ذكرت لأحد الفضلاء بمناسبة الامطار أنني زرت مدينة بيروجا الإيطالية للإلتقاء بأحد أصدقائي الأعزاء في الثامنينات، المهندس/ نزار عبد السلام صالح. وفي ذات مساء هطلت الامطار غزيرة وإستمرت في التنادي حتي ملها العُشاق، لأنها إذ تتداعي تغريهم في تمادي لا يحسنون التجاوب معه.  كنت أحدي الحمقي الذين غرهم اللحاق بما بقي من رزاز، لكنني ما أن خرجت حتي ظننت أن الغزارة هي حالة إحتياج إعتراني لكثرة ما رأيت من خضرة جبلية،  نزوة  أوربية ودروب ضنت إلاَّ بالقليل من حبيبات الماء.

أمَّا في الخرطوم فالغيوم لا تُبشر مستنظريها  قدر ما تُحيطهم بالهموم التي تداهمهم متما ما توافقت منافذ السماء. وما ذلك إلاَّ لأن العاصمة لمن عاينها من عل قد إتسعت دونما أدني تخطيط (يوفر لها الخدمات الاولوية من صرف صحي وكهرباء ومياه)، ناهيك عن التحديث الذي يستلزم وجود الخدمات الأساسية مثل الأسواق، الشفخانات، الفسحات الترفيهية، المسارح، الأندية الرياضية ولا داعي للحديث عن المكتبات لأنها لم تعد أولوية إنما ترف يستدفعه فراغ ويلاحقه سآم.  إن تصحر هذه الواحات قد أحدث جدباً في الوجدان السوداني ممَّا جعله يتصدع مُنذراً بهلاك في ساحة الفناء (وليست الفداء) الحسي، المادي والمعنوي. لا يُمكن ان يتعلل مسئول بشح الإمكانيات لأن الخرطوم ظلت تستهلك علي طول الأزمنة نسبة ٨٢ %  من جملة ما يُصرف علي التنمية (مقارنة ب  ١٨%  التي صُرفت علي كافة أنحاء السودان). أمَّا إذا كنا نستبطن العنصرية ونستنكف الصرف علي الأحياء الطرفية بحجة أن قاطنيها قد قدموا مؤخراً من الريف فأنا أهل المدن نأكل من عائدات المزراعين ورعاة الماشية الذين إضطرتهم ظروف الحرب وغلبة العيش للرحول إلي مدينة سبق لأسلافهم أن قتلوا مرفعينها، كبروا شجرها،  وداسوا  بكبريائهم علي أفعاها التي ما فتئت تنقح بالسموم!  صابرني هذا الرجل الذي إلتقيته في المصعد حتي غلبني وقال لي لماذا تذهب بعيداً، إلي إيطاليا مثلاً؟؟  إن الاردن القريبة هذه بالكاد تزدحم فيها العربات،  ويتآذي فيها الافراد من جراء السيول دعك عن الامطار.  لقد افزعني هذا النبيه إذ أحالني إلي دولة إنشأت بعد ٣٣ سنة من تخرج اول مهندس سوداني، الأميرالي عبدالله خليل بك والذي تخرج عام ١٩١٣م. فما الذي حدث؟ كيف حدث الإنحدار مع ما كنا نملك من إقتدار مهني، سياسي وأخلاقي؟ لا شك أن سياسة التطهير قد أبعدت الكفاءات، كما أن سياسة التمكين قد أعدمت المعايير التي تنبني عليها الأسس السليمة للتخطيط والتنفيذ. فالعصابة لا يسعها التفكير إلاَّ بطريقة ريعية  تجعل من الصعب إذا لم نقل من المستحيل الإقتداء برأي الخبراء، إنما مجرد الإستئناس. إن المواطنيين في الدولة المتحضرة يتم إستشارتهم في الصغيرة والكبيرة حتي يبلغوا حد التهاوش مع المسئولين في الصالات المدنية (Community Halls  فلماذا نستحقر أمرهم في هذا البلد؟  كنتُ  إلي زمن غير بعيد أنعت زملائي في المهجر بنعوت أخفها النرجسية و أشئمها  "التولي يوم الزحف". لكنني ما أن إصطدمت بالواقع حتي أيقنت بأن من صَعُب عليه الإسهام في  رفعة  هذا  البلد  فليعمد  إلي خدمة الإنسانية.  وهذا ما يفعله زملائي و زميلاتي الأجلاء الذين هجروا الوطن، أولاً إستنشاقاً للحرية، وثانياً بحثاً عن سبل العيش الكريم.  لقد كان أخر من إلتقيتهم الدكتور إبراهيم محمود السنهوري الذي نال درجة الدكتوراة من جامعة MIT، الجامعة الاعظم في الولايات المتحدة وبالتالي في العالم  في مجال الهندسة.  أخطرني هذا العبقري الذي كنت مُعجباً به منذ الصبا بأنه يُشرف علي شبكة الطرق في قطر، فرحت حينها، تحسرت وتندرت لكنني سرعان ما  تذكرت وطناً إسمه السودان رغم إتساعه قد ضاق ذرعاً بالنبهاء فصار نهباً  للبلهاء الذين لا يشترط فيهم التأهيل إنما الفهلوة  التي تُغري القائمين علي الامر  علي التعامل معهم. و إلاَّ  كيف نفهم الطفح الذي إعتري الأحياء  "المؤثرة"  في العاصمة الحضارية، ألم يتبع ذلك الرذايا التي طفحت في النفوس؟  لماذا لا يستقيل مسئول واحد في  هذا البلد، ولو من باب المكابرة؟  فقبل أسابيع إستقال وزير الإقتصاد البريطاني لأن بعض الصحف إتهمته بإستغلال الكساد الإقتصادي بشرائه منزلاً في إحدي الضواحي البريطانية! فماذا عن الذين تسببوا في الإضرار المباشر بالمواطنيين، وشروا بيوتاً من المال العام؟  إن المقارنة منعدمة لأننا نعيش في مدار اللا إنتماء، اللا أخلاق، اللا قيم ولذا فأنا أعجب نحو أي قبلة نُصلي وعن أي رزيلة قد أمسكنا؟ إن البلاد المجاورة لنا (أفريقية كانت أم عربية) رغم الهزال المؤسسي الذي اصابها تُخضع العمران المدني لمواصفات هندسية دقيقة تجعل من الصعب التلاعب، و إذا حدث فلا يكون الإفلات. إذ أن القضاء هو الجهة المنوط بها تنظيم العلاقة بين الأعضاء الفاعلين في دائرة إتخاذ القرار، كما أن الدستور هو المنظم للعلاقات الرأسية والأفقية بين المواطنين، سيما تحديد الحقوق والواجبات علي أسس وضعية وليست غيبية / ما ورائية.  إذا أردنا أن ننضم إلي نادي الأمم (المُتحضرة) فيلزمنا التوافق علي دستور، مراعاة قانونيته (إستنان القوانين التي لا تتعارض مع ما نصه  من مبادئ)، تشجيع (الروح) التنافسية (System of Meritocracy) القائمة علي الرغبة في العطاء والجودة في الإداء الأمران اللذان لا ياتيان إلاَّ إذا كان هنالك تمايز وظيفي ((Functional Differentiation يُهيئ المُستشار لمراقبة المقاول حتي يحفظ للمالك (في هذه الحالة الدولة) حقها.  وإلاَّ فلا داع لأن نؤرق صفاء المتميزين من السودانيين الذين هيأت لهم الظروف تبوء مواقع متميزة في القطاع الخاص، ولنقنع نحن البؤساء بالداروينية الإجتماعية التي تزمع أن هنالك من خلقوا للتعاسة والشقاء ومن هم أهل للنعيم والرخاء. ولنبطل سنة،  بل فرضية، التدافع حتي حين.