تحرك الثورة الشعبية في فراغ سياسي وأقع أنتجته سياسية التحرير الإقتصادي وآليه القمع الإجتماعي: "قصة الجمهورية المتهاوية!"
للكتابة عن الحكمانية والإستراتيجية السياسية الرامية إلي خلق مجتمع حر يمكننا  التعرض بطريقة تحليلية لبعض الخصائص التي تساعدنا في التمييز بين الحكم، الحاكمية والحكمانية. إذا كان مفهوم الحاكمية (والذي يتماهي فيه حكم الفرد المتسلط بإسم المؤسسية العسكرية وذاك المتحكم بإسم المؤسسية الدينية) يعتمد الإمتثال والطاعة فإن الحكمانية تعتمد التنافسية والإختيار كوسيلة للتعاقد وفرض شروط الإنتماء. ثانياً، إذا كانت الحاكمية تؤطر الممارسة في مستوي الإنزال أو الإسقاط للحلول فإن الحكمانية تعتمد السبل التجريبية لإستنباط الحلول وتكيفها علي مستوي الواقع الذي تقرره قوة الدفع الذاتي (القوة المدنية الشعبية) اكثر مما تقرره الممارسة النخبوي الفوقية. ثالثاً، أن مشرعية الحوار وحتمية تداول السلطة الديمقراطية توافقياً تقتضيه مطلبية السياسة الكوكبية الإنسانية العازمة علي نزع القدسية عن الدولة وعن الزعيم وتوزيع صلاحيتهما علي المجتمع حتي يستطيع طرح القضايا من منطلق فكري وليست من منطلق عقدي.
لا يمكن تفعيل مثل هذه المنهجية إلا بالإحتكام إلي الدستور (الذي يمثل إرادة الشعب)، كما يمثل البرلمان هيئته العليا. بعيداً عن التعريفات غير العملية (علمانية، لائكية، إسلامية)، والقانونية غير مستندة إلي رؤي فكرية فإن كلمة دستور تعني الإحكام الإقتصادي والسياسي  لمهمة الإنتقال الوجودي من كوننا جماعة مؤمنين إلي كوننا دولة مواطنين: إنـــسان سياسي لا يتحقق إجتماعياً إلا من خلال إنتمائه لدولة مواطنة، إنسان مدني: عضو في جماعة إنسانية تتجاوز مفهوم الدولة، سيما إن الشعوب قد تخطت بإستشرافها هذه الآفاق الإنسانوية الراقية مطبات الإستقطاب الإثني أو الديني، وهي اليوم تقف صامدة في ميادين التحرير في العالم كله لتقول للطغاة في كل المواقع كلمة ظل دوييها منذ آلاف السنين يهد حصونهم ويؤرق مضاجعهم "متي إستعبدتم الناس وقد ولدتهم آمهاتهم أحراراً؟"
(١)
إن العبارات والجمل التي توصف بها الإنظمة المتهاوية في المنطقة العربية تكاد تكون متطابقة: برلمان صوري، تحالف بين السلطة ورأس المال، تزييف للأرادة الشعبية عبر أحزاب كرتونية، صحافة صورية، جهاز أمن في خدمة ليلي الطرابلسية وذوييها، وغيرها من العلل والأمراض الإجتماعية. لا يمكن أن نفهم هذا التطابق إلاَّ إذا عملنا علي تفكيك المنظومة الإقتصادية السياسية التي تحكم مجريات الأمور في هذه البلاد ومن ثم الإعتبار وإمكانية التفكر في المآل.
تعرض كثير من المراقبين للأسباب التي دفعت الشعوب العربية الأفريقية نحو الثورة الشعبية دون أدني إصطحاب للظروف الإقليمية والدولية التي جعلت هذه البلدان تتحرك في فراغ أحدثته سياسات البنك الدولي (أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات والتي ظهرت آثارها أخريات هذا القرن) الذي سرعان ما يتواري خلف شعار الشرعية الدولية، رغم تعاونه غير المشروط وأحياناً الداعم لآلية القمع "الوطني".
لا أود هنا أن أقلل من مسئولية الطاقم الوطني، لكنني أريد أن أنوه إلي أهمية الإنتباه إلي الخلل البنيوي الذي يحكم طبيعه العلاقات الإقتصادية والتداخل غير السوي وغير العادل بين الدول المتقدمة والدول النامية، بين من يملكون التقنية وسبل تطويرها ومن يفتقرون إليها (يورد ضياء أنس وفكرت سنس أن ثُلثي التجارة في العالم تتحكم فيها ٥٠٠ شركة عالمية وأن ٩٠ من كل الملكية الفكرية تنتمي إلي الدول المتقدمة)، بين من يملكون الطاقة البديلة ووسائل تسويقها ومن تحاصرهم أندية باريس وروما فلا يحسنون فكاكاً من قيد القروض المجحفة التي يحتاجونها للحصول علي مقومات الحياة الاولية، بين من يملكون الإرادة لتقويم مساقهم السياسي ومن يفتقرون إلي الرؤا التي تلحقهم بالركب الإنساني الذي طالما عزَّ عليه البقاء في غياهب الجهل وتحرقت به النفس إزوراراً عن ظلمات الإستبداد.
(٢)
  لعل من الضروري التعريف بالمحطات الرئيسية التي حط فيها قطار الفلسفة الحكمية وهي ثلاث:-  الإشتراكية، الليبرالية الإقتصادية، الليبرالية السياسية والتي يشار إليها احياناً بالحوكمة أو الحكمانية.
عقب الإستقلال (الذي نالته معظم الدول الأفريقية والأسيوية في أواخر الخمسينات، أوائل الستينات)، طغت الفلسفة الإشتراكية التي إتخذت الدولة أداة لتحقيق العدالة والرفاه الإجتماعي، لكن سرعان ما كشفت تدخلات السياسيين وإستتباعهم للموظفين وإستغلالهم لقنوات الخدمة المدنية عن شحوب الدولة كجسم يعتريه ما يعتري المجتمع من امراض. ففي الوقت الذي بدأت فيه الأكاديمية متحيرة، تأرجح المارد متأثراً برياح الحرب الباردة، مما جعل الإدارة الأمريكية (في عهد الرئيس الأمريكي ريغان) تطلق العنان للفلسفة الليبرالية التي لم تعرف التطبيق حتي حينها إلاَ في دولة ذات تفوق إقتصادي وإنفتاح سياسي.
فور إنتهاء الحرب الباردة تبني البنك الدولي سياسة تطبيق - Washington Consensus  والذي نظر له Stiglitz معولاً علي السوق (مع تواجد محدود للدولة) في تحقيق التوزيع المتكافي للموارد مستعيناً باللوائح التي تحكم الضوابط الإجرائية الخوصصة، الملكية، التجارة الحرة، سيما حركة رأس المال. في غياب الإصلاحات البنيوية والمؤسسية التي تضمن الشفافية، تضع أسساً للمحاسبية، وتصمم آلية تُرغم بها آنف المترفعين بأنفسهم عن سدة القانون وعلياء الدستور، فإن سياسية التحرير قد إتخذت مطية لنهب الإقتصاد الوطني وإستتباع مؤسساته الرابحة لجهات أقل ما يقال عنها أنها لا تحمل رسالة إنسانية قدر ما تضمر نوايا ربحية وتستعجل عائد ريعي قد يأتيه من جراء صفقة تجلس إلي طاولتها ولم تؤد بعد إستحقاقاتها المالية ولم تفي ببنودها التعاقدية (عوضاً عن الإنتقال من النقطة (A) إلي النقطة (B)، إنتهي المطاف بالشعوب إلي النقطة (C) التي جمعت سيئتي التخريب الإقتصادي والإستفال السياسي، راجع المشروح أعلاه).
(٣)
لك أن تسأل عن السببية والكيفية التي بيع بها البنك العقاري (الذي ساهم في النهضة المعمارية الأولي)، مؤسسة الأسواق الحرة (مؤسسة إقتصادية وطنية)، بنك النيلين (الأول في التصدير آنذاك)، بنك الخرطوم (الأول في العقار)، بنك التنمية التعاوني (بنك له وظائف إجتماعية)، سودان أير (المؤسسة الرائدة في أفريقيا والتي كانت تمتلك حق توريد الخدمات عبر ثلاثة عشر خطاً)، شركات الإتصالات (التي إستخدمت كافة أصولها ولم يعوض بعد بيعها المساهمين الذين ظلوا يتحملون تبعة ترفيع وتطوير الخطوط)؟ لماذا بيعت هذه المؤسسات التي كان جلَّ ما تحتاجه نظم إدارة حديثة قد تُكتسب بمجرد عقد شراكات تطرح علناً وتعطي فيها أولوية الملكية للسودانيين؟ لقد بيعت هذه المؤسسات ليلاً ولأجانب (لعل بعضهم لم يتشرفوا بزيارتها يوماً)، لكن  هنالك ما هو أخطر إذ أن هذه المجموعة إتخذت التجارة قربي وإنتهجت المرابحة زلفي غير مراعية حق الله في العامة التي تحتاج إلي التدريب الفني، الدعم التقني والمعلوماتي اللازم لتملك وسائل الإنتاج.
في الوقت الذي يصرف فيه السودان "الإسلامي" ٤,٢ % من الدخل القومي علي التعليم (ميزانية ٢٠٠٧)، تصرف مصر "العلمانية" ٦,١٢% ، في الوقت الذي يصرف فيه السودان "الإسلامي" ٧٠% علي الأمن والدفاع لم يتجاوز صرف تونس "العلمانية" ٢%، بل أن صرفها علي التعليم والصحة ظل يعدل صرفها علي الامن والدفاع بخمسة أضعاف.  إذا كان هذا هو حال الدول المتيسرة نسبياً والمتمركزة (المنحصرة جغرافياً)، فما بال الدول المتعسرة والتي لا تملك إلاَّ أن تضمن تدفق الخدمات الزراعية والمهنية إلي المناطق الأكثر فقراً في الريف؟ مقارنة بالدول الأفريقية الأكثر تعسراً (Heavily Indebted Poor Countries, HIPC) فإن السودان يصرف ١٧% من الدخل القوي مقارنة بيوغندا (٧,٨٦%)، تنزانيا (١٢٤%) وموزامبيق (٨,٤٥%). يعجب المرء إذا علم القسمة الضيزي لهذه النسبة علي ضآلتها. بالرغم من أن ٦٥% من جماهير الشعب السوداني يعتمدون علي القطاع المطري التقليدي (والذي ظل البنك الدولي يتعمد إهماله في التخطيط) فإن ٩٠% من الميزانية المرصودة للخدمات الزراعية صرفت علي القطاع المروي كما ان الرعاة الذين يساهمون بنسبة ١٨% من الناتج القومي المحلي يتلقون ٨,١ % من الصرف الحكومي لعام ٢٠٠٧م.
(٤)
إن هذه الأمثلة الصارخة لا تدلل علي تأرجحاً في أمزجة الحاكمين قدر ما تشير إلي خلل في بنية الهرم السلطوي حالت دون التدفق الرأسي للأوامر السياسة والأفقي للشأن الإداري. لقد كان نجاح التجربة الفدرالية مرهوناً بديمقراطية الإختيار،المؤسسية والإحترافية في توزيع المال. أمَّا حق الإختيار فقد وأد منذ الوهلة الأولي لأن المركز رأي في الإستقلالية خلق لمركزية أخري، وأمَّا المال فقد رأت مؤسسة الرئاسة متمثلة في صندوق دعم الولايات أهليتها دون غيرها  في ترتيب الأولويات وتحديد بنود الصرف غير متأسية بالنظم التي حددتها إتفاقيتي نيفاشا وأبوجا ألتي أوكلت الأمر إلي مفوضية تخصيص ومراقبة الإيرادات. في مثل هذه الظروف يفتقر السياسي إلي فاعلية تنموية تؤهله في الحصول علي حد أدني من  الوفاق الإجتماعي، ممّا يفسح المجال للتكهن، يؤجج العصبية ويزيد من وتيرة الخلاف. إن الطريقة غير اللائقة التي أعفي بها وزير المالية الأسبق السيد/ إبراهيم منعم منصور (دون الدخول في التفاصيل الحرجة) لهي أكبر دليل علي أن هناك معضلة في أحداث تمفصل وظيفي داخل الدولة الشمولية ومؤسسات الفرد المنتحل لشخصية الحاكم.
بإعتمادها أسساً إعتباطية (غير موضوعية) فإن مؤسسة الرئاسة قد حابت ولايتي الشمالية ونهر النيل علي مدار سنوات عديدة نورد منها ثلاث متتالية (وذلك بعد إشتعال الحرب وإنهمار المآسي في دارفور والتي يبلغ عدد سكانها أربعة أضعاف السكان في ولايتي الشمالية ونهر النيل (٥٠٦,٨١٩,١ نسمة)، ولاية دارفور الكبري (٤٤٥,٥١٥,٧ نسمة)). بلغ حجم الإنفاق التنموي ١٧% للشمالية مقارنة ب ٥% لدارفور في عام ٢٠٠٦م، ١٠% للشمالية مقارنة ب ٥,٣% لدارفور في عام ٢٠٠٧م، ٤٠% للشمالية مقارنة ب ٥,٦% لدارفور في عام ٢٠٠٨م. إن إزدياد وتيرة الصرف في الشمال وإنتقاصها في الغرب تنعكس مباشرة علي الخدمات الصحية والتعليمية. ففي عام ٢٠٠٠م بلغت نسبة الإستيعاب للتعليم الأساس والثانوي ٣٦% (الشمالي)؛ ١٦%(الأوسط)؛ ٩,١١% (دارفور)، كما بلغت نسبة الطلاب المرشحون للجامعات والمعاهد العليا الحكومية لعام ٢٠٠٠م: ٧,١١% (الشمالي)؛ ٥,٣٥% (الأوسط)؛ ٦% (دارفور). في مجال الخدمات الطبية لعام ٢٠٠٠م ، فإن معدل الأطباء لكل ٠٠٠,١٠٠ مواطن هو كالآتي: ٥,١٠ (الشمالي)، ٦,٥ (الشرقي)؛ ١,٦ (دارفور)، معدل الأسرة لكل ٠٠٠,١٠٠ نسمة: ١٩٢ (الشمالي)؛ ٧٧ (الشرقي)؛ ٨,٢٣ (دارفور).
بعد هذا الإيضاح، هلا سعت النخب النيلية في التبرأ من الجرائم التي إرتكبها ذويهم (مثلما يفعل محمد إبراهيم كبج وشرفاء أخرون) أم أنهم سيكتفون بتزييف الحقائق وتبني الوعي الزائف؟ كأن يقول أحدهم "نحن والله مُهمشين بس ما عندنا غابة". فهنالك فرق بين مناطق غنية (وسط وغرب السودان) أهدرت ثرواتها ومناطق فقيرة لا سبيل لإغنائها ولو أن ترصد لها كافة موارد أفريقيا، وهي لم تزل فاغر فاها.
)٥(
إن إقرار مبدأ الفيدرالية قد هيأ للوزارات الخدمية التخلي عن مسؤولياتها الولائية دون أن تتحصل الولاية النصيب الذي يؤهلها لأداء الخدمات اللازمة في التعليم، العلاج والمياه. لقد أطبق علي المواطن في الريف إذ أن الدولة قد خصخصت الخدمات دون أن تهيئ له فرصة الحصول علي عائد مالي يؤهله للقيام بواجباته تجاه أسرته (النقطة D المتوهمة بيانياً والمستحيلة عملياً، أنظر المشروح أعلاه)، الأدهي أنها قد حررت السوق مما أضعف مقدرة المزارع التنافسية وأقعدته عن مجرد تحصيل الإكتفاء الذاتي (أنظر بوار الفول بسبب الزيوت التي قدمت من ماليزيا أول عهد الإنقاذ والتي عمدت إلي إغناء منتسبيها دون النظر إلي المصلحة العامة). بل إن رفع الدعم لأول مرة في تاريخ السودان عن الجازولين قد جعل تكلفة الإنتاج في الشمالية (التي هي أقرب الولايات نسبياً) تفوق عائدات المحصول. عن أي تحرير يتكلم هؤلاء؟ كيف يكون هنالك تحرير وقد أصدرت وزارة المالية مؤخراً لائحة تحظر بعض البضائع ضاربة عرض الحائط بكآفة التعاقدات الإقليمية والدولية مثل WTO,COMENCA وغيرها؟ كيف يكون هنالك تحرير ومؤسسات الأمن الوطني تحد، بل تهيمن من توسع رجال الأعمال في المجالات التجارية والصناعية؟ (ما لكم كيف تحكمون؟ أفلا تذكرون، أم لكم سلطان مبين؟ فآتوا بكتابكم إن كنتم صادقين). لقد أهلك المولي عاد الأولي (وثمود فما أبقي) بسبب إحتكارهم لمصادر المرعي وإستحواذهم علي وسائل الإنتاج، فما بال من يستخدم الأرض وسيلة لتأجيج الصراعات الأثنية أو تقنين واقع طبقي (مثلما يحدث في دارفور أو حتي في الجزيرة)؟
)٦(
أيما يوم خطبنا فيه أو كتبنا عن التمايز (بمعني التفاوت) وليس التمييز (بقصد إحداث التوازن) إنبري لنا "مثقف" لا يحسن أكثر من المجاهرة بعصبيته ليقول أن المغتربين من ابناء الشمالية قد مولوا هذه الطرق (الإجتماعية) من تبرعاتهم الشخصية، علماً بأن هذه الطرق قد ادرجت في مساق المشاريع المصاحبة لسد مروي والتي بلغت قيمتها ٦,١ مليار دولار، أي تكلفة بناء سد مروي بعد التعلية (مترين لتروي مليون فدان في قلب الصحراء). ونحن لا نستخسر العمران علي أي ركن من أركان الوطن، لكننا نقول بأن المشاريع تدرج حسب دراسة الجدوي السياسية والإقتصادية، إذ أن سوء التخطيط يولد الغبن الذي يحدث بسببه الإحتراب بين أبناء الوطن الواحد مما يهيئ لإستنزاف الموارد المعنوية والمادية للشعب (فالجيش والأمن يصرفان ٢٠% من الميزانية الولائية و٧٠%من الإتحادية). لا يمكن أن يكون لك إبنان: واحد يعاني من شد عضلي، وأخر يعاني من نزيف في الدماغ، فتهرع بالأول إلي الطبيب وتهمل الأخير، دون أن تتوقع إي إتهام بالمحسوبية، الفساد، أو حتي العنصرية. إن كسر هذه الحلقة المفرغة رهين بمعالجة الشطط في ترتيب الأولويات، الأمر الذي لن يتم في ظل قيادة ماسونية عبثت بمقدرات الأمة الروحية، الفكرية، الإجتماعية، بل الإقتصادية التي تمثلت في تجنيب ثروات هائلة (تكفي لإعمار البلاد وإسعاد العباد) وإشراف مسؤولين سياديين علي عصابة لتهريب الذهب (رحم الله ليلي الطرابلسية فقد إكتفت بتهريب طن ونصف ذهب فقط إلي الخارج قدر ما تنتجه أرياب في إسبوع!).
)٧(
إن أي مدافعة مدنية لن تجدي في الخلاص من هذه العصابة (كما سماها أنيس منصور في أول شهر بعد إنقلاب ١٩٨٩م إذ قال "ما هذه إلا عصابة من عصابات الباطنية والجبل الأحمر". هكذا دون مواربة ممّا أغضب الكثيرين من المصريين الذين ثابوا إلي رشدهم بعد أن لدغوا ولات حين مناص)، لأنه وببساطة لا توجد مقومات مدنية، إنما مجتمع قبلي يبني علي الفوارق أكثر مما يراعي القوام المشتركة. صحيح أن السودان في حوجة إلي قيادة جديدة (ومشرفة) ترفع عنه الحصار وتهيئ له سبل التواصل مع العالم الأخر لكنه في مآزق إذ لم تعد لديه قوات نظامية بالمعني القومي أو خدمة مدنية بالمعني الإحترافي أو المهني. من يقود التغيير وعلي ماذا يرتكز؟ الشباب مرتكزاً علي يقظة الحس الوطني وبداهة الضمير الإجتماعي، حركات التمرد مرتكزة علي عنصر الفوضي الخلاقة، أم هذه المعارضة المبتذلة التي تشاكس النظام نهاراً وتضاجعه ليلاً. إذن، فقد نجح النظام في وضعنا بين خيارين: الإستكانة أو الرعب (القادم من الغرب حسب تعبيرهم).
لقد أُهمل السودان بأكمله لصالح قيام دولة شمال شندي، فإذا بها هذه الدولة العتوت تحمل كآفة مقومات الفناء المادي والمعنوي. مادياً، كما لا يمكن لبقعة أن تزدهر في قلب الصحراء، معنوياً، لا يمكن لعاقل أن يأمن وقد أضرم نار العداوة بين الأشقاء (ومازالوا)! فبعد أن فقد النظام مشروعيته الأخلاقية والفكرية، بات يعول علي العنصرية التي أفقدته الجنوب الجغرافي لكنها أورثته دارفور الإجتماعية والتي تساوي ثلثي السودان الشمالي، فهل إلي خروج من سبيل؟ قال قائلهم أنه لا مجال لإنتخابات جديدة، كما أنه لا تراجع عن سياسة التحرير الإقتصادي وهذا هو اللبس (أو التلبيس) الذي إعتمدته الأنظمة العربية في محاولتها للخروج من مآزقها الوجودي (الوجود بمعناه الكياني وليس الديكارتي)، فلا الإنتخابات باتت مطلباً ولا مخازن التموين أصبحت مآرباً، إذ أن الشعوب تريد أن تتحصل رزقها من خلال مناقشتها لشروط الإنتماء للوطن. وهي لا ترضي فرضية التخيير بين الأمن والإسترقاق لأن هذا أمر في غاية الإهانة التي تولي الرد عليها الكليم بقوله "وتلك نعمة تمُنَّها علي أن عبَّدت بني إسرائيل"، بل هو إستهانة بعقول العامة لأن الغبن يؤدي إلي حرب ليست أدل من الحرب التي شملت كآفة  قري السودان بإستثناء الخرطوم. إذن ما يعنيه الطغاة هو قولهم "فليمت الكل (معدل ٧٠ يموتون يومياً جراء الحروب والمجاعات) ولتسلم لنا الخرطوم،" إن هي سلمت!
إن ما حدث في تونس ومصر هو مجرد أزيز مقارنة بالدوي الذي يمكن أن يحدث في السودان الذي فقدت فيه الدولة أمكانيتها علي تحقيق التماسك الوجداني اللازم لبناء الأمة الفاعلة. إن محاولة المزاوجة بين الليبرالية الإقتصادية (التي تؤثر النمو علي العدالة وتنشد الربح فوق الرعاية) وأنظمة الحكم القانونية غير الشرعية قد أفقد المجتمع حيلته في التفاوض عبر السبل الكلاسيكية وحرم الدولة من آلياتها التي كانت تعتمدها لتخفيض البطالة، تحديد رقعة الفقر وترميم هوة التباين الطبقي. لم يعد الخيار ممكناً بين الدولة والمجتمع، أو تبني الاولي لسياسة التحرير وتقرير الأخير لمبدأ العدالة الإجتماعية، فالدولة يلزمها إستثمار الموارد المعنوية والمادية لتحقيق طفرة إقتصادية تُخرج المجتمع من دائرة المسغبة، الدولة هي التي تتبني صياغة العقد الإجتماعي لكنها لا تنشئه، هي التي تهيئ أسس الشراكة بين القطاعين: الخاص والعام؛ هي التي يفوضها المجتمع المدني (المتمثل في القطاعات المختلفة) لمناقشة شروط التعامل وتبيان أسس التداخل مع المجتمعات الإقليمية والدولية. بمثل هذا التعاقد الطوعي إستطاعت رواندا (وهي الخارجة من حرب أهلية طاحنة) أن تحقق اعلي نسبة نمو إقتصادي في القارة، وإستطاعت غانا أن تحقق أعلي نسبة دخل قومي ١٢٠٠٠$.
ستظل الدول العظمي تكابر، وسيظل البنك الدولي يراهن علي وصفته التي أردت كثير من الدول في العقدين الأخيرين موارد الهلاك (حتي تلك الدول مثل مصر التي رأعت التدرج في التطبيق)، وسيشنف موظفو البنك الدولي آذاننا بمفاهيم غير متآصلة عن الحوكمة (أو الحكمانية)، وستداهمنا منظمات عالمية آخري بآجندة تفتيتية (مثل المرآة، الطفل، البيئة، إلي آخره)، وسنضطر للإستماع لكل هذا الضجيج حتي نستحدث نظماً من صلب الإرادة الوطنية التي توكل لمؤسسة بعينها مهمة تطوير إستراتيجية قومية، ترعي أسس التباين النوعي وتعول علي جدوي الإستثمار الفاعل للموارد الذاتية، وتقر مبدأ الحكمانية الذي لا ينظر نظرة موضعية لمعالجة الإقتصاد إنما تكاملية توظف الطاقات الكامنة في المجتمعات (راجع المربعات في المشروح أعلاه).