عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
ما الذي ينقمه الكهنوت (الصادق المهدي) من الطاغوت (الجانجويد)؟ لا شيء غير أنه فقد ميزة السمسرة التي احترفها هو واسلافه في التلويح بالمعسكر العقدي (المكون من ذات المجموعات القبلية) متما اعترضتهم عقبة سياسية، هي بمثابة حجة قد لا ترقي في كثير من الاحيان إلى طور المحاجة (نود ان نحيل القارئ إلى مضابط الشرطة للاطلاع على حيثيات حوادث مارس 1956 والتي فضل نقد الله ان يستقبل فيها الرئيس المصري العظيم محمد نجيب بالجلكة والكوكاب عوض عن اللافتات والورود!).
جاءت الانقاذ مبطلة الابتزاز الطائفي ومفندة هذا النوع من أنواع المقايضة (السياسي بالعسكري والعكس) إذ لم تر بدا من استخدم القوة عارية ودون الحوجة لإيجاد أي مبرر أخلاقي، فجعلت "الصبيان" أوصياء على أنفسهم مختصرة المسافة المعنوية والمادية، ومعلية من مبدأ "أمسك لي، اقطع ليك!"
الجدير بالذكر ان الكهنوت لم يلجأإلى الموادعة واستخدام لغة "الجهاد المدني" إلا عندما سلّ الغرابة (جنده المخلصين وخدامة الوادعين) ايديهم منه، لكنه ظل مستريبا لا يجرؤ على شجب الجرائم التي ارتكبت في حق إنسان الريف، على الأقل ليس بهذا الوضوح والمستوى العالي من الإبانة التي سمعناها وقرأناها مؤخراً حتى أيس من امكانية توظيفهم لاستعادة ملكه -- ملك يحسن المطالبة به ولا يحسن الحفاظ عليه (كالبواكي يذكرن مآثر الفقيد ولا يحسن المطالبة بقسمة في ميراثه).
بعد انتصار عملية الذراع الطويل ووصول خليل إلى الخرطوم، خرج الكهنوت مندداً بخطورة التعدي على حرمة ام درمان و شاجبا استخدام القوة في حسم الخلافات السياسية (كأنما الطيران الذي يحلق في سماء دارفور -- شمالاً وغرباً --يقوم بطلعات استعراضية وليس استطلاعية حربية)، علما بأنه أول من قوض المؤسسة الحزبية واعدم التدافع كوسيلة قادرة على جبر الضرر السياسي واداة ناجعة في تلافي التمزق العرقي والمجتمعي.
فيما يلي بعض الحيثيات التي يجب على هيئة الدفاع استصحابها في محاولة الدفاع عن افخممراوغ سياسي في افريقيا والشرق الاوسط:
1.    لم يكن عبدالرحمن الصادق المهدي أكثر استحقاقا للقب "عميد" من حميتي، فإن قمة ما حصل عليه في حياته الاكاديمية شهادة إكمال لكورس تربية بدنية من الأردنالتي ذهب اليهابعد ان ابلغ ناظر المدرسة السيد/عبدالله محمد احمد الذي جاء موفدا من ولي الامر بأن ابن السيد قد رسب في جميع المواد دون استثناء وأنه يرى ان لا مستقبل لهذا الشاب في أي مجال يستدعى اي قدرات ذهنية (باللغة القديمة "مخو وقف").
2.    لو كانالكهنوت يؤمن بنظامية الجيش السوداني ما انتدبابنه الفاشل للعمل فيه ولأؤكل له عملا خاصا يديره كما أسند السيد عبدالرحمن لابنه الصديق ادارة دائرة المهدي، لكنه انتظر حتي مجيئه رئيسا للوزراء حتي يعينه بعد ان رفض الضباط المنضبطين المساومة علي ارث القوات المسلحة.
3.    لم يكن هناك جيشا نظامياً بالمعنى فقد بدأ تسريح القوات المسلحة في يونيو 1989، فقط بقيت هناك وحدات عسكرية تستثمرها النخب المركزية في حسم خلافاتها السياسية أو بالأحرى تكتلات عرقية توظف لحسم مطالبة الريف بقسمة عدلية لموارده المادية والروحية. في هذا يمكن ان نقول ان دارفور وظفت لقمع الجنوب، كما توظف اليوم مكوناتها ضد بعضها البعض.
4.    إن الكهنوت هو أول من استخدم المليشيا الحزبية لتقويض جيش نظامي وإلا كيف نفسر مفهوم الهجرات الجهادية: هجرة الانصار إلى الحبشة والثانية إلى ليبيا، والثالثة إلى اريتريا، وما ادراك ما اريتريا؟ففيها تم فعليا وعمليا تجنيد الكهنوت وابناؤه.
5.    ان اجهزة الأمن التي يوظف الكهنوت فيها ابناؤه تم انتقاؤها من الشريط النيلي (فانسجموا حتي ان احدهم انتدب للإجهاز علي الاسري في عملية الذراع الطويل مما لاقي استحسانا من كبار المسؤولين)، وبكفاءة عالية جعلت قوات "أب طيرة" ممثلة لقبائل بعينها. هذه القوات لها ولاء شخصي للفريق صلاح غوش ولعلي عثمان، ولذا فقد اقتضى توازن القوى تواجد "الجانجويد" كمكون يمكن ان يرجح بكفة الرئيس إذا اجترأت هذه المجموعة في الاقدام على محاولة الإطاحة به.
6.    إذا كان الكهنوت يعيب على الجانجويد سلوك الاستباحة، وحق لغيره ان يفعل لا هو لأنه لم يرع حرمة للشعب السوداني يوما وسجل المخابرات المصرية حافل بعجائز المعارضة الذين هرعوا الي مصر فور مجيء الانقاذ للتنفيس عن الكبت الذي عانوه فترة الديمقراطية (العجيب ان اليساريين كانوا افضل كفاءة رغم ادعاءات اليمينيين الاخلاقية، وهذا غير مستغرب)، فإنه يجب أن يتذكر ان تاريخ المهدية كله كان تاريخ استباحة، بدءابالصادق الذي قاد معارضة عسكرية استهدفت الجندي الذي كان يحييه بالأمس،ويوم ان راودته الانقاذ لم يمنع ابناءه من اغتيالابناء الانصار،بل حثهم، حال اعتراضهم على امرة عبدالرحمن للجيش، مروراً بالصديق وانتهاء بالمهدي نفسه الذي وثق الثقات أنه دخل في ليلة واحد -- يوم "تحرير الأبيض" -- على 19 امرأة بحجة أنهنَّ ملك يمين (احيل القارئ الي كتابات الاستاذ شوقي بدري)!
7.    امأ إذا كان على الرشي والارتزاق فإن البنوك لم تزل مطالبة صديق الصادق المهدي بثلاثة ملايين دولار، قيمة الرهينة لدار الحزب ومنزل والدته، حتى ثبط جهاز الأمن الاقتصادي همتها واثناها عن الالحاحفي الطلب.
8.    إذا كان الكهنوت وحلفاؤه يسخرون من العامية التي يستخدمها حميتي، فهي ارقى من العجمية التي يتكلم بها ابنه، إذ لم يستطيع في منتدى الدوحة الاخير التمييز بين الهمزة والعين.كيف يزعم الكهنوت ان ابنه لا يمثله وهو يكتب له الخطابات ليتلوها في المنصات الدولية، وقد كان حرى به ان ينتدب النوابغ من ابناء حزب الأمة، مثل الدكتور/ إبراهيم البدوي للتحدث في شؤون الاقتصاديات، وآخرين مثل المثقف العضوي الطبيب ابراهيم الامين للتحدث عن المستقبليات. لا عجب فإن الكهنوت يكذب كما يتنفس او كما يقول المثل.
9.    إذا كان الجانجويد قد عبثوا بمقدرات الكيان العربي في دارفور خاصة وفي السودان عامة وادخلوه في أزمة وجودية، فإن الكهنوت قد عبث بكيان الانصار حتى لم يبق فيه غير ازرقيهيقودهم "الامير" عبدالمحمود ابو؛ سمعته مؤخرا يقول انه "قطف من كل بستان ثمرة" وهو لا يدري ان حامل الواح مثله لا يسمح لهبحضور منتدي علمي جاد في الاكاديمية المغاربية ناهيك عن الغربية.حري بالحكومة الا ترعي بالا لتهديدات سارة نقد الله، لأنها تعلم ان الابرة قد سحبت منذ زمن بعيد فلم لم يبق الا بعض المغفلين، الاوباش والمخبولين عقليا يحملون حرابا من الاولي ان تدخر لتعرض في متاحف ادنبرا.
10.    إن الجانجويد لا يمثلون الرزيقات إلا كما يمثل الكهنوت الدناقلة او كما تمثل الانقاذ الشوايقة والجعليين والرباطاب والحلفاويين، إلى أخره. واهل دارفور بيقولوا "الجريمة كلب يتبع سيده"، بمعني اخر كل يمثل نفسه في هذا المعترك الخبيث ولا يحق لشخص ان يستنجد بقوم الا اذا كان ممثلا لمصالحهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. عهدي بالرزيقات ان نسائهم لم يزل يمتن في الولادة من جراء الاهمال وان 90% من ابنائهم لا يستطيعون مواصلة تعليمهم بعد الاساس تأثرا بالفقر، هذا اذا استثنينا الانعدام الكامل للبنية التحتية وعدم توفر التدابير الادارية والسياسية الحكيمة بل تمادي الاجهزة الامنية في بث الفتن القبلية والخشم بيتية.
11.    لا يمكن ان يزعم الكهنوت بان الجانجويد يمثلون مجموعة عسكرية منسجمة عرقيا، كما لا يمكن ان نحكم بغربتهم كأن يقول الكهنوت أنهم من مواطني النيجر، وتشاد وأفريقيا الوسطى وهو يعلم ان في معيته من هو من أصول تركية، حبشية، و مصرية، هذا إذا استثنينا "البدون". بيد انه يلزم ان لا ننكر ان التجنيد قد تم من البيئات التي استنزفتها دائرة المهدي واقعدها الجهل بمجريات الامور.
ختاما، لم يقدم الكهنوت فيما اقدم عليه من باب المفاضلة الاخلاقية، إنما حرصا على النادي القديم وسلامة اعضائه من متطفلين (غير منسجمين عرقيا مع مجموعته التقليدية) قد يسهموا في تغيير قواد اللعبة.ولذا فهو يغلب العنصرية والمفاصلة العرقية علي التداول السياسي الحيوي كما لا يجد جدوى في محاولة التعرف على بعض الميزات التفضيلية لجند الريف الزاحفة.ما أود أن أقوله هنا ان الكهنوت لا يفرق بين خليل، دريج، جماع، دبكة، عبدالواحد، مادبو، موسى هلال ، شريف حرير، منى، حميتي، إلى أخره، هم بالنسبة له رعايا شبوا عن الطوق فيلزم ارجاعهم بكافة الوسائل إلى الحظيرة. وإذ ظل مستقويا بالسلطة والمال حتي كاد ان ينجح في اقصاء كافة خصومه السياسية ومستبدا بلغ به الاستبداد درجة ان يقول لطلاب حزب الامة "الما عاجبو الباب بفوت جمل"، فقد ابتلاه الله بقوم يدرئون السيئة بأسوأ منها وقديما قيل: من لم يرعوى بقول الكريم، ابتلاه الله بسيف اللئيم.
كل على طريقته، الكهنوت والطاغوت، قد استثمرا محنة الشعب السوداني بإطالتهما امد النظام دون ان يصيب ايهما وخز او تدركهما ساعة افاقة تكون مدعاة للتفكر في عاقبة الامور.فلن تغني الانقاذ عن الجانجويد، الا كما اغنى البعث عن التكريت، والجاهل لا يعذر بجهله. اما الكهنوت فقد اضله الله علي علم وختم علي سمعه وقلبه وجعل علي بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله، افلا تذكرون؟
بلي، ان الشعب قد تذكر وادرك هذه المسرحيات التي يعدها جهاز الامن (والاجهزة الغير المرئية الأخرى) وتخرجها النخب المركزية، هذه المرة بدافع الخوف إذ احست بأنها باتت محاصرة في مثلث ذي ثلاث شعب:الجانجويد، التور بورا، وقوات اب طيرة. وإذاما اشتعل الفتيل فإن فتنة ستحدث من شأنها ان تقضي على الاخضر واليابس؛لعله المطلوب كي يستطيع الشعب اقتلاعشجرة الافك من بذورها ويعمل لبناء دولته علي اسس ليبرالية وعقلانية -- هي ذات الاسس التي نادي بها الوطن الاتحادي ومن قبله مؤتمر الخريجين قبل ان تمارس عليه قيادة حزب الامة ضغوطا ارهابية مستخدمة "الغرابة" وبعض الاوباش الذين استغنت عنهم اليوم بحجج براغماتية ونرجسية ذاتية.
ان الكهنوتب مسرحيته الاخيرة يسعي لتقنين شرعيته خارج الاطر (بيت المهدي، كيان الانصار، وحزب الامة) التي استخدمته الامبريالية الاسلامية لضربها فقمينا به الا يجد غير الكاروري شفيعا له وبعض اليساريين الذين دجنوا منذ مدة وباتوا حواريين في جوقته يلبسون ال (علي الله) -- هذه اللبسة القبيحة التي اصطنعها ال المهدي ليميزوا انفسهم عن الاتباع، ويرددون اوراده الشيطانية التي تنفث بريح العنصرية والجهوية والطائفية والاستعلاء العرقي والطبقي. لا مستقبل للسودان الا اذا تخلصمن الخرافة التي يبثها اليمينيون وسيلة لتخدير الشعوب وهم لا يكادون يدركون ان الشعوب قد انعتقت من الخرافة وان المسافات قد انطوت فلم يعد هناك قيمة للمعني دون ان يختبر. عجبت من الحبر يوسف نور الدائم يحاضر عن "الاخلاق في الشعر العربي" في الدوحة وهو يجلس في برلمان يصادق علي قتل الفور والمساليت، ومن عصام البشير يتحدث عن "البيئة في الاسلام" وهو لا يدري ان اعادة بناء  دارفور بصورتها التقليدية قد يكلف 400 مليون شجرة، مما يعني حدوث كارثة بيئية اخري.ان هذه النخب تعاني من امراض نفسية ايسرها الانفصام واعظمها الشيفونية وامراض العظمةالأخرى. 
ان القراءة الواعية تقول بأن التحولات الرئيسية في تاريخ الشعوب،يشمل ذلك تفكيك المنظومات الأخطبوطية والتخلص من المفسدين، لا تتم إلا بجرف عميق وجرح معمق يشنف الاذان ولا ينفي الوجدان كالذي جعل الفرنسيون يتهيمون 80 عاماً بعد اعدامهم للملكة المستبدة أنطوانيت وذلك قبل ان ترسي سفينتهم على بر الأمان.فعلي النخب المتريفة (أو الريفية) ان لا تكتفي بالتعليق علي هذه المسرحيات لأن ما نراه اليوم من ظواهر ما هو الا نتاج لفكر سياسي متبلد و نهج ديني متعفن، لكن ايضا ان تسعي كآفةلتطوير منصة (أسوة بمؤتمر الخريجين مع ضرورة الاستفادة من غلطاته التي كان له صلة بمحددات الفترة الاستعمارية وطموحات جيل الرواد الانية) تقطع الطريق على الطائفية وتطوق النخب المركزية الطفيلية التي تتغذىأميبيا من حين لأخر من مواقف الكهنوت الانتهازية غير الاخلاقية.انظر كيف هرع العشرات للدفاع عن الكهنوت ولم يختر هو الا واحدا. فلينصرف المتطفلينالاخرينللدفاع عن المستضعفين!