(ولابـــديل عـن الحــرية!)
إن الحكمة الإلهية التي وردت في جميع الكتب السماوية تقول بأن المرء يحتضر تماماً في الوقت الذي يظن فيه بأنه قد إقتدر. لعل ما قاله أحد المتنفسين من " أن نظام الإنقاذ سوف لن تطوله السنة المغرضين ولو طالت أعمارهم أمد جد أولي العزم من المرسلين ، نوح عليه السلام" يذكرنا بقول فرعون " أليس لي مُلك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ،أفلا تبصرون. أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين . فإستخف قومه فأطاعون ، وإنهم كانوا قوماً فاسقين "
( الزخرف) . إن الطاغوت لا يكتسب قوته من حيويته الذاتية إنما  من بؤس المعارضين وضعف بصيرتهم . إذا أردنا أن نؤثر علي مجريات الإمورودفعيتها فعلينا عدم إضاعة الجهد في المحاولة لإستبدال الضعف قوة ، إنما النفاذ المباشر إلي مواضع الضعف عند الخصم المتهاوي حتماً وجبراً . إن هذا النظام فاقد لأيتها مشروعية أخلاقية وفكرية تؤهله لإدارة البلاد والخروج بها من الأزمة ، عليه يجب أن يبادر قادته ( العقلانيين منهم ) بالتعاون مع القوي السياسية  لإختيار حكومة قومية تحدد أولوياتها كالأتي :
1- إستنهاض همة الوسط السوداني  ( الذي من دونه لا يمكن للديمقراطية أن تستمر ناهيك عن أن تزدهر) ،
2- من خلال فك الإشتباك بين القوي التقدمية والقوي التقليدانية ،
3- الأمر الذي لا يتم إلا بإستحداث نظم مؤسسية ودستورية ،
4- تضمن قيام وحدة سودانية ،
5- مبنية علي أسس أخلاقية وفكرية ،
6- تهيئ لهذا الشعب إستلهام عبرالتاريخ وإستشراف آفاق المستقبل ،
7- من خلال التعامل الموضوعي مع واقع التفاوت الإقتصادي وحقائق الإحتقان السياسي والإجتماعي.
8- متما تعافي هذا الشعب من أمراض العنصرية وأوهام الإستعلاء  العرقي فإنه لا شك سيكون نبراساً لأفريقيا التي لم تزل ذاخرة بالعطاء مذ فجرت الحضارة النوبية أسباب النهضة العلمية الأولي ومهدت سبل التواصل الإنساني بين الشعوب السودانوية.
9- كي يتحقق هذا الأمر يجب أن تتغير الأطر الإعلامية والتعليمية فاسحة المجال للحرية.
10- متوشحة بشعار الإنسانية الأشم  .. الحرية فالحرية ثم الحرية ، ولا بديل عن الحرية!
إن الأرق الذي ينتابني هذه الأيام هو من مثل الأرق الذي يحسه المثقف عندما يلقي بأحدي أذنيه علي الأرض فيسمع قارعة الطبول تستحثه أن يجيب عن سؤال : ما الذي يجب فعله حال وجود فراغ (Power Vacuum)  وقد إعتاد أن يسأل نفسه : كيف يمكن فهم الواقع ؟ وبأي أدوات يمكن أن نلج إلي العمق دون أن نألو جهداً للإمساك بأطناب الموضوع ؟ إنها محنة يعيشها مثقفو دول العالم الثالث ولابد من خوضها ، لكن علي نحو متوازن يجعل الثقافة موجهة للسياسة وليست العكس.
أرجو أن يعذرني القارئ إذا أمعنت في كتابة هذه المسودة علي نهج ( المانفستو) ، سيما أن التحليل في حلقات سابقة يمكن الرجوع إليها.
ماهي الخطوات اللازم إتخاذها لإنجاز ماورد من مهام عشر.
أولاً ،يجب إستصدار قرار بفصل السلطة الزمنية من السلطة الروحية ، مع إلزام كافة الرموز الطائفية بالإقامة الجبرية . هذا الترتيب يهئ للدين أن يكون عقلانياً وللسياسة أن تكون أخلاقية ، إذ أن مايحدث الأن هو وأد لمقدرات الوسط  وهدر لهمة العملاق الذي ظل قعيداً حيناً من الدهر . هل من الرشد أن نقول أن السيدين قد كانا أكثر عقلانية/علمانية من أبنائهم ؟
ثانياً ،إن عجز المجموعات الحداثوية عن تفعيل الأسس الفلسفية والفكرية للحداثة الجأها إلي الإعتماد علي أسوأ ماكينزمات  التقليدانية. أذكر حادثة لبعض شذاذ الأفاق الذين حرقوا جثمان الإدارة الأهلية بمدينتنا الضعين أوائل السبعينات بحجة أنها متبلدة وغير متجددة. إن أولئك النفر هم أنفسهم الذين يسعون  اليوم لإدارة شؤون قريتنا بنفس العقلية وبعد أربعين عام من الزمان ، فهل أصابهم التجدد وبرئوا من التبلد أم هي الأنانية ، النرجسية والغوغائية ( الغوغاء جمع الباعوض) المتمركزة؟ إن إفساح المجال للشباب الذي هو وقود المستقبل لن يكون إلاِّ بإستصدار قرار يمنع كل أولئك الذين تقلدوا مناصب تشريعية ، دستورية أو سياسية حزبية من المساهمة في العمل العام . هكذا ، وبضربة مُعلم نكون أن قد تخلصنا من ظاهرة العهر السياسي التي أعيت من كان قبلنا.
ثالثاً ،إستحداث مجلس شيوخ يضمن للزعامات الدينية والعشائرية حقها السيادي شريطة أن  تمتنع عن منافسة القوي الحديثة في مجلس العموم ( أو البرلمان السوداني) .
رابعاً، إن النظام الرئاسي ( علي الطريقة الأمريكية) يضمن وحدة البلاد من حيث أنه يلبي للريف أشواقه الروحية دون أن يتعرض لمحاولة إبتزاز سياسي كتلك التي شهدناها في الديمقراطية الثالثة. يروي أن شاباً إسمه عرقوب أراد أن يترشح ضد زعيم طائفي ملهوف فأؤما الأخير لجماهيره أن يكتبوا في هتافاتهم (لا مركوب ولا عرقوب عاش......المحبوب).
خامساً ،لقد كانت نسبة الفقر (42% ) عندما جاء هذا النظام وقد بلغت النسبة اليوم (95.5% ) . كيف يفهم هذا في إطار تلكم الشعارات: لا لسياسات البنك الدولي ، القرآن دستور الأمة ، إن التطبيق الحرفي ( الذي تستدفعه نية " أصحاب الجنة " في محاولة الإستحواذ المطلق للموارد ) قد هزئ بالتكامل علي إعتباره المحور الأسمي والأعلي في القرآن . إن حرمان الجماهير من مجانية العلاج والتعليم قد زاد الطاق طاقين وزاود علي الهم همين. عليه يلزم إتخاذ كافة التدابير اللازمة التي تجعل أولوية الدعم لصغار المستثمرين  من المزارعين ، الرعاة والحرفيين الذين تكون أولي أولوياتهم  إدخار مؤونة سنوية لذراريهم ( ولسيت عتاة المجرمين الذين يجعلون صوب أعينهم كسر الجبر لشراء الفلل في Garden City و  Sloane Squareو Mayfair) .
بإختصار ، إننا لن نهنأ حتي نعطي المسكين حقه ونجعل رفاهيته ( وليست رفاهية الحكام ) أولي أولوياتنا .
إن تفريغ الإسلام  من محتواه الأخلاقي والفكري وجعله بمثابة الأسوداية يجعل القرآن حجة علينا ( فإنطلقوا وهم يتخافتون ، ألا يدخلنها اليوم عليكم مسكين، وغدوا علي حرد قادرين  فلما رأوها قالوا إنا لضالون ، بل نحن محرمون ،قال أوسطهم : ألم أقل لكم لولا تسبحون!) " سورة القلم" .
سادساً، بالرغم من مشروعيتها السياسية فإن معظم الإتفاقيات باتت تفتقر إلي سند جماهيري لأن قادتها فهموا أن " السكات رضا " فعمدوا علي القفز  في فوق معاناة الأغلبية الصامتة لتحقيق طموحاتهم الشخصية وأهدافهم الآنية. عليه فيجب إتخاذ تدابير صارمة تمنع أي جهة سياسية من فرض رؤاها عسكرياً علي المواطنين في الجنوب كانوا حيث إستبداد الأغلبية (( Tyranny  of  the majority أو في دارفور حيث إستبداد الأقلية الطموحة والناظرة في إستجلاب السند من وراء الحدود الغربية أو الجنوبية غربية . إن ضعف الجبهة الداخلية وتضعضع الدولة المركزية قد هيئ لإضمحلال الحدود شيئاً فشيئاً حتي ظن الاكلة أن القصعة لا راعي لها.
هذا الخطر لن يدرأه  فقط الحسم العسكري  إنما الدبلوماسية النابهة التي تجعل المجتمع الدولي يوقن بأن سوداناً مبنياً علي أسس عدلية وتوافقية يمكن أن يكون أساساً للإستقرار في المنطقة بأكملها . بغير ذلك ستستحيل الثنائية المخلة ( جنوب متناحر وشمال مكابر) إلي فوضي شاملة تجعل من الصعب إذا لم نقل المستحيل الإستفادة من كافة الموارد المالية ( الثروات ) والمعنوية
( علمنة المناخ السياسي ومن ثم عقلنته).
سابعاً، للخروج من مآزق الحرب المتفاقم لابد من التركيز علي مبدأ التنمية الريفية المتكاملة .إذ أن التنمية تقلل من الغبن الذي هو وقود الحرب المعنوي ، ومن ثم تساعد الدولة علي تخفيض منصرفاتها الأمنية. بالعدم ستظل الدولة تصرف مواردها علي حرب ضروس وهدف ميؤوس ، لأن العبرة التاريخية تقول إن من الأسهل إنصاف الإنسان وليست قمعه . إن الأستاذ محمد إبراهيم كبج يعقد مقارنة بسيطة بين التحويلات الورادة ( ميزانية 2005م) إلي  غرب دارفور
 ( 5.6 مليار ) وتلكم الواردة إلي ولايتي الشمالية ونهر النيل ( 26 مليار) علماً بأن الأولي
 ( 1.75 مليون نسمة) تفوق الثانية ( 1.6 مليون نسمة) من حيث التعداد السكاني بمائة وخمسين الف نسمة ( لا ننسي  إن غرب دارفور أكثر تخلفاً مقارنة بالدخل الذاتي لنهر النيل ) .إن ما يرد إلي الولايات علي قلته لا يصرف علي التنمية إنما يوجه ( 70%) منه الي الأمن ويوجه ما تبقي علي المواهي ومستلزمات الوزراء ، المفوضين والمعتمدين. إن التقسيمات الإدارية غير المبررة إقتصادياً لم يقصد منها تذويب العصبية إنما تأجيجها ، بهذا تكون هذه الترتيبات قد أضعفت الوضع التفاوضي لهذه الجهات في الإطار الكلي مما جعلها في منأي عن مركز القرار. إن اللامركزية لا تعني التسيب الإداري ، وإذا تشابهت علينا المفاهيم  فيمكن أن نسترجع مفهوم ال 7 أقاليم (22 مديرية) من منظور فدرالي. بهذا نكون قد تغلبنا منطقياً ( وليست عاطفياً ) علي مفهوم التوازي وأحلنا مستطيلي الشمال والجنوب إلي دوائر(Symmetrical Arrangement)
ثامناً،  إن المركزية الإدارية نظرياً لا تعني المركزية الثقافية ، كما إن التجارب قد أثبتت عملياً أن هذا البلد أفخم من أن يحتويه  قالب أيدولوجي أو أن تستخفه أوهام نخبة تتعامل إصطفائياً مع الخصائص الثقافية للشعوب في محاولة لدرء الخصائص المتنافرة والإبقاء علي تلكم المتجانسة. بهذا نكون  قد خالفنا قوانين الطبيعة التي تجعل من التدافع ( السوي وغيره) حيلة لإكتساب الحيوية ومن الأمراض وسيلة لإكتساب المناعة . إن ترجمة هذه القوانين ثقافياً وإجتماعياً عله يومئ إلي أن معرفة الأخر هي وسيلة لإثراء الذات.
تاسعاً،  إن العوامل البنيوية والمؤسسية قد حيَّدت إمكانية المثقف للتأثير كما ثبطت همته وأقعدته عن خوض معركة الوعي  . إن العوامل البنوية تتبدي في الإنقسام أفقياً بين فهم إيدولوجي للنص وآخر تأريخي إجتماعي ( حتي نخرج من إزدواجية علماني إسلامي) ، ورأسياً بين ثقافة النخبة والثقافة الشعبية . أمَّا العوامل المؤسسية فهي الإصرار علي منهجية أحادية  تصر علي الإستحواذ بالكلية علي الفضاء الأثيري والإمعان في نفي الأخر من خلال الإنكار ( الواعي وغير الواعي) لحقوقه الدستورية. فما الذي نخشاه من الحرية؟
" إن الحرية يجب أن تعقل ، وكي تعقل يجب أن تطلق......" ( مفهوم الحرية ،عبدالله العروي).إننا بإطلاق الحرية نخشي علي الفرد من التحررالذي هو بمثابة الإنسلاخ في مجتمعات الحداثة ولذا فإنا نلزمه الإمتثال الذي قد يفقده توازنه الإخلاقي والنفسي في المجتمعات التقليدية . إن إفساح المجال للفرد لمناقشة الحدود الأخلاقية التي يراد له الإمتثال بها ينشئ علاقة تعاقدية تحقق علي المدي البعيد توازناً إجتماعياً.إن الحرية تجعل من الفرد شخصاً لأنها تحرر وجدانه وتحرر نطاق توجهاته الفكرية. ليست هذا فقط بل إنها أيضاً تجعل من الشخص كائناً منتجاً إذ تغريه للإنعتاق من الخرافة وتستدفعه نحو الإبتكار الذي من دونه يستحيل السيل إلي جلمود والأفق إلي شاهد مسدود . في محاولته لفحص مفهوم الحرية وتبيئتها ، يقول الدكتور عبدالله العروي إن هنالك حرية نفسانية ميتافزقية ( التحرر من الإغيار) وأخري سياسية إجتماعية
( التحرر من القيود) . إذا كانت التقوي هي أداة تحرير الوجدان علي عهد النبي "صلي" فإنها اليوم تمثل سلطة رضوخ لجهات خارجية (الدولة) أو جهات داخلية ( الإستبداد الذي تسرب إلي النص). إن مجال الإستبداد السياسي للدولة كان ضيقاً ، أما اليوم فإن الدولة تؤسس مركزياً لهرمية عرقية/إجتماعية تحرم الفرد حريته ما تدنت طبقته . ومن هنا نفهم جدلية العلاقة بين ضعف مؤثرات التحرر في المجتمعات العربية وقوة المطالبة بها ( دليل التنمية العربية 2005 م) . نتيجة لسياسات القمع فإن الحرية تتضاءل في واقع الحياة وتتضخم في الذهن مما يحدث أرقاً هو أشبه بالإنفصام منه بالعنت. إن التساؤل حول مفهوم الحرية هو تساؤل حيوي حول علاقة الفرد بالذات، الذات بالمجتمع، المجتمع بالدولة،الدولة بالمجتمع الدولي الكبير. إذن هو تساؤل حول ماهية الوجود وفرض الموجود ولذا يلزم التعامل مع هذا الأمر علي أساس أنه قوت الحياة المتداخلة التي تنشد التوازن وليست ترف ينشده المثقفون .
                                                                                 د. الوليد آدم مادبو
E-mail: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.