"مليار بلا إعتبار
(تعليق علي لمة سبدو)
 مارس 2009م
"بقرت بطنها علّها تتخلص من الأذي، نحر شخصه علّه يتخلص من النقصان". إن إمرآة حبلي حضرها المخاض ولم تجد قابلة تشرف عليها مما إستوجب حملها علي عربة كارو من إحدي الضواحي إلي مدينة أبوجابرة. وهي في الطريق إشتد بها الألم، فإستلت سكيناً من ذراع أحدي المرافقين وبقرت بطنها دون أن يشعر بها أحد. هي لم تك تنوي الإنتحار لكنها بلغت من الضيق قرار. ذلك نموذج من معاناة المرآة الدارفورية (عربية كانت أم زنجية). وذلك ما تترسب إليه كل القرارات والسياسات. بغض النظر عن التوجهات الإيدولوجية والعقائدية، فالسؤال هو إلي أي درجة إستطاعت الحكومات  أن تخفف من معاناة الإنسان وأن تصبو به نحو السمو والعلو؟ فإن الإنسان هو ثروة روحية في المقام الأول قبل أن يكون خامة مادية، فقد خلقه الله بيديه، نفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة، فوجب إحترام هذا التوازن لأن الإخلال به يضير بإحدي الطرفين. إن الإنسان يجب أن يتوفر له الحد الأدني من سبل العيش الكريم حتي يتسني له القيام بكامل واجباته الدينية والوطنية. وإذا ما إعترضت مسيرته ظروف طارئة إلتزم الصبر لا السكون إلي عبارات قدرية ولكن إعمالاً للسلوك الشرعي الذي يقتضي تغيير القدر من وأحداً إلي أخر أفضل.
جاءت "ثورة الإنقاذ" فإستقبلها بعض أهل السودان وإستبشروا بها خيراً علّها تنقلهم من تسيب وبطال الطائفية إلي حزم وقرار المجموعة الإيدولوجية، وإن كانت هي الأخري دينية. لكن الناس سرعان ما أيسوا من حكوماتهم  إذ باتت التنمية إمتيازاً يناله المقربون وليست حق تقتضيه ظروف المواطنة "غير المتساوية". من هنا نفهم الطبيعة الزيبقية للنظام السياسي في السودان. إن البشر لا تتغير قناعتهم كأفراد لكنهم كجماعات يبحثون عن الجهة التي تحقق مصالحهم الحياتية و المعيشية. المشكلة تكمن في أن القادة لا ينتبهون إلي هذا المنطق الظرفي الأني، وإن هم أدركوه فأنهم يسعون للخروج من المطب بصرف الناس إلي غايات آخروية. لقد كان من الاجدي مكاشفة الجمهور منذ اليوم الأول ومناصحته حتي يعي بالتجربة أن البلاد تُنمي وفق خطة قومية لايكون فيها محاباة، إنما ترتيب للأولويات حسب الإمكانيات.    
لقد رتبت الدولة أولوياتها منذ اليوم الأول (وهي بذلك لم تشذ عن النموذج الكولونيالي) فعمدت علي تنمية المثلث الذي عُرف في ما بعد "بمثلث حمدي"، وكلما تقلصت الإمكانيات توجهت توجهاً حثيثاً نحو رأس المثلث أي البقعة الجغرافية التي يقع فيها سد مروي والمشاريع المصاحبة.  يُفهم هذا التصرف في إطار التفكير الإستراتيجي السياسي والإقتصادي، لكن الذي لا يمكن تبريره هو إصرار المسؤلين فيما بعد علي إستصلاح الأراضي الصحراوية المجاورة والذي يبلغ تكلفته 2000 دولار للفدان مقارنة ب 100 دولار في دارفور وكردفان كما تقل إنتاجيته بمستوي الخمس. كنا نتوقع أن تتعدل الأولويات، خاصة بعد ان أطلت علينا كارثة دارفور ببعدها المآساوي، لكن ذلك لم يحدث. ففي الوقت الذي يعاني فيه إحدي الأبناء بنزيف داخلي، عمد الأب علي إصطحاب الإبن المصاب بشد عضلي إلي الطبيب. لقد عوضت الدولة المناصير ببنايات، شفخانات، مدارس، محطات توليد، وفوق ذلك معونة مادية تبلغ الألفين جنيه ولا يزال بعضهم يتمنع وذلك حق يكفله الدستور، ولوائح حقوق الإنسان. وعندما عَرض طارئ لم يعابئ الإبن النبيل أباه إنما قرر الوقوف معه في محنته حتي تزول، فحتماً سيأتي يوم يكون فيه التلاوم وتزول فيه الضغائن والإحقاد. 
من هنا جاءت فكرة "سبدو"  وتم الترتيب لزيارة الرئيس لها (أو هكذا أظن). لأن "سبدو" دوماً كانت محطة لتجدد الروح القومية، لكن وفق إستراتيجية محددة (....1،2،3). يُخطئ الساسة إن ظنوا أن هذا التأييد هو تأييد مطلق يمكن توظيفه وإعادة إنتاجه ليخدم غرض التمديد. فهنالك فرق بين الوقفة الوطنية وتلكم السياسية (الأولي مشروطة والثانية مسببة). لقد قال السيد وكيل ناظر الرزيقات، محمود موسي إبراهيم، إن الرزيقات هم "دروع البشير" ، لكنني لا أعلم حتي هذه اللحظة عن جهة أعلنت علينا حرباً. وإن كانت من إجترأت  فمن أي الجهات هي قادمة       (شمال، جنوب، غرب، إلي آخره)؟ إن كنا نتوهم فذلك شر لأن القيادة ينقص قدرها الإرتباك، وإن كنا نستيقن فيلزم علينا التوخي لأن النبي (صلي) يقول: (لا تتمنوا لقاء العدو ولكن إذا لقيتموه فأصبروا). إن الرعية يمكن أن تقي الراعي الحرور (وقائع النار) بإسدائها النصح إليه. كان حريُُّ بالقيادة القبلية أن تقول : المساليت والفور جزءاً لا يتجزأ منا، يُحزننا ما يُحزنهم ويسؤنا ما يسؤهم فإن كان ثمة نصح فعجلوا بحل المشكلة، فإنه لا يرضينا أن يقبعوا في هذه المعسكرات إلي الأبد. إتخذوا ولو  خطوة واحدة تجاه الحل، وذلك بإقامة الحوار الدارفوري الدارفوري . إفسحوا لأهل دارفور فرصة  التفاوض فيما بينهم والتوافق علي صيغة مرضية تُخرج  الإقليم والبلد كآفة من الأزمة. هذه مهمة ينتدب لها النابهون والنابهات الذين يجلهم شعب دارفور كما تجد شوراهم ورؤاهم مرسأ في قلب كل عدول. هذا هو شرط البيعة وإن كنت لا اؤمن بهذه المفاهيم القروسطية. أما الإنتخاب فيلزم قبله جرد الحساب. حتي هذه اللحظة لا يوجد مشروع إستراتيجي واحد في ولاية دارفور الكبري، بل إن ميزانية 2005م و غيرها تشير إلي أن ولايتي الشمالية ونهر النيل يأخذان من حصة المركز 4 أضعاف ما تأخذه ولاية غرب دارفور رغم أن الأخيرة تفوق الأولي من حيث التعداد السكاني ب 150 الف نسمة. مما ينعكس سلبا ً علي الخدمات الصحية والتعليمية. يوجد 1,6 طبيباً لكل 100,000 نسمة، مقارنة ب 26 طبيباً في ولاية الخرطوم. أما الفاقد التربوي فنسبته 11,6 في ولاية الخرطوم مقارنة ب 60,4 في ولاية جنوب دارفور (2001م).
 إن المناسبة لم تكن لتحوج الرئيس للتكلم عن التنمية فإن قاطني محلية بحرالعرب من أهل مدرٍ لا يأخذون علي المعروف شيئاً، لعّل سيادته تذكر الوعود التي وعدها إياهم عام 1992م عندما إستقبلته البادية بمائة الف فارس يحبوهم الأمل بأن تنتهج النخبة نهجاً قومياً يُثبت أوتاد الوطن ويشد رباطه.
إن النخبة لم تجد صعوبة في إستنفار الناس رغم ضيق الوقت وشح الموارد لكن الغريب إستخدامها لشعار تقرن فيه ما بين الدعاية والولاية فهم ما برحوا يرددوا     "أوكامبو دعاية الضعين ولاية" حتي أستوقفهم  الرئيس شارحاً لهم أن هذا الأمر قيد الدراسة حيث أنه يتطلب مخرجاً دستورياً ومراجعات بحثية. وإذا سألتهم ما هي جدوي الولاية؟ ما الذي يمكن أن تحققه من نقلة حضرية في حياة المواطن تعللوا بالتنمية. لا أعلم (كمختص في التنمية الدولية) عن أي ولاية في العالم ولو أن تكون ولاية إيلينوي (في الولايات المتحدة) يمكن أن تُقوّم بنية تحتية أو أن تُشيد مشاريع إستراتيجية بمفردها. فإذا نظرنا إلي مشروع سد مروي الذي بلغت تكلفته ملياري ونصف (دفع منها السودان النصف) نري أنه قد شُيد بموارد كآفة السودان، بل الأجيال القادمة نسبة للمدة الزمنية التي تتطلبها مقتضيات السداد.
    غير ما قد يحدثه هذا التقوقع الوجداني في شأن الإستقرار السياسي لدارفور، إذ أن زعامة الرزيقات، بما لديها من آيادي بيضاء وحكمة غراء لعبت أدواراً عبر التاريخ في إحتواء الأزمات لاسيما المآساة الإنسانية الأخيرة. إن تقليص نفوذ هذه القبيلة يصادف هويً في نفس الحكومات (التي إستهدفت وحدة المسيرية من قبل) والنخبة التي تريد أن تجعل منه كياناً عروبياً خالصاً بعد أن آيست من التفتيت والتشتيت. و إلاَّ  كيف يجرؤ مستشاراً لرئيس الجمهورية، الذي هو رمز السيادة الوطنية، علي المجاهرة بالعنصرية فيزعم أن النازحين (الزرقة) لا يحق لهم إمتلاك أراضي في "دار الرزيقات"؟ كيف إمتلك هو أراضي في نيالا، عطبرة والخرطوم؟ هل أصبحت مصلحة الأراضي تابعة للمخبرين (غير الرسميين)؟ أم هي البلطجة، الفذلكة والمحاولة لخلق بطولات وهمية! ألم يكتفوا بما حققوه من دمار ستعاني منه الأجيال؟ ألا تستوجب مثل هذه الفعلة عزله ومحاسبته؟ اليست لديه مكتبة ينصرف إليها بالإطلاع حتي يشير إلي الرأي مسنوداً بالحجة العلمية والموضوعية؟
     إن المنطقة الشرقية، منطقة الضعين ونواحيها، هي من أغني المناطق قاطبة، لكن الولاية تستحوذ بمدخراتها، مما يجعل أهل المنطقة يتذمرون. الأدهي أن الولاية تتصرف في الأموال المحوَّلة من المركز والمدرجة للصرف في مشاريع محددة. ولنأخذ مثال مشروع  أم عجاجة الذي صُرفت ميزانيته (التي تتجاوز 3 مليار) في بناء المجلس التشريعي بولاية جنوب دارفور بنيالا. إن مثل هذه الخروقات لا يحسمها التشظي الإداري  إنما يضع حداً لها جهاز تشريعي صارم يمنع الولاية من التغول في شؤون المحليات. إن التوسع الإداري لا يمنع بل يحفز النخبة علي تحميل المواطن التبعات المالية للحكومة والبرلمان الولائي الجديدين. دعك من الحديث عن أهلية المرشحين!
إن فكرة الولاية لا تصمد أمام أي نقد علمي، لكنها إستخدمت كشعار "motto"   وقد نجح. لكنه لم ينجح لأن القوم بلهاء، بل بالعكس لانهم نبهاء – إنهم يتعاملون بواقعية هي الأقرب إلي إنتهازية الحكومة الولائية التي لم ترع حرمة لسمعة القبيلة ومآلات الإستثمار الطفيلي للتراث. إن الحشد سيثبت للوالي قدرته علي التعبئة الجماهيرية لا التفاعل مع الجمهور(قبح الله زماناً يلعب الوالي فيه دور القومابي)، ويهئ للنخبة فرصة الحصول علي بعض الفتات (من منطق "دار أبوك كان خربت شيل ليك منها شليلة").
كل هذا لا يهم إذا حفظت الولاية للمواطنين حقهم الادبي، بعد أن أضاعت أو لغفت إستحقاقاتهم المادية. لقد جاءت الإساءة المعنوية للجمهور وللقيادة علي النحو التالي:-
لم تجر الولاية أي مشورة مع أعضاء الجهاز التشريعي سواءً بالولاية أم بالمركز، فإن الزفة حدث هام وكبير يلزم إستثماره ثقافياً، إجتماعياً وسياسياً.
 لقد أعطت المحلية القيادات الأهلية مهلة ستة أيام للإستعداد لحدث يستوعب طاقة المجدين من الرجال والنساء لمدة ستة أشهر. فلا عجب أن مكث بعض الضيوف جائعاً وطفق مغاضباً لإحسانه الظن بأهل هذه الديار.
لم يشجع الوالي الرئيس (وقد ذكر أن الأخير كان متحفزاً) للمرور علي الأصحاب الذين كانوا علي صهوات الجياد منذ الخامسة صباحاً حتي مجئ رئيس الجمهورية في الساعة الواحدة ظهراً، بل أقنعه بمجرد المشاهدة من فوق المروحية. لو كان حيمادياً حقاً لعلم أن الخيل (كما النساء) تؤتي من نحورها ولا يستغني عن ظهورها.    إن الوالي المتعالي قد عجز عن التعامل مع معطيات الواقع الثقافي والإجتماعي فإنصرف إلي  إستيراد فرقة (موسيقية) تنشد "خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود"،"هي لله هي لله ، لا للسلطة ولا للجاه"، "جاهزين جاهزين لحماية الدين". أي دين بقي لنا بعد قوله (صلي) (لهدم الكعبة حجراً حجراً أهون عند الله من قتل أمرئ مسلم؟). ألم يقل النبي (صلي) " المسلمات بناتي"، كيف إجترئنا علي بناته (صلي) فأخرجناهم من ديارهم و أموالهم ومع ذلك نستنكف من مجرد الإعتذار لهم، بل نكابر. إن جاهزيتنا يجب أن تنعكس في شكل الإداء وإرجاع الحق لأهله، فهذه أول مراتب التوبة وأن يتبع ذلك بإتخاذ مسافة مادية ومعنوية من المجرمين لحد قوله تعالي"يا أيها الذين أمنوا إتقوا الله وكونوا مع الصادقين". وأن يتم مخاطبة البشر وفق منهجية علمية، تمنع التائب الملتزم من إمتثال قول المشركين "ليس علينا في الأميين سبيل" منهجاً لإدارة البشر. "بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ " (سورة ال عمران- الأية 76) 
 إن هذا الشعب شعب متميز فلماذا لا تصدقه النخبة؟ لماذا تبادله الوفاء بالغدر، والتفاني بالتجني والعزيمة بالتراخي؟ إنَّا إذا إستمرآئنا هذا الأمر فحتماً سينقلب الحال: فاليوم شعب بلا قادة وغداً قادة بلا شعب.
إن شعب دارفور شعب متدين يستبطن عقيدة الولاء والبراء ويأنف من المتاجرة بها شأنها شأن أي أمر عٌقدي يستوجب الإخلاص الذي يُجلي الرياء بتعمد الخفاء. إن السلطان تاج الدين لم يحتاج إلي فرقة موسيقية تستحثه الدفاع عن ارض ابائه و اجداده ، بل نحاس يُشهد بنات دارجيل علي شجاعته وعزمة بأسه.
ياتاج الدين
يا تاج الدين
مازال عداتك مختبئين
ايديهم راعشة ....ورصاص بنادقهم
يتزاحم فى بطء نحو جبينك
يافارس خذ حذرك
من طعنات ..طعينك
يافارس خذ حذرك
يافارس خذ حذرك...........( من قصيدة الفيتورى .. مقتل السلطان تاج الدين) 
ليست هناك من هو أكفأ منَّا أهل الغرب حتي يُعطينا دروساً في الوطنية، بل السؤال المُلح الذي يلزم ان يرد عليه مثقف الشمال الإسلامي النيل الوسطي، هل تندفع دارفور معصوبة العينين نحو القومية إلي درجة تتعامي فيها عن أدني حقوقها الإنسانية؟
لقد إعترض غيغم (لاكسبه الله) غنيتنا الزمان (رنة كور مقلة):
راكب مهير بحجله السروعة رجلة
البيابا الموت خلي يجلي
*******
أم رقبة هوي خيلنا الليل سرنو
وطير الجو غدنو
*******
الجينا لي ورونا ليه
والقد الموالي الخيل ورونا ليه
*******
إن الوالي المتعالي لم يكلف نفسه شكر اللجان التي عملت بهمة لإنجاح الحدث ، بل لعله آنف من مجرد ذكر الرجال الذين رسخوا دعائم الحكم في تلكم الديار. لقد كان حرصه علي تعريف عروسه بالرئيس أكثر من حرصه علي تقديم الاعيان الذين يمسكون بزمام الإمور في بلد يفتقر إلي كآفة المعينات. ألم يكن من المجدي تكريمهم بالإستماع إليهم والإصغاء إلي حكمتهم؟
و إذ عجز الوالي المتعالي عن التفاعل مع معطيات الواقع الثقافي، فهل فاته أن ينبه السيد رئيس الجمهورية إلي ضرورة زيارة النازحين في معسكر "النيم" (77,000 نسمة).  فإن في ذلك مواساة لهم في محنتهم. إن هؤلاء لا يكنوا كرهاً لأحد، فهم لم يتعرضوا لمحاولات الإستقطاب السياسي والإيديولوجي الحاد الذي تعرضت له معسكري "كلمة" و"أب شوك". إن عجزنا عن كسر جبر الكرامة الإنسانية يصعب علينا مستحقات السيادة الوطنية، بل يجعله مستحيلاً. كيف يبرر الوالي المتعالي صرفه لما يفوق المليار (1,200 حسب التقديرات غير الرسمية) دونما إعطاء أدني إعتبار للنقاط الخمس السالف ذكرها؟
ألم يكن من الاجدي صرف هذه الاموال في تاهيل المحليات، حفر الآبار سيما أن الضعين عطشه هذه الايام، تشييد المدارس والشفخانات، خاصة أن الحدث قد إفتقر إلي أدني مقومات الزفة (فأصبح عبارة عن لمة) وهي كالأتي:-
إحداث تثاقف حيوي بين كآفة الفاعليات تنعدم فيه الحواجز ويزدهر فيه التواصل فيكون التعارف بمثابة الموجه الأخلاقي "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثي وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا"، الفكري والفلسفي للمشروع. لعل القارئ يدهش إذا علم أن سبدو هو أيضاً وادي في تونس. انظر ما يتركه المكان من آثر في جنبات الوجدان!
إفساح فرصة للنُظار، الشراتي، العمد، الملوك والسلاطين للتفاكر في شأن الأمور العالقة، فلا يكون ذلك مختصراً علي أهل دارفور بل يؤتي بالنبلاء من كآفة أنحاء القطر. قبل ان نتخلص من النخب الطفيلية التي طفحت في زمن الإتحاد الإشتراكي رذئنا بمجموعات فهمت الثروة علي انها ثراء والسلطة علي انها إمتياز (شخصي). عوضا عن أن تكون إنفاذاً للقرار قاعدياً (بالإستماع إلي صوت الشعب) أضحت السلطة تجييراً فوقياً لصالح التوازنات والتكتلات المدينية.
تقديم مبادرة تسهم في التفعيل الحيوي لكافة قوي المجتمع المدني الدارفوري، سيما القبائل العربية التي أصبحت رديفة للمؤتمر الوطني. لقد أصبح العرب (عرب دارفور) خاذوقاً  فلا هم إنضموا للتمرد فيظفروا بدولة يتوافقوا فيها مع أخوتهم  ولاهم نالوا شهادة تفوّق (بمعني الصفاء عرقي) من النخبة النيلية؟ وليسئلوا أنفسهم هل هم أحرار؟ هل هم عرب بالمعني القيمي أم بالمعني العرقي؟ أم أنهم نحروا شخصوهم للتخلص من العذاب النفسي، مثلما فعلت صاحبة المخاض فإن للذات بنين وبنات.
ختاماً، إن البشر ثروة متما أهملت إستحالت إلي أضاد وإذا وظفت ولدت طاقات. لقد جاء أحدهم لهفاً للقاء الرئيس، لكنه ما أن تجاوز مدينة أبومطارق حتي إنقلبت سيارته مما أودي بحياة طفليه. أمَّا أحدهم فقد طعن نفسه معبراً عن حقه في الإنتماء (بمفهوم هو منا ونحن منه) وذلك بعد أن إستوقفه الحراس مما دفع بالرئيس للحاق به وإحتضانه قبل أن يُسعف. هذه كلها تجليات لمواقف إنسانية نبيلة يمكن أن توظف لصالح البناء الوطني. لكن هيهات فإن النخبة قد إنفضت مباشرة بعد مغادرة الرئيس وكأنهم "قرقاجة لمتم بوطة". حتي إنهم لم يهتموا بالوزير الصادق محمد علي حسب الرسول والذي كان تكريمه نواة لفكرة الزفة. ولئن فاتني أن أقول كلمة في حقه فلن يفوتني أن أثبث قيمة من أصله. إن الرزيقيات لم ينجبن بعد الدكتور/ آدم مآدبو رجلاً أفضل وأبرك من الصادق محمد علي حسب الرسول (ولذا لزم تكريمه من دون السياسين) ففيه وقار الكهول وحيوية الشباب، ومنه ينضح حياء العذاري وجسارة الشجعان. لقد كان أبوه إنصارياً ورعاً، أدبه فأحسن تأديبه، وشذبه فأحسن تشذيبه فلم يكبر حتي تجلت فيه سمات الصلاح وإستبانت فيه معالم التُقي "والبلد الطيب يُخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يُخرج إلاَّ نكداً". فهنيئاً لنا ولكم هذا المثال وطوبي لشعب تُكرم ولا تُهان فيه الرجال.