هل إستحالت الشريعة في القرن الواحد وعشرين إلي صنم يعبده المسلمون من دون الله؟ ما هو شأن السامري ومن يقوم بدور الوزير هارون؟
د. الوليد آدم مادبو
Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يقول المولي عزَّ وجل مباشرة بعد تبيان حكمة مشروعية الصوم )والتي شملت الآيات من قوله تعالي        "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ" حتي قوله " أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ" في سورة  البقرة(  "وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ". لعل في هذا إشارة إلي أن العبادة مهمة بالقدر الذي تعيننا فيه علي تفعيل المنظومة القيمية التي تعتمد أول ما تعتمد علي حرية الضمير. وإذا أن الحرية الشخصية هي مناط التكليف فقد عزز الصوم دور النفس كرقيب علي الذات المؤمنة التي تناظر المولي عز وجلَّ قبل أن تحفل بالرقيب السياسي أو الإجتماعي "وأعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فإحذروه وأعلموا أن الله غفور حليم". في ظل المتغيرات التي شهدتها البشرية مؤخراً، لا يمكن أن تلزم شخصاً (أو جماعة) بمشروع أخلاقي (أو فكري) دون أن يكون له حق مناقشة هذا المشروع، كما لا يمكن إغلاق المنافذ التي تُسهل له الخروج في حال عدم إعتماده لبنود المشروع أصلاً. بالرغم من غلبة العقل الجمعي، فإن الفردية هي الخميرة التي صنعت الحضارة الإسلامية، هي ذات القيمة التي جعلت المسلمين يعتمدون التكافل محوراً لحياتهم مُعتبرين بالمآل " إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً". وإذ نجح المسلمون، نسبياً، في التواصل الأفقي الذي جسده الإصطفاف حول الإمام طيلة شهر القرآن، فقد عجزوا عن تفعيل منظومة قيمية تربط المجتمع رأسياً بالدولة. وهنا مكمن العجز. كلما تآزم حال مجتمعنا كلما إجتهدنا في العبادة وتوجهنا للصلاة حول مقرئين لا يحسنوا، رغم براعتهم، أكثر من تسكين القلق الوجودي الذي نعيشه. لأنهم ببساطة لا يملكون الأدوات المفاهيمية التي تسهل لهم تفكيك هذا الإرث العظيم وإعادة تركيبه بحيث يخدم مصالح المسلمين في القرن الواحد وعشرين. إذن نحن نعيش إنفصاماً وجدانياً حاداً تظل الأندية والمساجد إحدي تجلياته المكانية. إن الذين يعملون فكرهم بجدارة لايرتبطون بالمسجد، كما أن عَّمار المساجد لايحفلون بالتفكير فيما يشنف آذانهم من بلاغ. إن الله يمقت الرياء لأن فيه بخس للذاتيه وحرمان لفرصة التفاعل الحيوي مع الناس. إن المرء يختار بين مصافين، بإعتباره ذاتاً فاعلة وليست كونه نفساً خاملة، أو فرداً من أفراد القطيع: أفمن يمشي مُكباً علي وجهه أهدي أمن يمشي سوياً علي صراط مستقيم، أفمن أسس بنيانه علي تقوي من الله ورضوان خير أمَّن أسس بنيانه علي شفا جرف هار فإنهار به في نار جهنم، أفمن إتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله. فالفردية إذن غير الفردانية التي هي رديفة النرجسية والأنانية، هي إعتزاز النفس بالإسهام الطوعي في المشروع الخيري للجماعة.
إن الأنظمة الإجتماعية والسياسية التي تسعي إلي التضييق إنما تساهم في إنعدام هذا الحس الرقابي، مما يحرم الفرد محجة التناغم علي ذاته ويورث المجتمع أُناساً يفتقرون إلي الجراءة، يفتقرون إلي المبادرة، ويتحرجون من الإبتكار فلا إبتكار بلا فردية ولا فردية بلا حرية شخصية. النتيجة إننا أصبحنا مجتمعاً نمطياً متلقياً لمنتجات ومنجزات الحضارة الإنسانية، بعد إن كنا فاعلين ومنتجين. لقد إنهزمنا نفسياً وتنحينا عن كآفة قيمنا الإنسانية رغم إدعاءاتنا الكاذبة بأننا لم نزل مجتمعاً مُحافظاً وإننا لم نزل أمة متماسكة. يكفنا النظر في إرثنا الإسلامي كي نعي أن الفردية ظلت هي المحفز الحقيقي للفعل الإرادي (وليست السلطان) علي الصعيدين: الخاص والعام. علي الصعيد الخاص، لقد خلد الأرث الإسلامي قصة بائعة اللبن التي إقترحت علي إبنتها غش اللبن بالماء (فلم يوجد بنسلين حينها)، فإمتنعت الأخيرة علي غشه غيرمستهينة بسلطة أمير المؤمنين التي قد لا تطالها لكنها مراعية لحقوق الرحمن الذي لا يغفل ولا ينام. لم يستأثر أبا حفص لنفسه بشئ قط دون المسلمين، ولكنه رأي في هذه زوجة لإبنه عاصم والتي صارت من بعد جدة لأمير المؤمنيين، عمر بن عبد العزيز (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلاَّ نكداً). علي الصعيد العام، لم يأنف أبا حفص من قول الإعرابي "لو إعوججت لقومناك بسيوفنا"، إنما حمدالله علي أنه أوجد في هذه الأمة، أمة محمد، من يقومه بسيفه إذا حاد عن جادة الطريق.
إن الطواغيت ما فتئوا يحترسون من مثل هذه الجراءة حتي أرخوا العنان لكافة أنواع السلط التي تكاتفت لوأد الحرية الشخصية وتعاضدت لحرمان الجماعة حق مناقشة المشروع الأخلاقي الذي يُرجي منها الإلتزام به. لا عجب أن هذا الإمتثال غير الواعي قد أفضي إلي آفات يتندر اليوم الناس بها ولايعملون علي تحليلها وتفنيدها. إنا لم نعد في حوجة إلي موعظة قدر حوجتنا إلي حكمة تؤرقنا وتبعث همتنا علي التساؤل (إنما العلم السؤال). لقد فاقت الإمور قدرة الواعظ علي الإستيعاب، ولذا فقد لزم إقحام عالم الإجتماع الذي يدرك أول ما يدرك أنك لا يمكن أن تلزم شخصاً بمشروع أخلاقي (أو فكري معين) دون أن يكون له حق مناقشة هذا المشروع، وإلاَّ فالإمتثال غير الواعي سوف يُفضي حتماً إلي آفات. إن ما نستصدر من قوانين يجب أن تسبقها أو تصحبها حملات توعوية تتفاعل مع بذور المشكلة ولا تتعامل مع بثورها. مثلاً، كثف المجتمع المدني في الثمانينات حملته ضد التدخين في الولايات المتحدة بدرجة هزمت كل التحالفات بين الرأسماليين، السياسيين، وإلي حد ما الإعلاميين. فلماَّ أن آيست شركات التدخين من مغالبة الوعي الجمعي المتحضر، ذهبت بخيلها ورجلها إلي شرق آسيا علها تجد ضالتها في شعوب تلكم البلاد. لك أن تقارن بين هذه التجربة وتجربة الشيشة عندنا، فلن تألو جهداً حتي تكتشف أن المقارنة منعدمة لأن السياسيين عندنا يغطون علي إخفاقاتهم في الشأن العام بتتبع قضايا هي من مستحدثات الشأن الخاص. لم يكن من الصعب، مثلاً، إرسال كوماندس مؤخراً لإيقاف القس المهوس ومنعه من إحراق نسخ القران في ولاية فلوريدا، لكنهم حاصروه (وكان الوعي الجمعي أداتهم في ذلك) حتي أرعوي. صحيح أن الحرية خطرة، لكن التعسف أخطر، لانه إلي كونه وسيلة غير ناجعة يحرم الفرد والجماعة من تحصيل النضج تدافعياً و إيجابياً. إن ما حصلناه من نضج في فترة التسعينات تمثل في كفرنا بمخرجات الإسلام الإيديولوجي وإكتشافنا للمسرحية الدينية بدافع التجربة العملية، لكنه نوعاً من أنواع النضج الذي تم تحصيله قسرياً وسلبياً وعلي حساب التماسك الوجداني للشعب. وهنا تكمن قيمة الديمقراطية في تحصيل الوعي الجمعي والترقي تدريجياً عبر مكتسبات وإرتكاسات الإرث الإنساني.
إذا غابت جميع السلط فهناك سوط الرقابة النفسية والسيكولوجية في مجتمعاتنا التي ظلت تغلب عليها صفة القمع والتربص. لكثرة ما رأينا ونحن أطفال من قتل، تشريد، وتصفيد للرهبان والشجعان لم نعد قادرين علي مجرد التفكير ناهيك عن التعبير.
يقول الناصر قريب الله:
ما أنا والديارُ؟ كابدتُ فيها     ظمأَ الروحِ وإفتقارَ الخيــالِ
كل أبــوابِها طــــوارقُ همَّ     بِتْن دونَ الـرِتَاجِ والأقفــالِ  
(مهارب المبدعين، د. النور حمد، ص 281)
لا يكاد مثقف يصدع برأيه حتي ينبري له جاهل لا يجد وسيلة للثأر لجهله من المزايدة علي هذا المثقف في الإيمان والتشكيك عليه في الولاية للوطن، كما تقول أحلام مستغانمي. إذا تكلمنا عن علمانية الدستور كضرورة لحفظ حقوق المسلمين وغير المسلمين (لأن العلمانية لها موقف محايد من الدين بخلاف الدولة الدينية التي تتعامل مع غير المسلمين كذميين)، إنبري لنا حملة الألواح ملوحين بالشريعة ومهددين بالجهاد لأنهم ببساطة لا يدركون أننا لم نعد مجموعة مؤمنين فقط لكننا اليوم أيضاً دولة مواطنين. في الوقت الذي تتهادي فيه المحن علي هذا القطر وتتهدده ويلات الإنقسام والتشرذم يتباكي حماة الأرثوذكسية علي قوانين جل ما حققته تبلم الرذيلة، السوء والفحشاء مع إنتشارهما. لا عجب فهم قديماً طلبوا الدنيا بعمل الأخرة، هم يتشدقون ويتنطعون حرصاً علي مصالحهم وليست غيرة علي هذا الدين. يقول د. النور حمد في كتابه (مهارب المبدعين) "لقد قمعت ثقافة الوسط النيلية المحنطة القابضة علي مفاصل السلطة والثروة كل محاولة إستهدفت الإحياء الفكري والبعث الثقافي الخلاق قمعاً لا هوادة فيه". (مهارب المبدعين، د. النور حمد، ص 350)
وإذ يورد هذا المثقف العضوي البديع الشواهد العديدة علي هيمنة هذه المجموعة فإنه يُعلن عن إفلاسها لأن سؤتها العقلية التي نجحت في مداراتها قرون عديدة قد إنكشفت بفعل "الحراك الكوكبي القاصد إلي رفع نير الإستعباد عن أعناق بني البشر" (مهارب المبدعين، د. النور حمد، ص:58). إن العولمة قد علمنت العقل الإنساني فلم يعد يتقبل الأيقونات إنما اليقينيات التي تستحث الإنسان للمرافعة عن حقوق البشر كآفة. فالدين إذن بمعناه السياسي الإيديولوجي قد إنهزم، أمَّا الدين بمعناه الأخلاقي والإنسانوي حتماً سيزدهر. لسنا في حوجة إلي "شريعة" في هذه المرحلة قدر إحتياجنا إلي بعث أخلاقي، فكري وإنساني. يقول الأستاذ برهان غليون: إن كل ما توصل إليه المسلمون في المستوي السياسي لم يكن الباعث عليه إسلامياً بقدر ما كان عملياً (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا). فالشريعة بمعني المنهاج هي الوسيلة التي يتحقق بها العدل والتي تختلف من مجتمع إلي آخر، وليست قانون الاحوال الشخصية أو العقوبات الحدية التي عمل الفقهاء علي تحنيطها وصبها في قالب قروسطي وفرضها علي المجتمعات كافة.
لقد تتبع د. النور حمد مراحل الإنحطاط في الفكر الديني ليست فقط من خلال التعريف بالفترة السياسية، إنما أيضاً من خلال التشفيف بالجينيولوجية الفكرية التي إتسمت بالتعسف الذي تنكر تلقائياً وتدريجياً لمكونات الثقافة السودانية، وهي كالآتي:
١. الإسلام السناري القروسطي والذي إستحالت فيه المنظومة الفقهية إلي قيمة روحية تسامت أو كادت تتعالي علي الواقع المادي لولا.........
٢. دخول الأتراك وإستصدارهم لمراسيم فقهية لم يكن القصد منها إصلاح الواقع الديني قدر محاولتهم تحويل الفقهاء إلي سلطة مُستتبعة للحكام.
٣. قبل أن نتخلص من مآزق الخلافة الإسلامية جاءتنا المهدية بطهرانيتها وتبسيطاتها الدينية المنغلقة التي أعقبها.............
٤. إستخدام الإنجليز لرجل الدين "المجلبب، المقفطن والممنطق لإضعاف نزعة التصوف" ودعم نزعة الإسلام السني.
٥. لم نكد نتحسس مواطن إستقلالنا ونتعرف علي سمات الدستور الذي يمكن أن يجمع بيننا، حتي إستحوذ علينا لغط الحاكمية الذي كان تعبيراً عن أزمة عاشها المودودي وورثها سيد قطب أكثر منه وصفة حكمية تناسب البلاد وتنقذ أهلها. لم تجد الإمبرالية العالمية بداً من التحالف مع المجموعات الإسلامية لدر خطر الأنظمة الإشتراكية مُستعينة بالدولارات البترولية في دعم هذه الحركات التي إحتلت مركزية القرار السياسي والديني رغم بؤسها الفلسفي والفكري. (لقد بلغ من عبث السلفية الوهابية مؤخراً بالأرث الإسلامي أن عكف دهاقنتها علي إعادة طباعة كتب التراث حتي يتسني لهم حذف كل ما لا يتماشي مع منظومتهم الأيدلوجية، فلم تبرئ حتي كتب بن القيم وبن تيمية من ذلك. وهذا مبلغ الأمانة العلمية عندهم). لقد إنهارت الإشتراكية في وقت كانت البشرية أحوج ما تكون إليها وها نحن قد حللنا بين قرني الثور: إستبداد مادي تحكمه المؤسسات المالية العالمية وإستبداد روحي ترعاه الأرثوذكسية الدينية يتوسطهما الفراغ الفسيح الذي أعقبه الإهمال التام لعقيدة الولاء والبراء.
لا داعي للخوض إذن في مراحل الإنحطاط التي لحقت لأننا نعايش دهراً إستحالت فيه القيم الروحية إلي مصالح مادية، إنتقل فيه الإسلام من حدة الأعلي إلي حدة الأدني -- الذي يتمثل فيه الأتباع المثل الأعلي عجلاً أدني يعكفون عليه إلهاً أسمي وصنماً يعبدونه من دون الله. إن التدابير التي إتبعوها لم تخرجنا من مآزقنا بل عمقت أزمتنا، كيف لها أن تكون نظماً من عندالله (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِين)؟ (سورة الأعراف، الأية ١٤٨)
إن حراس الأرثوذكسية يهملوا بل لا يجرؤا يتكلموا عن الأخلاق بمعناها الواقعي إنما سمتها الهلامية فلا يكاد يميزوا بين الفهم الإصولي الذي يتعالي علي الواقع والفهم التاريخ الإجتماعي الذي يراعي أهمية ما حققه الإنسان من وعي حضاري لزم إستبدال العقوبات الحدية بعقوبات تعزيرية (العقل العربي المسلم، طه جربوع، ٢٠٠٢ م)، والتعامل مع الجريمة بدوافعها النفسية، الفسيولوجية، الإجتماعية والسياسية. فالزاني المُحصن وشارب الخمر المُدمن يمكن أن يُحالا إلي مصحة للإستشفاء النفسي، أما السارق الذي تتسبب سرقته في حرمان الملايين من حق العيش الكريم يمكن أن يحال إلي المقصلة وهكذا دواليك. لا أخالهم يجهلوا أن الأخلاق قد ضُربت في مقتل يوم أن إنحسرت أو إنعدمت الطبقة الوسطي، فالأغنياء أسرف من أن يرعوا والفقراء أبأس من أن يعوا (وقد كان القصد من إزالة الطبقة الوسطي هو تل المجتمع المدني الذي هو بمثابة العمود الفقري للحركة الديمقراطية كما يقول روبرت بتنم، أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفرد). لقد زادت نسبة السودانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر من ٤٢٪ في بداية هذا النظام إلي ٥,٩٥٪. هذا إذا عاينا الفقر علي الصعيد الرأسي، أما إذا إعتمدناه علي الصعيد الأفقي فسنجد قسمة ضيزي حملت كافة أعضاء الريف السوداني علي التمرد عدا الشمالية ونهر النيل (لأنهم متحضرين نسبياً أو غير مُتظلمين!). لقد ظلت الدولة تصرف ٧٠٪ من ميزانية التنمية في بناية سد (سد مروي) علماً بأن حِصتنا في مياه نهر النيل لا تتجاوز ١٨ مليار متر مكعب، مقارنة بما حبانا الله إياه من أمطار يتجاوز قدرها ١٠٠٠ مليار متر مكعب. لو أننا بنينا سدوداً بعرض القطر لإستطعنا الإحتفاظ بهذه البركات ولتدفقت الخيرات علي ٦٥٪ من جماهير الشعب السوداني المُعتمدين علي القطاع المطري التقليدي (الذي تنهال عليه الأن كافة أنواع الحروب والمجاعات). لا أقول سوء تخطيط، إنما عُنصرية فجة ووقاحة متأصلة حرمتهم من الإنصاف ولو أن يستصلحوا الأرض البور (صحراء الشمالية) بما يساوي ٤٠٠٠ دولار للفدان فلن يصرفوا ١٠٠ دولار لإستصلاح الجزيرة، الوسط أو غرب السودان. أما وقد دق ناقوس الخطر، فلن تجدي المحاولات البهلوانية التي يبتدعونها لتحقيق وحدة طوعية، وها هي قبائل التمازج التي تساوي ٤٠ ٪ من التعداد السكاني الكلي وتغتني ٩٠٪  من الموارد الطبيعية للشعب السوداني تتأهب كي تكون قبائل تماس، فيا للحسرة!
إن الغبن هو الذي جعل أهل الشمالية يَرْغَبوا المستعمر (دون أن يناوشوه) وهو يمد خطوطه الحديدية حتي وصل إلي أم أمدرمان ودك دولة المهدية، وركل جثمان قائدها. يأبي التاريخ إلا أن ينتصف لأصفائه، فهاهي الدول الغربية تتربص بصنيعتها الإستعمارية، وتنثر حيلها المؤسسية/القانونية وتمد حبائلها الإعلامية حتي إذا ما إستحكمت حبالها لم تتواني في جر فرائسها. ليتهم صبروا حينها صبر أبوعتمان علي ميتتة وإفترشوا إفتراشه لقدرة. لكن هيهات، إثنان لا يستويان طالب دنيا وطالب دين!
بإختصار، "لقد غابت روح النص وإستحالت الشريعة إلي مصفوفة قانونية (يلوح بها حراس الأرثوذكسية لتخويف الناس) بعد أن كانت قيمة عدلية يتحقق بها التكافل والتكامل السياسي، الإقتصادي والإجتماعي.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني. وأنا منهم"
نأتي الأن لمدلول كلمة "تدلوا" الذي بدأنا به المقال وطوفنا فيه وحوله قبل أن نهتدي إلي مثال. إن جذر اللغة واحد وهو من كلمة دلو والمقصود هو أن الحاكم أو المسئول قد خصه الله بمكانة جعلته فوق الرعية، متما إرتشي كان بمثابة المُتلقي للدلو في قعر البئر، بعد أن كان في أعلاه. لقد وضعنا السيد/ عامر الخياط الأمين العام للمنظمة العربية للفساد، أمام علة التكوين في مجتمعاتنا الإسلامية إذ كشف "أن الدول العربية أنفقت تريليون دولار علي الرشاوي خلال ٥٠ سنة. وقال خياط  خلال المؤتمر السنوي ال١١ للإدارة العامة العربية الذي يُعقد في القاهرة تحت عنوان "الإبداع والتجديد في الإدارة العربية - نحو إستراتيجية وطنية لمكافحة الفساد" عن حجم الفساد في الأقطار العربية: بعض الأرقام عن الدخل القومي للفترة من ١٩٥٠ إلي ٢٠٠٠ تشير إلي أن مجموع إيرادات الدول العربية في هذه الفترة بلغت ثلاثة تريليونات دولار، وتم إنفاقها بواقع تريليون دولار علي التسليح، وتريليون دولار علي مشاريع البنية التحتية والمشاريع التنموية، وتريليون دولار علي الرشاوي المرافقة لصفقات صاحبت هذه المشاريع". (الأحد ٤يوليو ٢٠١٠م، صحيفة الحياة، العدد ١٧٢٥٧).
يتسأل المرء: أين صرف الترليون الأول وقد خسرنا كل الحروب التي خضناها ضد العدو الخارجي؟ لعلنا صرفناها في قمع الأقليات الأثنية والدينية. أين هي البنية التحتية؟ فلا تكاد مدينة عربية تستقبل أمطار لسويعات حتي تنكشف كل علل الصرف الصحي. لعل الترليون المبند هو ذاك الذي صُرف علي الرشاوي. لقد تخطينا قول النبي (لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما) إلي تقسيم الرشوي إلي مذمومة وأخري غير مذمومة. أن نُخطئ، نستغفر ونتوب فنعم، أمَّا أن نبدل معالم ديننا مثلما فعلت بنو إسرائيل فلا.
إن الرشوة أو المحاباة، إذ هي تحالفاً بين السلطة ورأس المال في أعلي مستوياتها (وتسيباً في أدناها) يغري بتخطي النظم الإحترافية والمهنية، مما يجعل المجتمعات علي حافة الإنهيار الأخلاقي، الفكري والروحي، إذ يورثها الغبن، الوهن، البغضاء، التخلف وسوء التخطيط.
إن ما نشهده اليوم في مجتمعاتنا العربية والأفريقية ليست رشوة، بل هي غشوة. فالمسئولين العرب والأفارقة لا يدرجوا أموال البترول، الذهب، الإتصالات، إلي أخره في الخزينة العامة، إنما يتصدقون علي المالية بما تحتاجه من دُريهمات يقمن صلبها بعد غشيانهم لحساباتهم الفخيمة في العواصم الافريقية، الأسيوية والأوربية. بعد ذلك لا يمكن التكلم عن إختلاس موظف للمال العام لأن هذا التصرف جزء من إفلاس وإنهيار أخلاقي عام. يقول أمير المؤمنيين علي بن أبي طالب محدداً لأحد ولاته أسس الكفاية والأختيار في الموظفين وأهمية الرقابة عليهم "قم وأنظر في إمور عمالك فإستعملهم بإختيار ولا توليهم لمحاباة وآثره وتوخ أهل التجربة والحياد ثم أسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم علي إستصلاح أنفسهم وغني لهم عن تناول ما تحت أيديهم ثم تفقد أعمالهم وأبعث أهل العيون من اهل الصدق والوفاء عليهم" (تجربتي الإدارية في السودان، محمد مريود علي إبراهيم، ،ص٢٢).
لا يسبغ الموظف علي نفسه مثلما ما تفعل الإدارات والمصالح الحكومية التي تأخذ رسوماً لا تقرها وزارة المالية ولا تدخل في الدورة المستندية، هي أشبه بأتوات تُصرف علي كبار الموظفين في القوات النظامية ولا تتعداها إلي غيرها. (إن باحثاً حصل علي درجة الدكتوراة عام ١٩٦٠م في علم الزراعة من جامعة كاليفورنيا/ لوس أنجلس يستبدل معاشه بعد خدمة إستمرت ٤٥ سنة بمعشار ما يحصل عليه زميله في القوات النظامية. أهي دونية العلم ام غوغائية الترقي؟). إن المعاشات يجب أن تقننها قوانين ولوائح الخدمة المدنية وليست شاويشية غرتهم البدل العسكرية والهتهم الشارات الحربية عن أداء وأجبهم الوطني فعكفوا علي تقديم بدلات هي أشبه برشاوي تشتري بها همم كبار الضباط.
 لو أننا صلينا بين الركن والمقام الف عام ما أفادنا ذلك يوم الملام إذا لم نعمل علي نصرة العوام. (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَي)، حتي يرجع إلينا ضميرنا الذي هو بمثابة الرافد الروحي للحضارة الإسلامية السامقة فإنَّا سنظل علي صفة الإعتقاد في العقل المُسيس وذاك المجرد اللذان يفقدان الإنسان فرصة الإفادة من التجربة الروحية العملية ويخرج الأخلاق عن دلالالته المعنوية. فلنا أن نتسأل: ماهو معيار النظر في النصوص الأصلية إذا سلمنا بأن الناظر في النص لا إنفكاك له عن مكونات ذاته الوجدانية والعقلية وعن مقومات مجاله التداولي؟ ماهو السبيل لخرق الطبقات التجريبية والمعرفية التي تدرك بها المعاني ذات البعد الرمزي ويتحقق بها النموذج ذو البعد القيمي؟ (الأمر الذي تناوله د. طه عبدالرحمن في كتابه العمل الديني وتجديد العقل).
ختاماًً، لا يمكن لأمة أن تبتكر أو لحضارة أن تزدهر إلا إذا إنتفض الضمير مزدهياً بحيوية الجموع من أفراده ومُحتفياً بقدرتهم علي مغالبة الهوي مُمتثلين طواعية لأوامر الله كما كان حالهم دوماً وفي رمضان، فليكن دهرنا كله رمضان!