تتركز جهود بعض الحكومات حول مسائل إجرائية متعلقة بالتعرف علي انجع السبل المتبعة محلياً وإقليمياً لتذليل الصعاب التي قد تعتري الشباب حال عزمه علي الزواج، كما تسعي للتعرض للعوامل التي تجعل الشباب يعزف عن الزواج في سن مبكرة، وتقوض من فرص الاستقرار الأسري حال إقدام الكثيرين علي هذه الخطوة. تشمل الجوانب الإجرائية بعض الاصلاحات التي تتعلق بتوفير الصالات، تقديم تسهيلات للسكن وتوفر معينات مادية في شكل حوافز للزواج، وتكوين جمعيات للتعاون الأسري والمجتمعي. للتحسين من فرص الاستقرار يتعرض بعض المعنيين لضرورة توفر ورش للإرشاد تنوه علي أهمية استصدار "رخصة زواج" أسوة بالتجربة الماليزية التي تعتمد التنوير الأولي وسيلة لإلمام الزوجين ببعض المفاهيم الأساسية في الزواج. بيد أن استقرار الاسرة الماليزية، مثلا، وإقدام الشباب علي الزواج في سن مبكرة لا يعزي الي لزوم "استصدار وثيقة" قدر ما يعزي الي التعامل المنهجي والموضوعي مع التحديات (هذا اذا لم نقل المخاوف) التي تثيرها الحداثة.
المسألة إذن تتجاوز التناول السطحي والمبسط للأمور لتصبح قضية حضارية ذات نتائج سلبية خطيرة، يجب إيلائها الي جهة بعينها ترصد المنتوج العلمي(لا ان يوكل الامر الي الصدف او اللقاءات العارضة)، تتبع إلمام المجتمع به عبر القنوات المتعددة، وترفد جهات التشريع بوجهة نظر متماسكة (ليست بالضرورة متجانسة). علما بأن التطور لا يأخذ منحاً مطرداً، إنما اخر ملتوياً يتطلب خبراء في الحوكمة يدركون واقعية التأرجح لكنه يرفضون مثول التجربة في المربع السلب.
إن الحداثة تسلك سبلاً ملتوية نحو الضمير الاسلامي "ليس من ابسطها إسقاط القيم الحديثة علي التراث وتوظيفه توظيفاً مباشراً او غير مباشر لتمرير الحلول التي يقتضيها العصر." ولذا فوظيفة الارشاد الذي تقوم به الجمعيات الطوعية ومراكز الارشاد الأسري يجب ان لا تقتصر علي الوعظ إنما تتعداه لتعين الانسان المسلم علي "فهم دينه وعقيدته فهماً يتلاءم وثقافته العلمية والتاريخية والنفسانية الاجتماعية" (عبدالمجيد الشرفي، ص:237،61). إن إنجاز مثل هذه المهمة التكاملية والتي تعتمد اكثر ما تعتمد علي الفاعلية العلمية، الحيوية المجتمعية والتوافق القانوني يقتضي الاتي:
1.    استحداث كلية معنية خاصة بشأن الأسرة ضمن إحدى الجامعات الموجودة حالياً كي تؤطر للإحاطة بالموضوع من كآفة جوانبه (اللغوية اللسنية، البيولوجية الفسيولوجية، البحثية الاحصائية، الي اخره) وإفساح المجال للفكر كي يمارس مهمة النقد حراً وقد مارسها قهراً لقرون عديدة ظل فيها محكوما "ببنية إطلاقيه إقصائية مناوئة للنقد روحا ومنهجا" (عبدالمجيد الشرفي، الاسلام والحداثة، ص:278). إن التعامل المنهجي مع مسألة الاستقرار الاسري تتطلب الاتي:
•    تسليط الضوء علي السمة الخاصة التي تميز النظرية الاسلامية المتعلقة بديناميات الذكر والانثي والتي لم تشأ ان تخلق مجتمعين قدر محاولتها لخلق مجتمع واحد تسوده الفضيلة. وإذ ان الاختلاف كان مبعثه دوما قيم المجتمع وليس العوامل الفسيولوجية (عيسي برهومة، اللغة والجنس، ص:150)، فإن الفصل الاصطناعي بين الجنسين قد خلق هوة وترك اثراً قوياً وخفياً لفائدة نمو الميول نحو الاستحضار الغريزي للمرآة واستيهام الجسد ككائن إيروتيكي مفعم بالإيحاءات الجنسية. تقول صوفية السحيرة في مقالتها الجسد والمجتمع " بقدر ما نقدس الجسد ونحوله الي كتلة محرمات ونلصق به ونضفي عليه من دلالات غيبية بقدر ما تحتشد المرآة انفعالياً ويشحنها كل ذلك بعواطف ومشاعر وتصورات بدائية التفجر عصية علي السيطرة والضبط "(المرأة والجنسانية في المجتمعات الاسلامية:158)، مما يعني ان الأجساد تتعدد بقدر ما تهيأ للعين وللعقل من تصورات.
•    فضح العوامل البنيوية والمؤسسية التي تعاملت مع الجسد كخطيئة مختزلة البعد الروحي للذات ومحولة الذاتية الانثوية وإثارتها المجازية الي مركز للقلق العام، سيما ان المبالغة في الخصوصية ظلت هي وسيلة البطريركية لإحداث انفصام كلي بين الحب والجنسانية مما اجج الصراعات والتوترات المحيطة بحياتنا الجنسية والعاطفية. فليس من المعقول ان ينمو حب في مناخ رغائبي جنسي، او ان تنشأ مودة (وجعل بينكم مودة ورحمة) لأن المودة كمال يقول إبراهيم محمود في كتابه الجنس والقرآن هي من الود الذي هو "الحب العميق الذي يضع الجسدي في حدود النفسي، ويضع النفسي في حدود الابداع الروحي."
•    تفكيك موضوع الجنسانية كجزء من مقومات وملامح التجربة الانسانية، السيكولوجية، الجسدية والروحية وإعادة تركيبه في إطار رؤية شاملة للكون والانسان. هذا مما يستلزم دراسة قضايا المرأة كمكون اساسي له علاقة بديناميات السيرورات الاجتماعية، الاقتصادية، والسياسية ورافد حضاري وثقافي مدينة له الانسانية بالفضل بما تحقق لها دوما من مدركات وتصورات وإبداعات (صدق عيسي برهومة إذ زعم أن الأنثي سميت انثي من البلد الأنيث اي المئنات او الارض المليئة بالمئونة).

2.    ترقية الوسائط الاعلامية والتعليمية كي تسهم في إعادة توصيف الشراكة بين الرجل والمرأة، وتعمل علي تجسير الهوة الماثلة بين "صمت النساء وصراخ اللغة" من خلال التخليص الواعي للغة من فحولتها التاريخية وإدماج المرآة داخل أنظمة السياق الثقافي الانساني وعدم الاكتفاء بتدجينها وضمها دون وعي داخل انظمة السياق الذكوري. لا يفضح محاولة التدجين هذه الامثلة الشعبية لما فيها من تكثيف لغوي واختزال معنوي يجعل أعظم الرجال ثقافة يتلهفون لسماعها: "المرة كان فاس ما بتقطع الراس" و "كل بلية سببها ولية." إذن، إنأنسنه الذاكرة يتطلب بالضرورة الاقرار بأن اللغة لم تعد نظاماً حياتياً محايداً وأنها مذ عُرفت كانت "هي السلاح المعرفي الذي يتحصن به الانسان." إذن فالأسئلة المحورية تندرج كالآتي:
•    كيف يمكن فك الارتباط بين الفحولة واللغة؟
•    كيف يمكن للأنوثة ان تصبح معادلاً إيجابياً يوازي الفحولة ويتجاوزها؟
•    كيف يمكن للمرآة ان تنشئ وتبدع وتكوِن لنفسها تدريجياً رصيداًحضارياً ووعياً لغوياً يجعلها تؤنث اللغة وتخترع مجازتها الانثوية؟
تعلمنا دراسات النصوص والألسنة  بأن إنكتابية الرجل تتحقق من خلال تحويل القارئة الي فاعلة واعية تعي المقروء وتقاوم نوازعه الاستلابية، ومن ثم إنهاء سلطانه الذي مارسه طويلا علي اللغة مما ساهم في حرمان البشرية من نظام للقيم كاد ان يعتمد علي علاقات الرحم والارتباط بالأرض والتصالح مع الطبيعة والقبول بالفطرة (عبدالله محمد الغذامي، المرأة واللغة، ص:29).وإذ دكت أحلام مستغانمي قلاع الخصم اللغوي وهشمت اركانه مستحضرة تجربة شهرزاد، فإن صاحبة السمو الشيخة موزة بنت المسند قد ادخلت الرجل الشرقي (المتوحش) في حضانة مجازية مستلهمة العبرة التاريخية لشجرة الدر بتأسيسها الرائد لهذه المؤسسات التعليمية وحثها النساء لامتلاك زمام المبادرة الذي من شأنه أن يعيدهن الي مركزية الفعل الثقافي بعد ان كنَ في هامشه وأن يمنحهن الحصانة اللازمة للزود عن سلامة الجسد والحفاظ علي براعة الروح. إن الحرية خطرة لا غرو، لكن ما عداها أخطر. فهل يعني الجهل والتزمت غير الضياع والتشرد؟
3.    المطالبة بتشريعات تقدمية مستمدة من القيم القرآنية ومحققة للمزيد من الحرية والعدل في المستوي الاجتماعي ومحفزة علي المسؤولية والكرامة علي المستوي الفردي امر ضروري وحيوي (نفس المصدر ص:146)، لأن المقولات الفقهية التي تستمسك بحرفية النص قد تفقد الدين بعده الروحي المميز وتشل قدرته الرائعة علي التفسير. الاخطر، إنها إذ تتحجر قد تسهم في خروج الدين من مجالاته الحيوية في الحياة. من الناحية الأخرى فإن القبول دون تمحيص لمقررات لحقوق الانسان (والتي نبه جارودي الي انها لم تكن في الواقع سوي تأصيل لحقوق الرجل، والرجل الابيض خاصة)، كما ان الرفض الذي حول الاوامر والنواهي الاخلاقية التي تحابي الرجال الي قوانين شرعية ملزمة قد يفقد الامة رسوخها الحضاري ويسلبها سمة التحررية كسمة إسلامية اصيلة تتوق الي الأزلي المطلق متحررة من النسبي المتغير. تتمحور محاولة إعادة التشريعات حول الآتي:
•    عقلنة قضايا المرآة من منظور تنموي إنساني عالمي ومعرفي من خلال النقد الذي لا يخضع لوضعية ميثولوجية وحضارية ولاهوتية كونية معينة، فالتصور الاسلامي للحياة الجنسية، مثلا، ولوظيفة الغرائز يختلف عن التصور المسيحي الذي يعاني الفرد من جرائه تمزقاً بين مكونات كان الاحري ان يعضد بعضها البعض: الخير والشر، الجسد والروح، الغريزة والعقل، الي اخره (صوفية السحيرة، المصدر اعلاه، ص: 201).  
•    رد الافكار والنصوص الي سياقها التاريخي والاجتماعي والإفادة الموضوعية من إنجازات العصر الحديث ومكتسباته التي تضمنت مفاهيم مثل الحرية، المساواة، الكرامة دون الحاجة للتوسل بتشريعات فقهية "مستنيرة" (المرأة والجنسانية في المجتمعات الاسلامية:260)، او التشفع لدي فقهاء لم يجدوا أفضل من "القوامة" وسيلة لفرض سيطرتهم، ليس فقط علي كيان المرآة إنما ايضا علي كينونتها.
•    إعادة قراءة قضايا المرأة من منظور نسوي حقوقي ومدني وليس من منظور اخلاقي يجعل المرآة قرينة العار وقد كانت هي دوماً عصب الاخلاق في المجتمع كما تقول الباحثة الدكتورة ناهد محمد الحسن (وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلماً وعلواً، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين)، صدق الله العظيم.



ختاما، وإذ يشيد كاتب هذه المقالة بالدور النهضوي الرائد الذي تقوم به جامعة الاحفاد للبنات، فإنه يقترح إنشاء مجلس اعلي للأسرة يعني بالتنسيق بين كافة الهيئات والمؤسسات المعنية بقضايا الاسرة. سيما ان ترجمة  الإرادة السياسية تقتضي استحداث سياسة إدارية تربط ربطاً افقياً بين النواحي العلمية في هذا الموضوع، القضايا القيمية المجتمعية والمسائل التشريعية القانونية. من هنا تأتي أهمية الحوكمة كمفهوم داعم للمؤسسية ومرتكزاً من مرتكزات المنهجية العلمية التي تضاهي كآفة المرجعيات العالمية، وإجراء معضِد للوجهة الحضارية ومستبصراً المقاصد الكلية للشريعة الاسلامية.
(التحية والتجلة لكافة نساء العالم في يومهن وتمنياتنا لهن بدوام الصحة والعافية)

دكتور الوليد ادم موسي مادبو
خبير الحكمانية واستاذ العلوم السياسة


Email:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.