حزب الامة والمجازات الاسطورية للواقع: ما الذي أحدثه السامري في شأن الاثني عشر نقيبا؟

E-mail:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
لا يفتقر حزب الأمة (القومي) إلى أمر قدر افتقاره إلى رؤية أخلاقية يجتمع حولها الرفاق قبل أن يلتف حولها أهل السودان. لقد لاكت جماعة التيار العام موضوع المؤسسية حتى افقدها المذاق، فهي دوماً تتكلم على المؤسسية دون النظر إلى أنها عملية إجرائية القصد منها تفعيل أسس اخلاقية تنشد ربط الرؤية باستراتيجية عملية غايتها تحقيق الانصاف، وإذا لم الاعتماد على الدستور للانتصاف من الجاني دون اللجوء إلى سبل تعسفية من شأنها أن تفسد ذات البين وتحرم المؤسسة من التراكم المعرفي. في غياب الرؤية الاخلاقية يصبح الحديث عن المؤسسية عمل تجريدي لا يرجى منه التزكية قدر ما يراد منه إفراغ شحنات عاطفية.
الاخطر من انعدام الرؤية وجود رؤية نرجسية وتمكن إرادة سلطوية مركزية. إن قيادة الحزب لم تفتأ تتراجع حتى لم يبق لها إلا بعض القلاع الامدرمانية،و حتى هذه كاد ينقطع عنها التيار الكهربائي إلا من مدد يصلها منتظما من "الجهاز" بعد أن انقطع عنها المدد الالهي. ما الذي خسرته جماعة التيار؟ لقد خسرت حق المرافعة الاخلاقية لأنها لم تضمن حجية سديدة إذ ان محاميها جاء متأخراً عن حضور الجلسة. لقد ظل المحامي يجوب الساحة دون أن يكلف نفسه مساءلة الكاتب عن موعد الجلسة.
التمس عذراً القارئ لأسأل هؤلاء الأكابر الاسئلة الآتية كما لن اكلفهم الجهد للإجابة عنها وسأتولى ذلك تخمينا:
1.    لماذا ترددتم في نقد الكهنوتفي الوقت المناسب(فإنه لا يعوز المرء أكثر من ثلاثة جلسات حتى يتبين له أنه لا يتعامل مع قائد مستقبلي إنما مع حالة باثولوجيه مزمنة)؟
لانهم ببساطة يدركون بأن نقده يتطلب النقد بدءً للتجربة المهدوية نفسها، كما يفضح مشروعيتها الاخلاقية والفكرية.
2.    لماذا لم يجرؤ أحدهم للترشح ضده في أي من المواقع طيلة الخمسة عقود، إن لم يكن بدافع المنافسة فبدافع الحت من شجرة الوقار المصطنع؟
لأنهم ارادوا أن يحافظوا على الوحدة، وحدة الصف وأن كانت على اسس غير سليمة.


3.    لماذا لم يترددوا في رفده وهو المتنكب على ارثه منذ اليوم الأول لانضمامه للحزب؟
لانهم أرادوا إتباع المؤسسية.عفارم عليكم! فقد نجح هو إذ ترككم في خانة دفاعية (عن قضايا إجرائية)، يساعده في ذلك الإعلام الرسمي الذي تعجبه حالة المدافعة غير الرشيدة، والانصرافية في آن واحد. لا أخفى عدم تعاطفي مع مجموعة الاثني عشر التي فصلت مؤخرا وإن كانت تربطني مع بعضهم صداقة ومحبة ليت الدهر لا يعتريها بعكر، وأجلهم جميعا إن لم يكن لشيء فلنقائهم، تجردهم، صدقهم، إخلاصهم، ومرؤتهم. لا اعرف رجلاً رزقه الله صحباً خُلَّص فأساء اليهم إساءة الكهنوت الي اصحابه. ينبغي لهم ان لا يندبون حظهم فإن الكريم لا يضام، كما لا ينبغي له ان يبطر فإن مقابلة الحسنة بالسيئة امر لا يرجي منه فوز.
في هذه اللحظة التاريخية الحرجة، لم تسع الجماعة لتقنين موقفها بالتبرئة من حمولات الارث الرجعي. هم الآن مطالبون بما هو أكثر: الاعتذار إلى الجماهير التي وضعت ثقتها فيهم طلية الـ خمسين عاماً الماضية، فأضلوها أو قادوها إلى وجهة لم تكن بينة لكثرة ما في الساحة من ضباب أو زيبق حرم الرائي من الابصار. قمين بهذه الفئة اذن الاعتراف الان -وليست غدا-بأنها اخطأت التقدير إذ ظنت أن اصلاح الشأن الحزبي هو من نوع الاصلاح للشأن القومي. كان هذا الأمر صحيحاً من قبل، أما اليوم فقد تجاوزت الاجيال الابنية والاضرحة إلى بنيات وأشرعة. و إذا فارقت جماعة التيار العام المحطة الاولى واعتزمت المسير نحو الخطوة الثانية، فيمكنها الاستفادة من البنية التحتية للحزب (بشقيها الحسي والوجداني) لاستشراف مستقبل تكون فيه الداعمة للأجيال وليست القائدة لها لأنه ايضا قد هرمت.أنشئوا حزبا يكون مرفأ لكافة قوي الوسط السوداني (متجاوزا ثنائية ختمية وانصار) كما فعل مهاتير الذي أنشأ حزبا من (إسكراتش) كان له فيه شرف العضوية رقم واحد، ولا تتعللوا بنقص المال، بل ضعوا الاسس الفكرية واتركوا الباقي للقادمين من الاجيال.
عمد مهاتير الي الخروج بشعبه من حلبة المزايدات وسوق الافك الي ساحة الفضيلة الجازمة، فاستطاع مثلا ان يخفض نسبة الوفيات وسط العائدات من 600 الي 25 من كل   100,000إمرأة كن يمتن في الولادة في اقل من ربع قرن من الزمان. لا اخال قادتنا يطالون هذا الافق، واذا شذوا عنه هل يستطيعوا ان يجلبوا 5 منح دراسية مثلا لأبناء الطائفة المنسية؟ لا، لانهم ان تعلموا فسوف يشبوا عن الطوق. والسؤال: هل تمرد أبناء الطائفية الاسماعلية عندما وفر لهم زعيمهاالاغا خان فرصا للتحضير في اوكسفورد، كامبردج، وهارفرد؟
قال لي أحد الأصدقاء وهو أستاذ جامعي انه كان في مرحلة التعليم الاوسط عندما كان الصادق رئيساً للوزراء وهو الان في طريقه الي التقاعد ولم يزل الاخير هائما بشيماء! إن التحلل من تركه الماضي لا يكون بنفض الايدي إنما بأعمال القلم لنقد التجربة وتبيان ما فيها من عوار مفاهيمي ومنهجي. وإذا كان السامري لا يعرف أن يتسامى وهو يناهز الثمانين فمن باب أولى الا يجاروه، لأنهم إن فعلوا فقدوا وقارهم؛ الاخطر انه قد ينجح في استدراجهم الي مستنقع يقعد بأرجلهم عن بيداء النضال. تلقي النبي (صلي) من المولي امر ونهي متقابلين. الامر هو قوله: (كن بالمؤمنين رحيما) والنهي هو قوله: (ولا تكن للخائنين خصيما). إنك أن أهنت المؤمنين اهانك الله وإن جاريت الخائنين إجتنبك الناس. نخطئ إن ظننا أننا نواجه فرداً وإن كان هو إحدى البلاءات الكبري التي حلت بهذا الوطن، لكننا نواجه ظاهرة متمثلة دوما في محاولتنا للتهرب من ذواتنا وأنفسنا العليلة. فدوما ما نزعم أننا أطيب شعب في الدنيا ونستنكر ابتلاءاتنا بمثل هؤلاء القادة الذين عولوا علي أسوأ ما فينا فأصبحنا كالسباع ينهش بعضنا بعضا.
يحضرني قول عملاق المجاذيب وشكسبير الأمة السودانية الشاعر محمد المهدي المجذوب عن قيادة الطائفية، وذلك قبل نصف قرن من الزمان في قصيدته المعنونة (ختمية وأنصار):
واعذر مخدوعا يزكيه جاهلاً
فكيف ملامي فيه غير جهول
اشاهد أقلاما على الباب عكفاً
بها عاهة مع خسة وفضول
استطاع المجذوب ببصيرته أن يثقب الحجب فيرى الحيرة التي قد تحدثها بالشعب يوماً قيادة الطائفية فقال :
إلى الله يشكو الشعب امسي محيرا        فما يهتدي في صلحهم لسبيل
لكن الطائفية لم تكن مختلفة يوماً إنما كانت تتقاسم الادوار لإيهام الشعب بالاختلاف، فلما انكشف أمرها، اصطلحت في المحاولة لوأد الأسس العقلانية والليبرالية للتفكير وذلك قبل أن تتحالف مع الامبريالية الإسلامية في السعي الاخير لوقف زحف قوى الريف السوداني. الحقيقة التي يسعى الكل لتفاديها هو أننا كشعب لن تكتب لنا نهضة حتى إذا تخلصنا من الارث المهدوي بالكلية، تماماً كما أناخت تركيا الحديثة عن كاهلها تركة الارث العثماني المتخلف. فإننا ما إن نفعل ذلك حتى يتم لنا الخلاص من الدين بمفهومه الايديولوجي السائد، ويتسنى لنا تنسم الدين بفهمه الاخلاقي والروحي. إن المشكلة تتجاوز الصادق إلى "الصديقية" بمعناها العنصري، الطبقي، الجهوي المصلحي والانتهازي. فإن هذه المفاهيم لا تقتصر على الصادق وإن كان هو العقبة الكؤود إنما تجاوزه إلى "الائمة" من قبله. فدوما كان هنالك "مخدوعاً يزكيه جاهلا". اذا ورث الصادق عن أبيه "الروحي" الخداع فقد ورثة سارة نقد الله عن أبيها "البيولوجي" الجهالة، وهل كان نقد الله في المهدية الأولى إلا رأس مائة وفي الثانية إلا رمحاً للفتنة الطائفية والقبلية وفي الأخيرة إلا إزكاء لنار الفتنة البيتية؟ كيف ترتضي أستاذة جامعية لنفسها دور "الملازم" الذي يخضع لموجهات سيدو؟ صحيح "الفي والدك بقالدك"، فمن غير ابيها ادخل للكهنوت حيل التفوق الاثني التي جعلت الاخير يزدري عمه (كون والدته من طبقة غير ارستقراطية)، ومن غير اخيها ادخل له في ذهنه فكرة الامامية والتي بناها من عجب علي شارة جسدية (ان للأخير علامة في ركبته اعطته افضلية علي ابن خالته أحمد المهدي). الحمد لله ان كبار الانصار وصغارهم ما زالوا أحياء حتي لا يتهمنني بنات الالهة باختلاق الاحاديث وليست هذه من شيمي.
إن الدكتور إبراهيم الأمين هو أخر المخدوعين، فقد جاء هذا الرجل الحنيف المخلص ذو الثقافة الموسوعية، يحدوه الأمل في تحقيق وفاق هو أحد متطلبات التفاعل العضوي، لكنه وجه بعقبة كؤود إن كان ليتفجر منها الحقد، البغضاء، الجحود، العجب وإدمان التملي في الذات.
لن يعجز إبراهيم الأمين عن التفاوض مع السامري لكنه لن يصل معه إلى قرار. فالسامري قبض قبضة من آثر الرسول وأبصر ما لم يبصر به الاخرون، كما لم يجدى نصحنا ولن ينفع قولنا: "الم يروا أنه لا يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً"، حتى يستفيق الاتباع روحياً فينشدون "تقديس الكائن النصي في  الكتاب" وينبذون "الكائن الشخصي في الاسطورة" كما يقول الباحث والاكاديمي السوري منذر عياشي في مقالته (التحدي والإعجاز/عودة النسق الأسطوري التي صدرت مؤخرا في العدد الحادي والسبعون لمجلة نزوي التي تصدر من سلطنة عمان). 
إذا السامري لم يستنكف عن مجادلة كليم الله موسى، فإن الكهنوت لن يستحي عن طرد الشرفاء أو الزج بهم في ساحة النبل التي ضاقت عن آخر المنتمين إليها، وقد شملت هؤلاء الرجال (مع حذف الالقاب والاحتفاظ لأصحابها بالسمو):
1.    الهادي عبدالرحمن المهدي
2.    محمد احمد محجوب
3.    محمد داود الخليفة
4.    محمد إبراهيم خليل
5.    آدم موسي مادبو
6.    صلاح إبراهيم أحمد
7.    حامد محمد حامد
8.    عبدالمحمودالحاج صالح
9.    فيصل عبدالرحمن على طه
10.    خالد محمد إبراهيم
ما إن يتملى القارئ في هذه القائمة من النبلاء (واخريات تطول الازمان بهن) حتي يطل السؤال الاتي برأسه (وإن عمد أصحاب القائمة انفسهم علي زجره بالمطرقة. كما يفعل المتشاكسين توم وجيري في افلام الاطفال): كيف استطاع الكهنوت أن يهزم كل هؤلاء الجهابذة؟ الإجابة بسيطة وغير مجهدة: تورعهم عن المقدس واجترآئه عليه. وهي حيلة قديمة قدم الصراع الإنساني وقد جسدتها مقولة عمرو بن العاص عندما سئل عن سر تغلب الأرستقراطية القرشية على الخلافة الراشدة بل وسرعة انتقال اتباع الأمام إلى الدار الآخرة (وذلك قبل تفرقهم عنه)، فقال (رضي): "إن لله جنوداً من العسل".  إذا كان بن العاص قد اعتمد السم وسيلة للتخلص من الخصوم فقد اعتمد غيره المعسول من الكلام. فتارة تخدع الاتباع بالديمقراطية الليبرالية، السندكالية، الصحوة الاسلامية، وإذا لم يكن بد فلا بأس من إعادة إنتاج الأمامية كخرافة شيعية يمكن أن توظف لتعويض ما فات من نفوذ وضعي وعلماني. كم مرة قال السندكالي أنه لا يجوز الجمع بين السلطتين الدينية والوضعية، وهو الآن لا يكتفي بمجرد الجمع بل الادماج ايضا. قديما قيل: إذا كنت كذوباً فكن ذكورا.
إن السياسة (غير الهواية) احتراف يجب أن تخوضها بمعولها أو تعتزلها غير آبه بالملامة. فمن الناس من يمارسها على الطريقة الاعتزالية مثل أباذر الغفاري الذي أوصاه النبي (صلى) قائلا: يا أباذر، إنك أمرؤ فيك ضعف، فلا تآمرن على ثلاثة ولا تولين مال يتيم؛ ومنهم من يخوضها على النهج التدافعي السوي الذي لم يجعل إمام المتقين وزين العابدين، علي أبن أبي طالب، يتردد يوما في منازلة الباغين. وهذا هو نهجي، فلأنازلنهمما بقى القلم في قبضتي وما استجار القرطاس بمرؤتيولأنبرين لهم فردا غير ذي ستر.قدوتي في ذلك من جعلوا من الشأن العام قضيتهم الشخصية، وعلي الباغي تدور الدوائر.
لو ان هذه النخبة غالبت التكبر واستماحت الحياء عذرا لإعترفت بأنها قد استخدمت كوسائط لتمرير هذه الشعارات وهي لا تدري أنها محض تخليط وأكاذيب، وإذا كانت تدري فالمصيبة أكبر لأنهاسوفت إذ ظلت تدافع عن الكهنوت. لا داعي لأن نتكلف مشقة الرجوع إلى الارشيف فالدكتور آدم مادبو ظل حتى بعد قرار فصله يزعم في محاولة أخيرة لتجريم الكهنوت أخلاقياً وتوريطه إجرائياً بأن القرار لم يكن ليصدر من القيادة العليا. هذا الاسلوب غير مجدي مع شخص يفتقر إلى وازعولا يردعه رادع.
الجدير بالذكر ان محاولة العسف لم تقف عند المخضرمين إنما تعدتهم إلى صغار المنتمين، آخرهم الآنسة سناء الجاك التي فصلت من المكتب السياسي، وهي (برلومة) لم تعط حق التمرين على السياسة بمعناها الإجرائي، ناهيك عن التعاطي الاخلاقي لها. أي رسالة نرسلها إلى هذه الصغيرة التي قدمت من محمية الجعليين ممنية النفس بالإسهام في دفع عجلة الديمقراطية (وقد آيس الجميع من خير فيها)؟ رجاءا، لا يقولن احد ان الرجل قد مس او جن او اصابه خرف، لأن هذه هي سيرته منذ اليوم الاول، لكن الانسان عندما تدلهمه الخطوب ويدرك انه لا محالة هالك يفقد امكانيته علي التمثيل مهما برع فيه.
لقد فشلت كل محاولات الادماج القسري للريف في هذه الاحزاب المسماة (قومية) والتي تسيطر عليها النخب المركزية. حتى لا تنقسم هذه الاحزاب على أسس جهوية وعرقية يلزم تقديم مبادرة تنشد التحالف بين كافة قوى الوسط (بمعناه الايدلوجي الذي اشرت اليه آنفا) السوداني لتجاوز هذه المطب التاريخي، بل إحداث قطيعة شعورية معه، مع مجرد الابقاء على الواصلة الفكرية. ثانياً، لقد تولت النخب تعريف الكهنوت بقواعدها تعريفاً غير مشروط، كما لم تحترز لنفسها من تضخيم شخصيته الكاريزمية فاسقط في يدها يوم أن قرر الغدر بها. ثالثاً، لقد عاش الكهنوت مستقويا علي اقرانه بالمال والسلطة إذ لم يطق يوماً العيش إلا في كنفهما. إن التنسيق بينه وبين القيادة المايوية للمخارجة ساعة ضرب الجزيرة ابا بات امراً معلوماً للجميع. كما إن تعامله مع الانقاذ صارمثالاً للتندر حتي عند ستات الشاي، عندما هرع لتأييدها في أولها، وعندما اسندت له مهمة إفشال التجمع في منتصفها، وعندما أوكلت له مهمة تثبيط همة الجماهير في آخرها. إنهم ما إن يرونه حتى يستعيذوا بالله ويتولوا علي ادبارهمكارهين.
لكن العجيب أن يتحدث الكهنوت عن الرشي، الارتزاق والمال الحرام وقد تغذي به.كما ان هذه أمور لم تتعرف عليها الساحة السياسية إلا من خلاله، وبالتحديد عندما هرع هو وأقرانه لتأسيس "المعارضة الوطنية" تاركين ورائهم ارتالا من الكمبيالات، كي يتولي النميري (رحمه الله) وشيوخ الانصار مهمة إنفاذها. لو أن تهمة غير الرشى اخترتموها في حق رجال اختاروا الصمود محتسبين وكابدوا المشاق صابرين حتي صاروا مضربا للمثل في النضال الوطني ورموزا للطهر السياسي. لكن كما يقول أهلنا "البعيرك ما بخيرك" او "البعايرك ما بيشاورك". إن أسواء أنواع الرشى هو مقايضة مواقف الرجال الصلبة بمواقف هزيلة -(وليست العكس)- يتم استثمارها للتقاضي عن ديون متراكبة متراكمة في البنوك. إن الغربيين عندما شرعوا الاستقالة في ادبياتهم وممارستهم السياسية انما رأوا صيانة الوظيفة السيادية من دنس قد يطال الرجال مهما سموا (وما ابرئ نفسي ان النفس لأمارة بالسوء الا ما رحم ربي).
في محاولته لتفصيل حزب على  مقاس اسرته لجأ الكهنوت إلى كافة الحيل واستعان بكافة النماذج البشرية، إلا إنه اخفق في رأب الصدع بين البنين والبنات واحتار في درء الفتنة بين الأبناء غير الاشقاء والبنات غير الشقيقات. وعندما اسند أمانه حزبه العامة إلى صديق محمد اسماعيل وجد الاخير معاقاً بفعل معركة افتعلها احد الابناء للحد من نفوذ العقيد الطموح والذي اكتشفوه معافا بعد ان حسبوه خصي.
لو أنك سردت لأحد من غير المنتين لهذا الحزب هذه الحيثيات لظنها مزاحا او رواية من روايات القرن الثامن عشر لكنها قصة حقيقية (True story) وواقعية بقدر ما هي محزنة. لقد استهلك الكهنوت طاقة الشعب الروحية والفكرية في تصفية حسابات شخصية، لكنه لم يعد له ما يستهلكه الآن إلا طاقته وطاقة بنيهولن يطول امدهم حتي يروا عاقبة امرهم خسرا. (والشاهد إنفضاض المصلين مباشرة بعد صلاة العيد الاخيرة في الجزيرة آبا وقد انفوا من سماع خطب لا تكتفي بالإساءة الي عقولهم إنما ايضا تسعي لتجيير إرادتهم لصالح المعتدين الغاصبين. ومن يهن الله فما له من مكرم ان الله يفعل ما يشاء).
إذا لم تدرك النخب التي احيلت مؤخراً إلى التعاقد الاجباري أي حقيقة ولم تعترف بأي خطأ فقمين بهـا، كما صرح مؤخراً السياسي البديع والخطيب البارع الشاب محمد حسن التعايشي (الذي نازل الانقاذ في اوجها فأنتزع منها رئاسة أتحاد الطلاب لعام 200٢م)، أن تدرك التحول المهيب في خارطة الانتماء التاريخي لحزب الأمة وان تعمل وفق ذلك لا وفق احلامها وتوهماتها. دعك من المجال السياسي، حتى الأرضية الدينية تبدلت، الأمر الذي كان يلزم أن تدركه النخبة حتى لا تكون آخر الخارجين مع هذه البؤرة التي ومن عجب تسمي "حزب الامة" (ايةأمة تلك)؟ لقد فصلت الجماهير عملياً بين قضايا المعاش وقضايا المعاد، حتي ان اهل دارفور اتخذوا التيجانية مجددا مذهباً للخلاص الاخروي، كما أتخذ بعضها قادة "التمرد" وسيلة للإنصاف الدنيوي.حتى يأتي اللهإذنه بمن يربط ربطاً أخلاقياً بين هاتين الغايتين، فيعقد حواراً بين القائد الميداني في جبل مرة وسيدي أحمد التجاني فإن الجماهير ستظل في خانتها، محلك سر بلغة اخوانا العسكريين.
ختاما، إن حزباً يفصل قيادته الحزبية، النقابية، الطلابية، المهنية، النسوية، إلى آخره، بل أن يفعل ذلك جملة واحدة لاثني عشرة نقيباً،لحزب تدعو حالته إلى الاشفاق وليست الحنق. انه من نوع الاشفاق الذي أحس المرء تجاه القذافي وبنيه، اشفاقاً لا يرجى منه خلاصاً إنما إنصافا، في هذه الحالة من التاريخ ومجازته الاسطورية. لا يصيب المرء حسرة من جراء فصلة من حزب الأمة إلا كما ينتاب المراهق زعله لحرمانه من دخول نادي ليلي. يسع هذا المراهق أن يراجع مشروعه الاخلاقي والفكري حتى يتمشى مع متطلبات المرحلة، أو يقرر التسكع في نادي ليلي آخر، وهم كثر. هذا شعور الشخص غير المنتمي مثلي أما من أفنى عمره واضاع بيضة شبابه في مشروع ظن أنه يؤدي إلى الخلاص، فإنه يحس بحسرة خاصة إذا كان فصله سيحرمه فاعليه التواصل مع الجماهير. أما في حالة حزب الأمة، فإنه قد أصبح عالة حقيقية وإعاقة ماثلة لمشروعية الانتماء إلى المستقبل. أنصح الشباب من هؤلاء النقباء الذين فصلوا بالذهاب إلى مصحة تعنى بإعادة التأهيل النفسي، الجسدي والوجداني، أما الكهول والمسنين فيلزمهم التعاقد مع كتاب محترفين لتدوين تجاربهم الشخصية والحزبية كي تكون ذخراً للشعب ووقوداً للثورة القادمة.