تقول الميثولوجي الصوفية أن المنظومة الكونية تتعرض إلي إختلال يؤدي إلي دمار ومن ثم يحدث التلاشي التام الذي ينذر بقيام الساعة عندما يؤول الأمر الغيبي أو ما يسمي بالحضرة الألهية أو النبوية إلي الدراويش الذين لايستطيعون ضبط ظاهرهم بما تطلع عليه بواطنهم من الأسرار. إذا ايقنا أن عالم الغيب له ما يوازيه في مدار الشهادة، فإننا حتماً سنتشرب مفهوم الأبدال الذين يحفظون للأوطان أرثها ويرعونها من التبدد الذي قد يصيب أركانها إذا آل الأمر إلي أعيان (هم في عداد الغُلمان) يتبعون أهوائهم في غير روية ويسيرون في كل جهة إلا تلكم السوية.

تلقيت نبأ وفاة الحاج مضوي بكثير من الاسي وقليل من الإعتراض. فقد فقدت بموته صديق كادت تمنعني صرامته من الوصول إليه حتي أعانتني دعابته، كما شاءت التجاعيد أن توقفني من حواره حتي غلبتها التفانيد التي تحكي قصة بصيرة نفذت إلي العبر غير مستخفة بالفكر، وقصة مكانة نالها صاحبها بالعطاء دون القدم وبهاء كلل جبينه بعد أن إستوفت عروقه مراتع الحلال. رغم تلاطم الامواج  فقد حطت السفينة - سفينة الوطني الإتحادي- في مرسي الفضيلة وشاطئ المبادئ ولم تفقد غير الموالين، المتراضين والمطبعين "ولو شاء الله لأسمعهم ولاسمعهم  لتولوا وهم معرضين".

 

متما أوي الفقيد إلي الظل فأنه سيجد من يؤانسه، فقد سبقه إليه أخوه الشريف حسين يوسف الهندي بل أعد له مرقده بعد أن إمتحن الله مخبره فأجازه بقوله: "من المؤمنين رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه، فمنهم من قضي نحبه، ومنهم من ينتظر ومابدلوا تبديلاً". فقد برع كلاهما في ساحة الزهد، الشجاعة، الوطنية، النبل والاهم من كل ذلك اليقين بقدوم النصر. لقد كان أخر ما إفترقنا عليه دعابة ظل يكررها " ياولدي أنا عايز أموت مرتاح، هل تظن أنني سأشهد نهاية هؤلاء؟  وإذ أن المؤمن لايسعه غير التفاؤل فقد طمأنته لما يريد، لعلي لا أظن أنه كان يريد إستئناساً برأيي قدر ما كان يريد تحميل جيلي مسؤولية التخلص من هؤلاء! لانه كان يوقن أن السودان لن يستقر أمره حتي ينقطع رأس الحية التي أصبحت كالغول الذي ما أن يُقطع رأسه حتي يبين له رأس أخر. إن براعة الساحر لم تتجل في تغييره للحقائق إنما في تحويره للوقائع من خلال التلاعب في أعين الناظر. إن "هؤلاء" لم يستمدوا مقدرتهم علي البقاء إلاَّ من خلال إبرازهم لعلل الاخرين العاجزين عن طرح مشروع فكري ذو معالم مغايرة وبارزة، إذن فهم يعتمدون علي الشرعية السالبة التي تندحر متما توفر البديل الماثل والمقنع للجماهير. من هنا جاءت مواقف حاج مضوي الصلبة من الكهنوت الذي لم يعتبره مُعطلاً للحزب الوطني الإتحادي فقط، إنما راهناً مستقبله بوقائع غير موضوعية ومستحوذاً علي إرثه (إرث الوسط) دونما أدني إمكانية فكرية أو روحية علي التفعيل.

 

لقد كان الحاج مضوي مبدئياً في غير جمود وثورياُ في غير شطط. فهو لم يطلق شعار "لا لا للكهنوت" إستخفافاً  بالدين إنما رعاية لحرمته التي تتطلب إستخدام السياسة وسيلة لخدمة الجماهير وليست خانة لتعبيدهم، تضليلهم وحبس أشواقهم. لقد ظل حاج مضوي منذ خمسين عاماً يدعو إلي التمفصل بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية وستظل هذه الوسيلة الوحيدة التي يمكن بموجبها أن ينعتق الوسط من الخرافة، فينفسح الطريق لمشروع التنوير الذي إستحق بموجبه السودان الشمالي النيل الوسطي حق الريادة منذ أمد بعيد. فلا عجب أن خرجَّت العيلفون النوابغ في الفن، الادب، السياسة، العسكرية، وستظل، إذ أن بركة ود الارباب تعم الزوار والاحباب فما بال الأقارب والأصحاب. من هنا نفهم رمزية الزيارة (زيارة الضريح) وطواف المشيعين بالجثمان قبل الصلاة عليه. في هذه الأثناء بالذات وعندما تقدم أحدهم لصلاة الجنازة، همس أحد المصلين قائلاً: هل تجوز الصلاة وراء القسيس؟ و أنا أقول نعم تجوز من الناحية الفقهية لأن القسيس ومن عجب يؤمن بالله وباليوم الأخر. لكنها من الناحية الفكرية/الفلسفية لا تجوز لان القساوسة إصطفوا مُعلنين عن مواقف لا تتوافق ومواقف الفقيد الذي نذر نفسه لتطوير فكرة الإتحاد وتثوير مشروع الوطنية. إن هؤلاء فقد إنتهزوا لحظة الفراغ السياسي الذي عقب مايو ليختطفوا منصة القيادة السياسية التي هيأت لهم فرصة الزعامة الدينية (وليست العكس). إن الحال بالنسبة للقيادة المهدوية مختلف تماماً لأن الاخيرة إنطلقت من الطائفة المتجانسة إلي حد التبلد للهيمنة علي الحزب. هذا الامر لم يكن ممكناً في حالة الإتحاد الديمقراطي الذي تمثل فيه الطائفية الختمية أقلية مقارنة ببقية الطوائف الصوفية: السمانية، العركية و المكاشفية المتفرعة من الأصل القادري. صحيح أن الطائفة الختمية تميزت تميزاً نوعياً أهّلها للريادة لكن الختم (رضي الله عنه) لم يسع لتذويب هذه الطوائف و إلغاء وجودها إنما آخي بينها علي النحو الصوفي السلفي الذي أثبته البصيري في بردته (وبردة المسلمين):

 

وكلهم من رسول الله ملتمس  

 

                   غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم

 ليت مراغنة الخرطوم يعووا هذا الأمر فيردوا أهل السودان إلي الأصل الذي بُني علي المحبة ولم يُبني علي القداسة. أي دليل علي المحبة (بالله عليك) أقوي من هذا (البراق) الذي ما أن يُتلي حتي تتنزل السكينة وما ان يُسمع حتي تتجلي الرحمة بشأبيبها علي الأحياءوالاموات؟ لقد أثنيت عليه ثناءًا جعل صديقي وحبيبي الدكتور/الحارث حمد يكتبه لي بخط يده فلم أزل متشوقاً لحفظه حتي ألهتني المشاغل الحياتية. الأَّ تري القيادة الختمية أهمية الإشتغال بإبراز هذا الإرث المجيد عوضاً عن المكايد والمؤمرات التي أرهقت العباد وضيعت البلاد. إن العجز عن الأخذ بالعزيمة من الأمر قد جعل القساوسة يحتفون بزخرف أعرض عنه سيد الوجود يوم أن راودته الجبال فأراها من نفسه أيما شمم، حتي أن الكفار إحتجوا بقولهم "ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، لولا أنزل معه ملك فيكون معه نذيراً، أو يُلقي إليه كنز أو تكون له جنه يأكل منها، وقال الكافرون أن تتبعون إلاَّ رجلاً مسحوراً". هو حتماً لم يكن مسحوراً لكنه كان واثقاً، مُعرضاً عن ربط الإصلاح ببعده الأفقي فقط (مساندة دول الجوار) لكنه أحاله أيضاً إلي بعده الأخروي "وتوكل علي الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وأنه كان بعباده خبيراً ".

إن فهم حاج مضوي للديمقراطية كان فهماً متأصلاً ومتطوراً. فما زلت أذكر عبارته: "تيراب الديمقراطية ببقي زرع"، وقد إستبان للناظرين والمعتبرين أن تيراب الشمولية قد أحدث خراباً في اللبوس وأودع حنظلاً في النفوس. يجب أن لا نكتفي بالمعني الإجرائي للمفهوم، إنما نعتني بالأسس المبدئية التي تقتضي التوافق علي قضايا أساسية ومبدئية تهيئ للحاكم الحصول علي رصيد شعبي يؤهله للمرافعة السياسية عن قضايا الوطن. إن الحاكم إذا إعتمد في بقائه علي تفعيل التناقضات بين أبناء الوطن الواحد، فإن رصيده من الحمولة المعنوية سيضعف إلي درجة تجعله يتنازل عن حصته في الموارد، يتراجع عن الدفاع عن حدوده، حتي يبلغ درجة التحصن بالمواطنين عوضاً عن إفتدائهم بالنفس والنفيس، تجيير إرادتهم وإرتهان حاضرهم ومستقبلهم. لمثل هذه المفاهيم ضحي الفقيد وعن غيرها تنحي. فهو لم يكن يوماً جابياً ولا محابياً ، وهاتان صفتان متلازمتان لان من يقتات من كسب يده حتي عمر ال94 وحتي أخر يوم في حياته حريَّ به أن يصدع برأيه في وجه كل لئيم يشأ أن يعيره بالإرتزاق لو أنه تصرمع في العواصم لاهثاً وراء المغانم.

 

حاشا للحاج مضوي ومن إنتهج نهجه من النُجباء أن يجعلوا أنفسهم عرضة للمذمة وقد إنتدبوا لقيادة أمة أبية خانتها العُصبية.

 

لقد برئ الحاج مضوي من كافة العلل التي أصابت جيله، فلم يسع يوماً لمصادمة الوعي إنما سعي دوماً لإستثماره، كما لم يغار يوماً من النبهاء إنما سعي دوماً لمصادقتهم حتي يثقلهم بحكمته، فهو في وسط الشباب شيخاً وفي دائرة الشيوخ شاباً. كما لم يعتاد الحاج مضوي ضمضمة الأشياء، لفها ودفرها تحت السرير فقد كان يري رحمة الله عليه أن أفضل وسيلة لمعالجة المُعضلات هو مواجهتها وليست التهرب منها. لقد كان جيله هو الجيل الأكثر تأهيلاً لكنه كان الجيل الأقل أهبة وإستعداداً  لنقد القديم البالي و إعتناق ماهو حديث ولذا فلن يحسب فشل هذا الجيل للتقدم بالبلاد خطوة علي الحاج مضوي و أمثاله من الأفذاذ لأنهم عملوا ما عليهم "وأن ليست للإنسان إلاَّ ما سعي وأن سعيه سوف يُري ثم يجزاء الجزاء الأوفي".

 كدنا أن نصبح شعباً بلا ذاكرة لكثرة ما دفنا من الأفذاذ دون أن نستكتبهم أو نحثهم علي التدوين فنحصل علي خبراتهم الثرة وتجاربهم القيمة.

إذا كان أسلافنا النوبيين يدفنون موتاهم بكنوزهم المادية فإنا قد دفنا أسلافنا بكنوزهم المعنوية. إن أمة هذا حالها سيسهل إجتياحها مثلما تم إجتياح بغداد من قبل القوة الإمبريالية التي ضربت أول ما ضربت المتحف القومي الذي يُقيم الموروث التاريخي لمقتنياته بفترة ترجع إلي 6 الآف عام. لماذا لا تُخصص منحة تُفرغ للأكفاء؟ لماذا لا تُخصص وزارة الدفاع هذه المباني الفخيمة في الخرطوم شرق للعلماء فتصبح مدينة علمية تحفها واحة خضراء تكون بمثابة الرئة للخرطوم التي كاد أن ينعدم فيها الهواء؟ حتي متي وهم يجثمون علي صدورنا ويئدون آمالنا؟ أفلا يتعاون كل الشرفاء من جميع مواقعهم ومختلف مشاربهم لإنقاذ هذه الامة؟ يجب أن لا يتقبل أبناء الإتحاديين العزاء حتي يعجزوا عن إنفاذ هذه المهمة الغراء؟ لان الحاج مضوي لم يمت (إنما إنتقل) طالما بقيت قِيمهُ باقية في قلوبنا، وإلي الأبد.

 

 ختاماً، أقول إن الإتحاديين هم أهل الشرف والوفاء، والحضرة والإخاء فيُلزم كل وطني إعانتهم حتي ينتزعوا هذه الراية من الإنتهازيين، الوصوليين والمرتشين. أمَّا إذا إختاروا النكوص، التراجع والتقهقر ترعبهم هالة الكهنوت وتهولهم شارة الطاغوت فذاك هو النقصان "إن تتبدلوا  يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم".

 

د. الوليد أدم مادبو

 E-mail:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.