بسم الله الرحمن الرحيم

  إن الأستاذ الحاج الوراق لهو من الصحفيين القلائل الذين يغوصون بمعولهم في خضم الأحداث فيستخلصون الدرر في يسر يبرزونه للقارئ دونما قمت أو بهرج، إنني إذ أقيد هذه الشهادة أود أن أنتقد جوانب من مقالة كتبها سيادته أبدى فيها إعجابه "برجالة" شيوخ دار الندوة: الصادق، نقد، الترابي وعلي محمود حسنين. أولاً أود أن أقول أن موقفهم هذا (قبول القوات الأممية) لا يختلف عن مواقفهم السابقة -- منذ الاستقلال والتي اتسمت بالنرجسية، النعرة الاستعلائية وضعف البصيرة. إنني أكتفي بطرح الأسئلة الآتية (والتي تكشف إلى حد كبير جنبات الشخصية التنطعية) هل فعلوا ذلك استعظاما لمكاسب سياسية نالها النميري أم استكثاراً لمطالب استحقها إنسان الجنوب؟ لماذا قادوا غزواً أجنبياً فتح علي السودان أبواب الارتزاق، العمالة، العطالة، الدياثه وبلادة الضمير؟ إنهم إذ فشلوا في هزيمة القوات السودانية عسكرياً فقد أربكوا النميري عن الوسطية مما جعله يرتمي تدريجياً في أحضان الامبريالية الإسلامية؟ كيف سولت لهم أنفسهم دعم التمرد برصاص صوبه تجاه الصدور التي انبرت من بعد لحمايتهم في القصر الجمهوري الذي لم يحسنوا إدارته فأسلموهم طوعاً (لا غصباً) لذويهم ومحسوبيهم؟ ألم يتعلموا من كل هذا؟ ألم يئن لهم أن يعرفوا أن التخلص من المستعمر الأسود هو أولى أوليات التحرر الوطني وليست دق الطبول لاستقبال المغول؟ عوض أن يطالب الصادق المهدي بقوات أممية أليس كان من الأجدى أن يسعي لتفعيل معارضته العسكرية معتمداً الإستراتيجية المهدوية والتي أسقطت الخرطوم من الأطراف مستصحبة رؤى وحدوية وآفاق إنسانوية؟ في غياب مثل هذه الإستراتيجية تظل الخرطوم مهددة بثورة دموية صاخبة لأنها اليوم أكثر من أي يوم مضى تفتقر إلى دايالكتك (بين الدولة والمجتمع) يمكن أن يوجه غضبة الفقراء من اجتياح الوجدان والمكان.إن وجود القوات الأممية يدعم بطريقة غير مباشرة موقف الحكومة المركزية لأنه يبدد إرادة التغيير الوطنية بإضعاف أقوى وحداته العسكرية (خاصة بعد أن سرح الجيش السوداني وتم استبداله بمليشيات تعمل لحساب أمراء العقيدة والحرب والمال)، إذا لم نقل الوحدة العسكرية الضاربة -- دارفور-- التي استغلها الوطنيون دوماً وأبداً في التخلص من الطواغيت ومعاشرهم والأنجاس المناكيد.لعل شيوخ دار الندوة يريدون أن يحدثوا توازن بين المعارضة والحكومة يمهد لانتقال السلطة بمسميات ثورية (هي أشبه بلعبة الكراسي) لا تبدل طبيعة التفاعل السلبي التي سودت النخبة بدل أن تجعلها خادمة للشعب. إن استكانة المعارضة يقابلها استنفار غير مجدي من قبل حكومة لم تعد تجسد الروح الوطنية، إنما التخاذلية التراجعية، إذا لم نقل التبلدية التعهرية الفجة.إن كلا الفريقين (المعارضة والحكومة) لم يغيرا مطلقاً في استراتيجيتهما في التعامل مع قضايا الهامش، خاصة دارفور، ولذا "رجالتهم" لا تعني مطلقاً جرأتهم على تبديل المواقف إنما تبلدهم (الرجالة الحقة في المفهوم العامي) في الإبقاء على ذات الخصائص التي أفقدتهم الفاعلية ووسدتهم مرقد التراثية.  إن هذه المجموعات تنظر إلى قضية القوات الأممية من زاوية حزبية (حل مشكلة دارفور، كوسيلة لحل مشكلة السودان)، لكنها إذ تفعل ذلك تهمل أن الأجنبي لن يفوته أن يعقد تحالفات قبلية وعرقية تارة عن طريق الابتزاز النفعي أو الاستقطاب السلبي، تكون بمثابة الكماشة التي تقضم عظم التواجد العربي والإسلامي (بمفهومه الأيدولوجي/ المهدوي)، أو تقصي السلطنات الكبرى التي لم تحتف يوماً بوجوده، خاصة الفور والمساليت وتكتفي بالمجموعات الطموحة الأخرى. إن أمر دارفور (باعتباره إقليم حدودي ما زال جهاز الأمن يمارس فيه عسكرة الثقافة الاجتماعية) غير المجهول-- ذاك الغائب الذي لا يمكن التعويل عليه. وفي الختام فإنني أدعو أهل دارفور لبلورة رؤى تتمشى مع جمع التدخل الإقليمي والدولي غير عابئة بالبيانات الحزبية التي يسعى أصحابها الإبقاء على الهرم العرقي والاجتماعي، الذي سهل لهم التربع على القمة رغم هيافتهم، نرجسيتهم وضعف بصيرتهم.        

  د. الوليد آدم موسى مادبو

  عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.