حضرت العرب بشخوصها وغابت بأشخاصها في مؤتمر الدوحة، ذلك أنها أظهرت الظلال وخبت المقال خشية أن تؤنب أو تُحرم من الإمتيازات التي نالتها فئتهم علي حين غفلة من الدهر. كانوا جميعاً حاضرين، دستوريين وشعبيين، مدنيين وعسكريين، قادة وتابعين، لكن أحداً منهم لم يفصح عن الظلم الذي لحق بالبادية نتيجة الدمغة اللونية والإدانة الجماعية، بل الإستبعاد القسري من دورة الإقتصاد السياسي والإجتماعي. في الوقت الذي هلل فيه المؤتمرين لمنحة قدرها ٢ مليار دولار من أمير قطر (مشكور عليها)، نجد أن مجلس التعاون الخليجي يستورد منتجات زراعية وحيوانية قيمتها ٨,٢٠ مليار دولار سنوياً كانت هي من نصيب السودان لو أن حكوماته إستثمرت في البنية التحتية التي تحتاجها الصناعة الغذائية في غرب السودان. لا أدر أيهم أقرب الأرجنتين التي تبعد عن دولة الأمارات ٢٠ ساعة، أم أبو جبيهة التي تبعد عنها ٤ ساعات. في نظري ونظر كثير من المختصين، إن الإرجنتين أقرب لأنها توفر ضبطاً وجودة، الأهم ديمومة، هي العنصر الأساسي في مجال التواصل الإقتصادي علي الصعيدين الإقليمي والعالمي. إن مجرد النظر إلي الخارطة الإستثمارية يدلل علي خلل بنيوي في التفكير: كيف للمسالخ الحديثة أن تبني في الخرطوم علي بعد ١٥٠٠ كيلو متر من مناطق الإنتاج؟ كيف سمحنا لأنفسنا أن نظل أسري لمنهجية تقليدية (إذا لم نقل إستعمارية) في التدبير؟ أيهم أجدي بناء مطار مروي أم بناء مطار الضعين التي تذخر بكافة أنواع المحاصيل الزراعية من ذرة، سمسم، فول سوداني، حب بطيخ، صمغ عربي وماشية هي الأفخم علي وجه البسيطة.
في الوقت الذي قُدرت فيه إحتياجات محطة أبو جابرة لإنتاج ال Furnace من الخامة البترولية المتوفرة (كانت كفيلة بإحداث ثورة في الصناعات الغذائية) بمبلغ 35 مليون دولار وذلك في التسعينات. صُرفت عشرة أضعاف هذا المبلغ في الحصول علي تماويل لبناء كباري تربط جزر بعضها ببعض علها تُعين ما تبقي من عجزه الإيفاء بالتزاماتهم الإجتماعية!
إن المنافسة العالمية ما عادت تحتمل النظرة التقليدية الكلاسيكية التي تعتمد فقط علي الخصائص الإقتصادية إنما المزايا التنافسية التي تبرز ما إنخفضت الضرائب، النظم البيروقراطية واللوائح الإدارية. فلا مجال للتعاون مع دولة مثل السودان يمر المستثمر فيها بما يفوق ٧٠ إجراء إداري (هو بمثابة العقبة البيروقراطية) إذا كان هنالك بلد مثل الصومال لا يتجاوز التصديق فيه ٧ نقاط إدارية. من هنا نفهم كيف أن لحوم الصومال باتت تنافس اللحوم السودانية في الخليج. الأدهي، أن الدول المجاورة، مثل تشاد وأثيوبيا، باتت مُدرجة من الدول المصدرة للصمغ العربي وهي لا تحفل بوجود شجرة هشاب واحدة. ما الذي ألجأ المُنتج لتهريب بضاعته؟ لو أن شركة الصمغ العربي تعاملت مع المنتج علي أنه شريك فأعطته ثلث الربح، إستثمرت في الأبحاث والتسويق قيمة الثلث، ووفرت خدمات صحية وتعليمية وبنية تحتية بالثلث المتبقي، هل كان المنتج سيفكر في تهريب بضاعته؟ إن ٢٥٠مليون (بالقديم) صُرفت علي تأليف قلب أحد الساسة المتمرسين، والذي إشترط إعادة تعمير بيته وتزيينه قبل قبوله رئاسة مجلس إدارة الصمغ العربي. يشمل ذلك إستيراد تماثيل من إيطاليا لتوضع علي مدخل المنزل الفخيم. ياويل هؤلاء من الله؟؟ متي ستتخلي النخبة عن نرجسيتها وتجعل المواطن أولوية وتعطيه الأحقية؟ متي سنعطي السودانيين فرصة للإستثمار في وطنهم وقد أحبوه؟ هل مات رجل أفريقيا المريض أم أنه في طريقه إلي المعافاة؟ سيما أن الرقعة الزراعية متناقصة في الكرة الأرضية لأسباب إيكولوجية، كما أن عدد البشر في إزدياد، ولا سبيل لسد هذه الفجوة إلاَّ بالإستثمار الحيوي في الزراعة في اربع بلدان رئيسية هي البرازيل، أمريكا، أستراليا والسودان.
لا مجال للتفكير بطريقة مُغايرة إلاَّ إذا تخلصنا من (الليغ) السياسي الحالي (كما يقول صديقي صلاح عربي)، وخلقنا مناخاً جاذباً، فيه من الشفافية والأسس المحاسبية ما تجعلك توقن بأن الشيك ذاهب إلي الخزانة العامة وليست الخاصة. (إن أحد ولاة جنوب دارفور ظل يصرف ميزانية مشروع (أم عُجابة) لمدة ثلاث سنوات متتالية في تشييد مؤسسات حكومية بإشراف شركته (غير الربحية)، دون أن يعترضه أحداً لأن الجهاز التشريعي لا يقوم بالدور الرقابي، إنما فقط البصمة علي قرارات الوالي. فإيهم أولي البنايات أم البِنيات؟ أخشي ان يتم التعامل مع أموال المناحين بهذه الكيفية.)
إذن لابد من فتح فضاءات تحرر العقول من الفهم المتحجر للحاكورة وتفسح المجال للإستثمار في ثلثي الأرض غير المستصلحة في دارفور حينها يمكن أن نتكلم جدياً عن فك الإشتباكات بين الهبانية والسلامات، الزغاوة والرزيقات، إلي آخره من النزاعات التي إستعرت بسبب الإضمحلال البيئي وليست فقط التعصب الأثني أو القبلي. حينها سيلجأ العالم للإستثمار في السودان مضطراً وليس مُحباً.
في الوقت الذي نفتقد فيه جيلاً للمخدرات وقد إفتقدنا أخراً للحرب (في سنة من السنوات نجح طالباً واحداً من مجموع ٢٣ مدرسة في شمال دارفور)، في الوقت الذي تموت فيه العائدات دون أن تجد طريقاً معبداً إلي مستشفي الولادة (ثاني أعلي نسبة في العالم)، في وقت تتفاجأ فيه البادية بالمحل قبل خمسة أشهر من موعده، في هذا الوقت بالذات ينطلق الموغاوي (ولسان حاله يقول الخشم خشمي والكلام كلام سيدي) مهدداً الزرقة بمقتلة أخري أن هم رفضوا الإنصياع وهو لا يعي أن مثل هذه الحماقة تمثل إدانة تاريخية غيرمبررة وقائعياً ولا ميدانياً. وأنا اعجب من سبع، أين هي المروءة في قتل العُزل؟ من الذي أعطي صاحب اللون الأحرش والوسط الأكرش الشرعية للتكلم بإسم الكيان العربي؟ ما الذي جناه الكيان العربي من الإصطفاف خلف الإنقاذ؟ بمعني أخر حتي متي ستظل القيادات العربية مردوفة للحكومة أو التمرد؟ أما آن لهم أن يوجدوا مخرجاً إستراتيجياً من أزمتهم الوجودية (التي ستتعمق بإنفصال الجنوب)؟ حتي متي ستتغافل المنظمات الإقليمية والدولية عن الدور الحيوي الذي يمكن أن تلعبه الكيانات العربية في إحلال السلام؟ ما الذي يحول دون تفعيل هذا الكيان أخلاقياً، فكرياً وروحياً؟
متما إستحضرنا الاجوبة لمثل هذه الأسئلة، متما وجدنا حلولاً لمثلا هذه المعضلات، متما حضر الضمير إلي منصة الدوحة فإن نائبه في الشر سيتغيب فاسحاً المجال لسلام مستدام، ياهذا الهمام!