في زيارة له إلى إحدى أعمامه كان الناظر حريصاً على الإستزادة من النصح الذي يؤهله للقيام بأعبائه والحفاظ على وحدة كيانه، إلا أن العم كان يعترضه في كل مرة قائلاً "يا ناهين يا ولدي أنا ما جيت على الموت لمن أجي بوصيك." في ذات يوم إستحث العم بنيه كي يعجلوا في طلب الناظر الذي ما إن وقف على رأسه قال له الحكيم "ياناهين يا ولدي الواحد لو أبوه خل ليهو أخوات والرجال قعدو يدخلو عليهم ويمرغو العيب بحصل ولا لا"، قال الناظر "العيب بحصل"، إستطرد العم "أكان دار الرزيقات لو قعدوا الأغراب يدخلوا فيها ويمرغوا الدار بتخرب." إن الشباب رغم محدودية أطلاعهم كانوا يعدون أن الغريب هو ذاك المتلبس الذي يتنافى سلوكه بل يصتدم مع المشروع القمي للقبيلة إنه النشازالذي يريد أن يحتمي بالقبيلة لا أن يزعي حماها إنه المتربص الذي لم يمنح ذاته فرصة التماذج ولم يزجرها عن روادق الهوى ركبت الرزيلة نياقاً أزاحتها عن فسحات الوجدان. ليست أضر على القبيلة من جماعة تنتمي إليها عرقياً وتغل من عضدها ثقافياً ومجتمعياً. إن كلمة "قبيلة" لها إيحائات سالبة في ذهن الحضر الذين يربطونها بالقبلية التي هي حسب زعمهم في تضاد مع الرابطة المدنية، إن ملوك البوادي السودانية الذين لم يروا بداً من الإستقرار خاصة بعد تشييد خط السكة الحديد وذلك في الأربعينات إنتهجوا نهجاً حضارياً وسلكوا سلوكاً إنسانياً جلب لهم أفضل الخبرات من معلمين عسكريين، موظفين بوسطة، بياطرة، وكتبة دوانكي. في وقت كانت فيه الخدمة المدنية قائمة على الكفائة ومسترشدة بخطط قومية لم يجد أحداً حرجاً بل كان (على العكس) يزههو فخراً بإنتقاله من حاضرة (بدوية) إلى أخرى لأن في ذلك إثراء لشخصيته، فالموظفين مثلاً، عندما يأتون إلى الضعين يعرفهم الناظر بأقاربائهم في المدينة وذلك للإستئناس ومراعاة لصلة الرحم "الرحم من الرحمن"، أما الأهالي فيخيروا في الإنتماء إلى إحدى بطون القبيلة، كسباً للجوار ودراءاً للضرار. ولك أن تسأل هل هذه وسيلة ناعمة لتحقيق إنصهار يمنع الوافد أو المستجير من حقوقه الثقافية والإجتماعية؟ لا، إن واقع الأمر يشير إلى أن الميثاق هو إثبات لحق سيادي فقط خاصة إذا علمنا أن الوحدة الإدارية حتى وقت قريب موافقة للوحدة القبلية. لقد كان من الممكن أن تذوب الوحدة القبلية تدريجياً في الوحدة القبلية، إلا أن سعي بعض الأنظمة الشمولية (والديمقراطية) الدؤوب لتفتيت التماسك القبلي من خلال التلاعب بالوحدات الإدارية (كأن يعطى شخص لقب أمير، ناظر، ترتاي دون الرجوع إلى السلطة السيادية للقبيلة أو تمنح محليات أو محافظات دونما أدنى إستناد على موضوع علمي، إنما فقط تآمري)، قد أجج الصراع بل أزمه حتى إضمحل مفهوم القبيلة مما جعله يتماهى مع الإستفائية العرقية (Primordial)، تبعثرت إمكانية الوحدة الإدارية، إنفلت الأمن، غاب الوجيع، وشح الفزع، حتى باتت على التلال الأفاعي وبالت في صهباء (الحديبة)الثعالب. إن الفجيعة ليست في تنكب المكان، إنما في تبعثر الوجدان (الذي عمل الرجال بجد على إثرائه دارفورياً وسودانوياً). إن الأرض (Lord) لم تضيق، بقدر ما إنحسر الفضاء (Space) الذي كاد أن يشمل الجميع، بل يزيد. لقد كنا نعتقد حتى زمن قريب بأن مدينة الضعين ستظل بمنأى عما أصاب نواحي دارفور من مجون مستحدث إلا أن الحوادث الأخيرة برهنت على أن هذه المدينة لم تكن لتبرأ من كآفة العلل التي تحرث في عظم الإقليم، خاصة وقد قدم إليها صنف الأعراب الذين تسببوا في    التي أناخت بكلكلها على إقليمي غرب وشمال دارفور. إليك كشف البلاغات النصف سنوي :

  قتل أستاذ إبتدائي كان ماراً (بحي العرب) في واجهة المدرسة الصناعية وسرقة تلفونه الجوال.

 

قتل جندي بوليس في مواجهة ميدانية (داخل المدينة) أحد أفراد حرس حدود (شيخ بحي العرب).

 

سرقة عربة الجامعة الإسلامية بواسطة مراهقين أفاد التحري أنهم يقطنون (حي العرب).

 

نهب إيرادات محلية عسلية (30 مليون) بواسطة ستة مسلحين، عند المرتكز غرب ميدان السباق (أطراف حي العرب). لقد أمر أفراد الفرقة المارقة الجميع بإفتراش الأرض فامتثلوا جميعاً إلا البطل شوقي محمد فضل الذي قال لهم: (أنا رزيقي ما برقد والضعين     لي، لو درتو مال الحكومة شيلو، أما مالي ما بديكم منو قرش.) هكذا نرى مرؤة الرزيقات في مواجهة خستهم وسؤدهم مقابل لوئمهم، وصدقهم إثر إفكهم. فكيف بهم إذا أخذ الله صالحيهم جراء السكوت عن مجرميهم؟      بقوله: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة    خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد) (سورة الحج).        لقد نضب معين أحد الآبار الوارفة وذلك بعد أن أقتيل يوم 20/8/2007 أحد كتبة الدوانكي (وحدة توزيع المياه) المتميزين وركيزة من ركائز المدينة الفاضلة ، السيد /بابكر حسين عبد الله ، وفقد القيصر إحدى وصيفاته زوجته السيدة فاطمة إبراهيم حامد التي وجدتها حفيدتها مضرجة بالدماء(ملقاة من تحت)، فأغمي عليها هي الأخرى           

                                                      

اغنيس اغبوتون             

                                                                                 

بقيت فوق التراب

 

أجساد الرجال القاتمة

 

رجال الموت غير المجدي،

 

وفي قلب الأخرين الخفي

 

لا تزال متوهجة جمرة الكراهية

 

الحمقاء والمتيقظة دائماً.

 

الكراهية غير المجدية.

 

وفي ملاذ هاديء ووديع

 

من الحيطان الجميلة

 

كل شيء تغير.

 

رجلان مهمان تبادلا الإبتسامة،

 

تصافحا.

 

مجدداً، كل شيء غير مجدي،

 

نضال الأحياء،

 

موت الموتى.

 

مجدداً كل شيء غير مجدي،

 

الجوع…

 

سوف أدفع على مهل باب الصمت

 

(تلك الصلاة التي تبلغ،

 

- يوماً بعد يوم-    

 

  نداء عيني القلق)

 

سوف أدفع على مهل باب الصمت:

 

لكن ماذا عن ملامساتي،

 

تلك المتصلبة في جلد الذكريات؟

  

            يذكر بابكر حسين أنه تلقى خبر وفاة والده وهو في الرابعة عشر من عمره، فكان عليه أن يرعى أسرة قوامها أربعة عشر نفر، معظمهم من البنات. لقد كان له من المؤهل العلمي (خريج أولي أوسط) ما يؤهله أن يعمل ككاتب محكمة، وعندما سنحت الفرصة لأن يكون كاتب دونكي في حاضرة غير حاضرته (تلس) لأنه كان ذاهباً وقتها إلى الضعين التي بها أعزَ أصدقائه الأستاذ/ عيسى محمد موسى وآخرون إلتقاهم بمدرسة نيالا الشمالية. كان قدومه (عام 1962) فال خير على هيئة توفير المياه التي حقق لها أعلى إيرادات على مستوى الولاية وعلى مستوى السودان، مما أكسبه أربع ترقيات إستثنائية من رئاسة الجمهورية (وتذاكر سفر مجانية للعلاج في لندن عام 1992)، وأورثه محبة في قلوب الناس كاد يغبطه بها رفاقه والأقربون. كنا إذا ما ذهبنا رحلة إلى بحر العرب (جهات دحيل الدابي ومنطقة عيش) نرتكب من الحل أعظمه فنسرف في الشواء، مطاردة الظباء، وسماع الغناء الذي كثيراً ما هيج ذاكرة حسين فامتثل أبيات تفضح مواضع الأسر في قلبه، ذاك الرؤوم، الشفوق والحنون الذي طالما عانى البعد عن تلس (ديار الفلاته المحفوف بالأسرار).

 

            لقد إستحق بابكر حسين المعاش بعد مسيرة أربعين عام من التفاني في خدمة الدولة والمواطنين، وعندما هم بالرجوع إلى دياره (تلس) إستبقته الدولة كي يعينها في تسيير المهمات، فعمل بالمشاهرة التي إمتدت معها الأمانة (التي عرضها الله على السموات والأرض) إنه كان يحتفظ بالمال العام في خزنته الخاصة حتى يتم إيداعها بالمعتمدية، وكان من شقاء من هددوه بالمنزل مرتين أنهم تحملوا وزر قتله وزوجته غير آبهين بقوله (لأن بسط إليَ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين، إني أريد أن تبؤ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين، فطوعت له نفسه قتل أخيه فكان من الخاسرين) (سورة المائدة). إن كان على الشجاعة التي رفض بها بابكر تسليم المال للغاصبين فقد ورثها عن جده لوالدته الذي أستشهد في دوسة (انقابو) وذلك بعد قتل علي دينار وإعتزام الإنجليز إستباحة بعض قرى دارفور، وإن كان على الأمانة التي لقي بها المولى عز وجل فقد ورثها عن والده حسين عبد الله الملقب وسط أهله (الفلاته) بسيدنا الحسين إذ كان قويُ (الفكي الذي يفتي في المذاهب الأربعة) وداعية يسير مع البقارة لدعوتهم إلى تعظيم الإله، تعزيز رسله وتوفير رسالته. لقد كان الإمام الحسين إماماً للمسجد العتيق، سمي حي القبة بإسمه (نسبة لمرقده وتبيانا لحاله كواحداً من الرجال الكمل، الذين نسأل الله أن ينفعنا بجاههم).  

                      

        وإن كان من في الناس من يرجح (الإكتتاب)على (الوراثة) في مرصد الخصال، فإن الإغريق قد أثبتوا فيما ورثوه عن الفراعنة أن الجينات نوعان : نوع يسمى الـ(Mores) وهو المسؤول عن تحمل الطباع، وآخر الـ(Mires) وهو الموكل إليه نشر الملامح (أورد هذا الأمر أستاذ العلوم السياسية (Leslie) في كتابه (Thinking politics). المهم في الأمر أن بابكر قد  لقى ربه حامداً باسماً بما وفىَ بما أوكل إليه من مهام تجاه أسرته، إقليمه ووطنه) (فاللهم إياك نسأل أن تتولى بناته وبنيه). وإن كان ثم عار فقد لحق بأهالي المنطقة على ثلاث مستويات. أولاً من أعراف البقارة العسكرية أنهم يوفرون للحكامة في الحرب حماية (هي وجنديها)، فلا يتعرض لها أحد وإن إنهزمت قبيلتها. فما بالك بربات الخدور؟! كيف ينجوا القتلة من العار وقد قتلوا إمراءة لم تفعل أكثر من الإستغاثة، بل كيف ينجو الجيران وقد تباطئوا (في الفزع) عن رجل لم يتوانى في خدمتهم طوال فترة حياته؟           

                     

غيابك،

 

كغراغ يقع

 

ويعري النظرات

 

من أي معنى.

 

كل شيء مفصل متوقف

 

غيابك:

 

اللحظة المؤلمة والمديدة

 

حيث أنتظر

 

اليقظة الصاخبة لشيء جديد

 

يعلن لي أنك وصلت.

 

غيابك

 

نامني،

 

حلم بي

   

لأني أشعر بالتنفس الكثيف للوقت،

 

ذلك الذي يجتاز صدري في ثوان، يفلت

 

من جانبي

 

-من جانبك-

 

في ثوان يختبيء

 

ويرفض النظر إلينا.

  

   حق لك يافاطمة بنت إبراهيم أن ترفضي النظر إلينا، فإنا لم نعد نرعى حرمة للجوار، أكذوبة تلك الأنشودة التي تغنينا بها (وبرشم الذي حدثت عنه، به نحمى ونحمي المحجرينا، فأيُ المجد إلا قد ولينا)، مسخرة ذاك العهد الذي أبرمناه في حماية "الأغراب" الذين يمثلون اليوم أكثر من 90% من قاطني الحديبة (الضعين). لقد كان فيما طلب السلطان علي دينار أقواماً إستبقاهم أسلافه عبيداً يرعون لهم الإبل فيما رفض الرزيقات بقيادة موسى مادبو تسليمهم وفضلوا تجرع الموت على الحنث بقسمهم تجاه "الأغراب" الجسام. 

 

   إن تأهل الإدارة الأهلية في مثل هذه الأمور يضر بالشأن السيادي، بل يجر على الكل سمعات وويلات (من مثل "مذبحة الضعين" وما تبعها من شنات) كان يمكن تفاديها بتعقب المجرمين من خلال التضييق على تلك المشيخات التي توفر حماية، بل تتستر على المارقين لقد إختار عبد الله العروي في روايته الأخيرة (غيلة) قالب الرواية البوليسية لتشييد محكي تخييلي عن مدينة الدار البيضاء، أو بالأحرى، للكتابة عن إغتيال المدينة، بموازاة مع البحث عمن إغتال ثلاث نساء في الرواية...)( مجلة نزوى العدد 51،(ص:41).

 

    ختاماً، صحيح الأهالي يعتمدون على حكمة الرزيقات أكثر من إعتمادهم على السلطات (أمن، جيش وبوليس)، لكن هذا لا يعفي هذه المجموعات الأخيرة من القيام بواجبها في حفظ الأمن ودرأ الخوف عن المواطنين.  إذا كان بابكر حسين قد فضل الموت على تسليمهم المال العام، هل تختار الدولة الإستمرار في تفاديها دون الإيفاء بمقتضيات هذا النفوذ؟  إذا كان إستقرار دارفور سيؤثر سلباً على إستقرار المركز، هل هناك ضامن من تسرب هذا الخراب، هذا الدمار، هذا العيش مقدار        من القصر الجمهوري؟ هل تترك دارفور للموت بطئاً وعلى هذه الأنشودة الصاخبة؟     

           

                                        د.الــــوليد مـــادبــو    

                      E-mail:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.