملجمة

عودة أخري إلي عصف الرياح المجرمة!"

يجب ألا تنحسر مقاومتنا للطاغوت في محاولتنا للتخلص من نظام، ولا أن ننجرف وراء شهوة عارمة لتكسير الأصنام، إنما في محاولتنا المنهجية العلمية، والرسالية لنفيها جميعاً في قلوب عبادها، وهنا يكمن التحدي. أولاً، لأننا نجد أنفسنا في مواجهة دولة مازوخية. الكائن المازوخي هو ذاك الذي يستبطن خصائص الشخصية الأنثوية (التي تضعها الثقافة الشرقية في مصاف المتلقي للفعل الإرادي)، حتي إذا ما إستجمعت قواها الفعلية إستحالت إلي كائن إرادي يتعامل مع الأجساد كحقول يجب فتحها، إقتحامها أو إحتلالها بالمسدس أو غيره من الأدوات مستحدثة البروز.

لقد تمت عسكرة المجتمع بطريقة لايمكن مقارنتها باي لحظة سابقة في تاريخ الامة السودانية بإستثناء المهدية، لأننا اليوم نتعامل مع اناس يعانون من علل إجتماعية وعاهات أخلاقية لا يرعوا البتة في التضحية بأرواح البسطاء لتنجية انفسهم وقد توفر لديهم إمكانات باهظة يسهل بها إجتياح الفضاء، بعد ما تمكنوا من الخلاء. تقول روبينا سايغول: "العسكرة، بالمعني الأوسع والأشمل تستتبع لزوماً فرض تأثيرات التفكير العسكرتاري علي المجتمع برمته. وهذا يحدث حين يصبح المجتمع بكليته مخترقاً بالخيال، والفكر، والإنفعال، والإدراك، والتصور العنيف، بحيث يتوهم أن حل أي صراع أو نزاع دون اللجوء إلي قوة السلاح أمرُ لا يمكن تصوره أو تصديقه. وتصبح كافة مؤسسات المجتمع متشربة حتي الإشباع بالعنف، وتغدو أفكار الصراع، والقتال، والدم، والإستشهاد، والنصر، والهزيمة، والأبطال، والخونة جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية المعاشة حتي في الأمور المدنية" (المرأة والجنسانية في المجتمعات الإسلامية - بينار إيلكاركان).

 من هنا ندرك عدم التكافؤ بين الدولة والمجتمع، لكننا لا نقول بإستحالة التغيير إلاَّ إذا قبعنا في المربع الأول وإقتبسنا الأساليب التقليدية (غير الخلاقة وغير المستحدثة) للتدافع. لقد كانت الآلية في السابق ثورات أشبه بلعبة الكراسي التي كانت حِكراً لنخب المركز، أمَّا اليوم فالآلية هي الدمار الشامل لان العصابة العنصرية قد صممت علي تجيير إرادة الشعب وعزمت علي خوض المعركة مستبطنة الحيلة فيما ضمنته من تصميم عقيم لنظام سياسي (أقل ما يقال عنه أنه مسخ لم يراع الخصائص الثقافية والمجتمعية -- ناهيك عن الأخذ في الإعتبار التجارب السياسية السابقة -- لشعب السودان). ثانياً، إن هندسة الدوائر والتي لم تسترشد بهدي التحول الديموغرافي الذي سطره التعداد السكاني، رغم علته البائنة، قد أريد بها إحدي إثنتين: إستبداد الأقلية أو الاغلبية حسب ما تقتضيه لحظات القرب أو البعد للمزاج السياسي من المؤتمر الوطني. ثالثاً،  تأتي مرحلة التسجيل التي تستتبع ما قبلها من مراحل غابت فيها الرقابة للقوة السياسية، والتي يراد بها فرز الأصوات مُسبقاً حتي لا يكون هنالك مجالاً للمغامرة. فأيَّ نتيجة ترجي بعد هذا؟ لماذا لايُعلن الفوز منذ الان؟ لماذا التأرجح بين إستهلاك الطاقة الذهنية والعاطفية للشعب وتهديده من ناحية أخري؟ إذ يقول أمثلهم طريقة، "لقد قدمنا أربعون الف شهيد، ونحن مستعدون لتقديم مائة الف آخرون".  سيبهت هؤلاء  الشهداء يوم ان يبعثوا علي نياتهم فيجدوا ان مشروعهم الحضاري الذي ضحوا من أجله قد إستحال إلي "أسلمة للكذب" عانت بسببه الضعفاء وإستقوت بعلته الأقوياء، فيالها من حسرة!

ختاماً، إذا كان المحفز في الثورات السابقة (التي وللعجب عدلت ميزان القوي لصالح الدولة) هو الحرية فإن المحفز اليوم هو الجوع. لقد تضاءل دخل الفرد فيما زادت أسعار الأغذية ب ٨٣ %،  فماذا نتوقع غير الإنفلات؟ وإذا حدث فيجب ألا ننزعج لان الفوضي مطلوبة لزعزعة مراكز القوي الإقتصادية والسياسية، خاصة إذا توفرت إرادة لإعادة تخليقها بحيث تفي بغرض التكافل (وليست التمايز)، قيمياً ومؤسسياً. مهما تبعثرت قوانا فإن هنالك روحاً سامقة تربطنا كشعب ينشد الإنسانية كغاية ويفضل السبل المدنية للكفاح. لعلي لا شعورياً ارسم صورة وردية للثورة الفرنسية أو الإيرانية، لكنني موقن بإستحالة إستبقاء شعب في العبودية وإلي الأبد. بالقدر الذي يبدو فيه هذا النظام متحكماً، فإنه لا يخلو من لاعبين محليين، إقليميين ودوليين يتحكمون فيه "قد مكر الذين من قبلهم فأتي الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم واتاهم العذاب من حيث لا يشعرون."  (سورة النحل- الأية 26)