جاءوا مرغمين، حُشروا مكرهين،استمعوا منصِتين، تجمعوا آملين، تفرقوا طامعين، جٌبِلوا حاقدين، عاشوا كَرِهين، صلوا نافرين، تسالموا غارمين، استوصوا غافلين، تعاقبوا مُرْغَمين، مدحوا مُبْغِضِين، تَرَدْوا مجرمين، حنثوا مقسمين، اسْتَصْغَروا متعاظمين، أفِلوا غانمين،تباهوا ماجنين،اصْطَلوا واقفين،ظلموا مستكبرين،كذبوا متعمدين، تكاثروا قابرين،شَخَصوا جَبِنين، عُمِّروا مُبْتَلين، تجمَّلوا وَرِمِين، استكثروا مُفْلِسين، تمسكنوا ماكرين،حُشدوا مُنْهَكِين، ادخروا شائنين، سهوا جاحدين، اغْتَنَوا سارقين،تفوهوا فَحِشين،تمنطقوا عاجزين،تنحوا شائهين، ذكروا غافلين، نطقوا متوجسين، استُدْرِجوا لسنين، غرهم التمكين،…………………..
"فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم ان كنتم صارمين، فانطلقوا وهم يتخافتون الا يدخلنَّها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حردٍ قادرين، فلمَّا رأوها قالوا انَّا لضالون، بل نحن محرومون، قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون" (قصة اصحاب الجنة في الكتاب الكريم).
لو لم يكن إلا هذا جزاءً لهم لكفي، لكنَّ طلة الدَّجال أعظم. بعد ان اثني علي ذاته المَقِيتة قال لهم: يا عبيدي، هذا يومكم الذي كنتم توعدون، انها ساعة جور وعناء. ابشركم بمهانة ليس بعدها عز وبعذاب لا تعقبه شفاعة!
إن تلكم الطلة مهمة بالدرجة التي يكشف فيها الخطيب عمق الهوة بينه وبين المخاطب (في هذه الحالة الامَّة المسمَّاة مجازا الامَّة السودانية) وليس فقط الهوة بينه وبين الخطاب الذي أعدته جهة ارادت ان تقفز فوق الواقع وان تلتف حول الحقائق--وهذا دأبها دوما-- دون ادني مراعاة لانكشاف عورتهم وانفضاح مناوراتهم على الشعباو إعطاء اقل اعتبار لإمكانية الرجل المتواضعة حسا ومعنا، مما تسبب له في حرج شخصي ومعاناة بدت جلية اثناء استعراضه للخطاب الذي كانت لغته انسب بلغة الكتاب.
لم يكن الرئيس متسقا مع ذاته يوما لكنه لم يكن منفصما (من الناحية الفنية هنالك فرق بين من درج علي الكذب وبين المنفصم، إذ ان الكاذب يتعمد تلبيس الحيثيات ولا يتوهمها بالكلية. علما بأن الاول قد ينحدر فيلحق بالأخير حسب الظروف. من هذا المنطلق يمكن ان نقول بأنه يجوز للجماعة ان تسعي لإنتاج نفسها لكنها لا يمكن ان تفعل ذلك متناسية تماما للواقع، بل ومتقافزة فوقه)، ومن ارادوا إحراجه فقد أحرجوا أنفسهم إذ بدوا منفصمين بعد ان كانوا منفصلين. أود ان استعرض بعض حالات الانفصال والانفصام التي ادرجت في طي الخطاب وهي كالآتي:
•    حديث عن الهوية الجامعة يقابله إمعانا في العنصرية واستعلاء تسبب في انشطار ثلث البلاد، الأدهى حسبان ذلك من المنجزات، بل الضروريات كي يحدث الانسجام الرؤيوي، كمايكذبه مشهد بنات درجيل (المساليت) وأحفاد ابراهيم قرض (الفور) وهو يقبعون في معسكرات النزوح منذ اكثر من عشرة سنوات.
•    تجيير كامل لإرادة الشعب تجعل الطائفية والامبريالية الاسلامية ممثلة للسودان الشمالي النيل وسطي -- مهد الحضارة الانسانية، وتجعل الاخير وصيا علي باقي الريف السوداني. 
•    مبادرات سلام تفتقر الي المصداقية ناهيك عن تضعضع الآليّة والاستخفاف بمجهودات كآفة الوسطاء الاقليمين والدوليين.
•    رؤية مستقبلية عقيمة وقصيرة النظرفي مواجهة مأزق استراتيجي ومحنة تاريخية قد تستدرج الجميع الي ساحة القرون الوسطي وما افريقيا الوسطي منا ببعيد.
•    مرافعة أخلاقية في ظل حيثيات عسكرية لمشهد إجرامي مهيبفي جبال النوبة، دارفور، جنوب كردفان وبقية نواحي السودان.
•    حديث عن انفراج سياسي وخارطة طريق يناقضه سعي حثيث للانتقال بالبلاد من خانة الاستبداد المدني الي خانة الاستبداد العسكري.
•    احلام تنموية في ظل عجز هيكلي وإخفاق إداري مريع.
•    آفاق استثمارية يحجبها حصار اقتصادي وتحتويها منافع شخصية ضيقه،الأدهى مطاردة ملحة من قبل الجنائية الدولية لأفراد العصابة المركزية.
•    حديث عن مأسسة الشفافية وتقنين سبل المحاسبية تدحضه يوميات التفتيش وحيثيات خط هيثرو والتقاوي الفاسدة وتهريب شبه يومي للعملة الصعبة عبر الموانئ البرية والبحرية.(لم يكتف الآباء بالسرقة فأطلقوا العنان للأبناء وصدق المثل القائل "ال في والدك بغالدك."، قد أفلح هؤلاء إذ سلخوا جلود ابهاتهم ودخلوا فيها).
لا اعتقد ان المواطن يمكن ان يكون قد فوجئ بأي من المواضيع الآنف ذكرها، فهو الواطي جمرها والخابر سرها صباح مساء. لكنه يحتاج حتما الي رؤية أخلاقية ومنصة سياسية/مدنية وهمة تعينه علي مغالبة اليأس وتحفزه علي استشراف مستقبل أرحب. هناك هوة حتما بين واقعنا وبين ما نستشرف من مستقبل وصعاب لا يمكن ان تذلل او يتم التغلب عليها بالأماني او المعجزات إنما الخطوات الراسخات سيما اليقين بتأييد المولي عز وعلا للمستضعفين. نحتاج الي منهجية تهيء لنا فرصة التعرف علي خياراتنا العلمية والموضوعية، فقد اعيتنا الاوهام وبترت اطرافنا الوثبات الجائرات ومحاولات القفز فوق المعضلات (هناك فرق عند اخصائي التعليم بين ال Self-Esteem "احترام الذات" وال  Self-Efficacy"الكفاءة الذاتية").
اولي هذه الخطوات ادراك الشعب يقينا ان من يتصدون لتمثيله اليوم هم خائنيه وخاذليه وقد تحقق ذلك من خلال تاريخ طويل لا يفسح المجال لعرضه. وان فرية البديل (ومن هو البديل؟) مردودة عليهم لان اقل المواطنين كفاءة اشرف وانبل من هؤلاء المجرمين. ثانيها عدم انشغاله، اي الشعب، من الآن فصاعدا باحاديث المدينة التي تتوهم إمكانية حدوث إفاقة او صحوة ضمير لأفراد العصابة وان يدع اللهث وراء الشائعات التي تقول بأن خلافا يوشك ان يحدث بين الاسلاميين أو ان خلافا حدث بين المدنيين والعسكريين او العسكريين فيما بينهم (فقد سرح الجيش وقوضت المؤسسة العسكرية منذ امد بعيد ولم يبق إلا بعض النفعيين والانتهازيين).
لقد وقعنا مرارا في احابيل هذه العصابة التي تستخدم الشائعات لا الانجازات وسيلة لتمديد حكمها المتهاوي. كما يكفي تقفيا "لنظرية المؤامرة" التي تزعم ان هناك حكومة خفية او غير مرئية يمكنها ان تنقذ البلاد من موبقات التخبط او جهالات الجاهلين، فهذا كله يفضي بالمرء للسبح في ساحة المعجزة اوالخوض في مغارة العجز.
اشتكى احد المزارعين إلى أبن أخيه المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية اجتراء الفئران على مزرعته. بعد استشارة احد العلماء الامريكيين تم الاتفاق على ارسال فأرة إلى الحقل المأزوم. استغرب العم على هذه الفكرة، لكنه اذعن ريثما تأتي التكنولوجيا بأعجوبة تعينه على التخلص من الفئران التي التهمت محصوله بشره متزايد. ما ان توسط العم --المتحير حتي هذه اللحظة-- الحقل حتى اطلقت الفأرة بعد تشغيل البطارية ازيزا كهربائيا تداعت له ثائر الفئران. ما إن تحولقت الاخوات حتي أصدرت الفأرة المستوردة صوتا مُدويا انفجرت من بعده موديه بحياة كافة المعتدين الاثمين. انشرح صدر العم محتفيا ببراعة ابن اخيه، لكنه سرعان  ما استأنف قائلا "دحين يا ود اخوي ما عندكم واحدة عندها دِغَينه صغيرة!"
كتب غارسيا ماركيز في روايته الفضلي "خريف البطريك" واصفا الديكتاتور بالجنرال الذي كان يطوف في السنوات الاولي من سلطته جميع أرجاء البلاد مما اكسبه شعبية دائمة جعلت الشعب يتحاشى توجيه اللوم اليه في كل ما حل به من المصائب، بل يتنهدون من أعماقهم في كل مرة يسمعون فيها عن عمل وحشي جديد قائلين "آه لو ان الجنرال يعلم!" (سيرة حياة غابرييل غارسيا ماركيز، جيرالد مارتن، الدار العربية للعلوم ناشرون، ص:474).
هل ايقن السودانيون بعد المهزلة التي حدثت مؤخرا )حيث أنها حتما لن تكون الأخيرة فهنالك مذكرة تفسيره للرؤية الفلسفية التي قدمها المشير على غرار "حزمة الإصلاحات الاقتصادية" التي وعدنا بها الرئيس بعد المؤتمر الصحفي الذي اعلنت فيه زيادة الأسعار)،انه لا يوجد جنرال انما مسخ لعسكري تم استدراجه في الانضمام لتنظيم الاسلاميين قبل ان توكل لعلى (بيلو) مهمة توفيق اوضاعه المعيشية وتثقيفه في جامعة افريقيا العالمية. الامر الذي لم يفت علي بديهة طلاب جامعة الخرطوم الذين خرجوا في مظاهرة تلقائية في اول يوم للانقلاب مرددين هتافا اثبتت صدقيته الايام (كضاب كضاب الجبهة تحت الكاب)!
ليس الاشكال في العسكريين انما في النوع الذي ارتضي لنفسه التعامل مع مجموعات ايديولوجية ضاربا بعرض الحائط المصلحة القومية والوطنية. مع ضرورة بل اهمية الانتباه للفرق النوعي بين البشير ومن سبقه الي الحكم من العسكريين والفرق الدرجي بين النميري وعبود رحمهما الله جميعا واكرم مثواهما في الجنة.
الحق أن الجنائية قد وضعت الشعب في خانة لا يحسد عليها، فرئيس الجمهورية هو الحاكم بأمر الله (بعد أن كان متحكما فيه) ولن يأل جهدا في التمديد واصطناع الحيثيات لشرعنة الانتخابات وتزويرها علي رأس الاشهاد، ولو ان يستعين بكارتر وسارتر. لا تعجب ان قال لك بعض موظفي المنظمات الدولية انهم يتنافسون علي المجيء الي السودان اذ ان مقدم احدهم او احداهنَّ قمين بإغنائه او اغنائها في فترة وجيزة مختصرة المدة عليهم: المسألة لا تعدو كونها مجرد تصريح هايف واذا اقتضي الامر فبلع الذمة يضع صاحبه في مصاف الوجهاء من جراء الآتاوات التي تدفع يمينا وشمالا. لماذا يتورع الاجانب اذاً ذا كان اهل البلد متطوعين بإسداء الجميل للغريب، وللحبيب وللنسيب؟ الم يصرح المسؤولون مرارا ان الانقاذ ما عندها كبير فسواء عندها الجمل والحمل؟
صدق امام المتقين علي (رضي) يوم ان قال: وهل اغتني غني الا بفقر فقير! وهذه لعمري قمة الفلسفة الاخلاقية، من لها غير ابا الحسنين؟يخطئ الإنقاذيون إن ظنوا أنهم قد ورطوا البشير ، لأنهم هم المتورطين إذ لم يعد لديهم ما يراهنون عليه غير التسامي فوق الارضي وقد إستنفدوا حيل التسيس لما هو سماوي.
ثالث هذه المستدركات هو تأهب الشعب لتحمل التبعات التي يقتضيها التغيير فلم يك يوما "تقيئ التاريخ لامعائه" يسيرا، وتهيئ قادته الميدانيين لاتخاذ تدابير غير تقليدية وقادته السياسيين والمدنيين الحداثيين غير الاثمين لاتباع سبل ناجعة لنفض الغبار بل الادران، الرجس، والدنس الذى علق على جلباب الحركة السياسية واستنفارها حتى تستنهض الشعب وتسير به قدما نحو باحة الحرية، التنمية و الاخاء.
متى في مجمع البحرين أقرن سالفي بغدي
ويصبح جوهر الأزمان حيث الآن ملء يدي
وأحيا بي بلا كيفٍ أضل به ولا عدد
متى يا وقدة الميلاد من قبلي أرى مددي
(أ.د. النور حمد)
قبل الانتقال الي منصة التأسيس وتشكيل هيئة (محتزية بتجربة مؤتمر الخريجين ومتفادية اخطاؤه قدر المستطاع) عمادها النخب السودانية النبيلة التي لم تسع يوما لاستثمار محنة اهاليها (بل آثرت الاغتراب عن الوطن او الصبر علي مذاق الغربة بداخله)، ينبغي التيقن بأن هذا النظام فاقد لأي مشروعية أخلاقية وفكرية تؤهله لإدارة البلاد والخروج بها من الأزمة. عليه يجب التفكير جديا في خصائص المشروع البديل وعدم إهدار الجهد والعمر (ما بقي منه) في محاولة إصلاحه، وهي كالاتي:
أولاً ، إن استنهاض همة الوسط السوداني (الذي من دونه لا يمكن للديمقراطية أن تستمر ناهيك عن أن تزدهر)، وذلك من خلال فك الاشتباك بين القوى التقدمية والقوى التقليدانية، لن يتم إلا باستحداث نظم مؤسسية ودستورية، تضمن قيام وحدة سودانية، مبينة على أسس أخلاقية وفكرية، تهيئ لهذا الشعب استلهام عبر التاريخ واستشراف آفاق المستقبل، من خلال التعامل الموضوعي مع واقع التفاوت الاقتصادي وحقائق الاحتقان السياسي والاجتماعي.
متى ما تعافي هذا الشعب من أمراض العنصرية وأوهام الاستعلاء العرقي فإنه لا شك سيكون نبراساً لأفريقيا التي لم تزل ذاخرة بالعطاء مذ فجرت الحضارة النوبية أسباب النهضة العلمية الأولى ومهدت سبل التواصل الإنساني بين الشعوب السودانوية. كي يتحقق هذا الأمر يجب أن تتغير  الأطر الإعلامية والتعليمية فاسحة المجال للحرية.
ثانياً، إن إفساح المجال للفرد لمناقشة الحدود الأخلاقية التي يراد له الامتثال بها ينشئ علاقة تعاقدية تحقق على المدى البعيد توازناً اجتماعياً. إن الحرية تجعل من الفرد شخصاً لأنها تحرر وجدانه وتحرر نطاق توجهاته الفكرية. ليس هذا فقط بل إنها أيضا تجعل من الشخص كائناً إذ تغريه للانعتاق من الخرافة وتستدفعه نحو الابتكار الذي من دونه يستحيل السيل إلى جلمود والأفق إلى شاهد مسدود.
إن التساؤل حول مفهوم الحرية هو تساؤل حيوي حول علاقة الفرد بالذات، الذات بالمجتمع، المجتمع بالدولة، الدولة بالمجتمع الدولي الكبير. إذن هو تساؤل حول ماهية الوجود وفرض الموجود ولذا يلزم التعامل مع هذا الأمر على أساس أنه قوت الحياة المتداخلة التي تنشد التوازن وليس ترف ينشده المثقفون. نتيجة لسياسات القمع فإن الحرية تتضاءل في واقع الحياة وتتضخم في الذهن مما يحدث أرقاً هو أشبه بالانفصام منه بالعنت. ومن هنا نفهم جدلية العلاقة بين ضعف مؤثرات التحرر في المجتمعات العربية وقوة المطالبة بها (دليل التنمية العربية 2005م).
ثالثاً، إن العوامل البنيوية والمؤسسية قد حيدت إمكانية المثقف للتأثير كما ثبطت همته وأقعدته عن خوض معركة الوعي. إن العوامل البنيوية تتبدي في الانقسام أفقياً بين فهم إيديولوجي للنص وآخر تأريخي اجتماعي (حتى نخرج من ازدواجية علماني إسلامي)، ورأسياً بين ثقافة النخبة والثقافة الشعبية. أما العوامل المؤسسية فهي الإصرار على منهجية أحادية تصر على الاستحواذ بالكلية على الفضاء الأثيري والإمعان في نفي الأخر من خلال الإنكار (الواعي وغير الواعي) لحقوقه الدستورية.
رابعاً، يجب استصدار قرار بفصل السلطة الزمنية من السلطة الروحية، مع إحالة كافة رموز الطائفية والامبريالية الإسلامية إلى المحاكمات الثورية ووضع بقية النخب المتواطئة على ذمة التحقيق. هذا الترتيب يهيئ للدين أن يكون عقلانياً وللسياسة أن تكون أخلاقية، إذ أن ما يحدث الآن هو وأد لمقدرات الوسط وهدر لهمة العملاق الذي ظل قعيداً حيناً من الدهر. حينها يمكن تقديم الدعم اللوجستي والمادي واللازم للمؤسسة السياسية الحزبية حتى تتأهل لتحمل المسؤولية المنوطة بها فدراليا وتهيئ للحكم مركزيا من خلال فترة انتقالية مطولة (لا تتجاوز الـــ 7 سنوات).
خامساً، إن النظام الرئاسي (على الطريقة الأمريكية) يضمن وحدة البلاد من حيث أنه يلبي للريف أشواقه الروحية دون أن يتعرض لمحاولة ابتزاز سياسي كتلك التي شهدناها في الديمقراطية الثالثة. كما إن استحداث مجلس شيوخ يضمن لزعامات الدينية والعشائرية وأصحاب الامتياز من العلماء والعسكريين وكبار الموظفين حقها السيادي شريطة أن تمتنع عن منافسة القوى الحديثة في مجلس العموم (أو البرلمان السوداني).
إن إفساح المجال للشباب الذي هو وقود المستقبل لن يكون إلاِّ باستصدار قرار يمنع كل أولئك الذين تقلدوا مناصب تشريعية، دستورية أو سياسية حزبية منذ الاستقلال من المساهمة في العمل العام. هكذا، وبضربة معلم نكون قد تخلصنا من ظاهرة العهر السياسي التي أعيت من كنا قبلنا.
سادساً، للخروج من مأزق الحرب المتفاقم لا بد من التركيز على مبدأ التنمية الريفية المتكاملة. إذ أن التنمية تقلل من الغبن الذي هو وقود الحرب المعنوي، ومن ثم تساعد الدولة على تخفيض منصرفاتها الأمنية. بالعدم ستظل الدولة تصرف مواردها على حرب ضروس كما تسعى لتحقيق هدف ميؤوس. إن ما يرد إلى الولايات على قلته لا يصرف على التنمية إنما يوجه (80%) منه إلى الأمن ويوجه ما تبقى على المرتبات ومستلزمات الوزراء. المفوضين والمعتمدين.
إن التقسيمات الإدارية غير المبررة اقتصادياً لم يقصد منها تذويب العصبية إنما تأجيجها، بهذا تكون هذه الترتيبات قد أضعفت الوضع التفاوضي لهذه الجهات في الإطار الكلي مما جعلها في منأى عن مركز القرار. إن اللامركزية لا تعني التسيب الإداري، وإذا تشابهت عليها المفاهيم فيمكن أن نسترجع مفهوم الـــــ 7 أقاليم (22 مديرية) من منظور فدرالي يحقق توزانا سياسيا وتوافقا إداريا. سيما أن التجارب قد أثبتت عملياً أن هذا البلد أفخم من أن يحتويه قالب أيديولوجي أو أن تستخفه أوهام نخبة تتعامل إصطفائياً مع الخصائص الثقافية للشعوب في محاولة لدرء الخصائص المتنافرة والإبقاء على تلكم المتجانسة.
سابعاً، بالرغم من مشروعيتها السياسية فإن معظم الاتفاقيات باتت تفتقر الى سند جماهيري لأن قادتها فهموا أن "السكات رضا" فعمدوا على القفز فوق معاناة الأغلبية الصامتة لتحقيق طموحاتهم الشخصية وأهدافهم الآنية. عليها فيجب اتخاذ تدابير صارمة تمنع أي جهة من فرض رؤاها عسكرياً على المواطنين، سيما أن ضعف الجبهة الداخلية وتضعضع الدولة المركزية قد هيأ لاضمحلال الحدود شيئاً فشيئاً حتى ظن الاكلة أن القصعة لا راعي لها. هذا الخطر لن يدرأه فقد الحسم العسكري إنما الدبلوماسية النابهة التي تجعل المجتمع الدولي يوقن بأن سوداناً مبنياً على أسس عدلية وتوافقية يمكن أن يكون أساساً للاستقرار في المنطقة بأكملها.
ثامناً، في غيبا الكادر المؤهل الذي يمكن الاعتماد عليه في إدارة الخدمة المدنية، يلزم انتداب لجان مختصة في مجالات الاستراتيجية، الإعلام، الاقتصادي، إلى أخره من كافة أنحاء المعمورة. هنالك كوادر محلية لم تزل لديها قدرة على العطاء يلزم، والتقنية مع المكتسبات الميدانية. يوكل إلى المختصين مهمة الإعداد لمؤتمر جامع تسبقه حوارات جزئية (بين تدعيمها بسودانيين اكتسبوا خبرات متميزة في الولايات المتحدة، أوربا، الخليج، إلى أخره حتى يتوافق المنظور العالمي مع الخبرة المحلية) وتدعمه دولة راغبة (وليست فقط مانحة) في استثمار علاقتها مع السودان استثمار حيوي يعود على الطرفين بالإيجاب.
تاسعاً، تعميق مفهوم الديمقراطية مع إعطاء الأولوية للحكمانية (أو ما يسمى تجوزاً الحكم الراشد) التي توازن بين الاستقرار المعنوي (توجيه العاطفة)، وذاك المادي (إمكانية المؤسسة على تحمل الأوزان غير المرشدة وتصويب تلك النافذة بمقدار). من الناحية التطبيقية يلزم التوفيق بين الإرادة السياسية والسياسة الإدارية، وذلك لا يكون إلا بتكوين حكومة تمزج بين الكفاءة والرشد السياسي.
ختاماً، إن الأرق الذي ينتابني هذه الأيام، هو من مثل الأرق الذي يسحه المثقف عندما يلقى بإحدى أذنيه على الأرض فيسمع قارعة الطبول تستحثه أن يجيب عن سؤال : ما الذي يجب فعله حال وجود فراغ سياسي (Power Vacuum) وقد اعتاد أن يسأل نفسه : كيف يمكن فهم الواقع ؟ وبأي أدوات يمكن أن نلج إلى العمق دون أن نألو جهداً للإمساك بأطنان الموضوع؟ إنها محنة يعيشها مثقفو دول العالم الثالث ولا بد من خوضها، لكن على نحو متوازن يجعل الثقافة موجهة للسياسة وليس العكس. أرجو أن يعذرني القارئ لأنني موقن بأنه متى ما أيقن الشعب (كل الشعب : الكلية هنا قرينة الإنسانوية وليس الدغمائية التي كررها الخطاب) بجدوى المشروع البديل فسيلهمنا هذا الهمام عبقرية للتخلص من هؤلاء الآبقين الراكنين (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) (هود: 113).
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////