(روائــيــة الــقــاتل الـخـائـف)
إنتابني حزن عظيم وانا أري السودانيين وهم يشتبكون بالأيادي صبيحة الإعلان عن قرار المحكمة الجنائية، لم يكن حزني نابعاً من بدائية الشعوب العاطفية (أوعاطفية الشعوب البدائية) وما سببناه من حرج للحضارة الإنسانية وإن كان كل ذلك يختلج دواخلي، لكن الحزن كان اكبرعندما أيقنت بأن هنالك رؤيتان منفصلتان لوطن لا يدري أحدُ حدود التماهي أو الإنفصال فيه. كيف عجزنا عن التعارف علي ميثاق نَعلي فيه من قيمة العدل، فيرفع صاحب المظلمة مظلمته دونما مراعاة لتدني طبقة، صولة دين، أو نباهة عرق إنما وثوق في حكمة الناظر وجلاء المنظور؟ ألم يقل الله تعالي "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (سورة النحل –الآية 90). لقد أعلي الله من قيمة العدل فذكره أولاً، فكان الأثني، وشجب الظلم فذكره أخراً فكان الأدني.
*********
 وإذ هي تبدو منهكة فقد إختارت حمدة أن تجلس إلي جانب الكمكلي (الخياط بلغة دارفور)
 الذي أعانها بكوز ماء شربته وهي ميمنة صوب الحائط. لم يمنعه الإعراض من الفضول كما لم يمنعها الحياء من الإجابة.
العم جادين : إلي أين تذهبين؟
حمدة : إلي القاضي أشكو زوجي الذي أبرحني ضرباً وأوسعني شتما ولم يهتم بعيالي وهم ينظرون ولا إلي الجيران وهم يسمعون.
العم جادين : ومتي كان القضاة يهتمون بأمرالنساء؟
حمدة : منذ أن زارهم مدير المديرية الذي قدم الخريف الماضي من أنطاكية.
العم جادين : لقد عُرف عنه التلاعب بالقضايا والتخوف من الخبايا.
حمدة : سأصطحب معي عمدتي وبني جلدتي.
العم جادين : خذي معك عطية وحيماد وكل من جاء به راشد الولاد!
*********
القاضي : هل هذه زوجتك؟
الزوج: هي تساكنني في الدار، وتنجب لي العيال وتخفف عني وطأة الليل والنهار.
القاضي : ماذا تقول في هذه اللكمات وتلك الألفاظ النابئات؟ هل يفعل رجل مثل هذه الفعلة بزوجته؟ ألم يوصي بهنّ سيد الوجود والسبب الاعظم لكل موجود؟ السنَّ شقائق الرجال و سَّدَات الكمال ؟
القاضي يسمع جلبة بالباب فيستوضح العسكري الذي يخطره بانهم أفراد القبيلة. يُدخل القاضي الشهود ويَبقي من ليس له صلة بالباب يتذمرون، لكن العسكري يُقنعهم دون جدوي بأن الكثرة والجلبة لا تُغير في حيثيات القضية.
الزوج : الألفاظ خصلة في عائلتي، أمّا اللكمات فمن أثر المساحيق،
الزوجة (معترضة) : وهل يوجد (لوشن) في "كروجيك"؟
الزوج : من أين لك بمعرفة الإسم؟
الزوجة: من زوجة مدير المديرية.
القاضي: لماذا ضربتها وكيف؟
الزوج : سيدي... سأبني لها بيتاً في المنشية... يالها من فضيحة إجتماعية!
الزوجة : أين هي تلك الضرة الغبية (حمدة تقصد المنشية)، من يحلو لها الإقتران بكاضب مثلك؟
الزوج : النسوان بياخدوهم بالكضب وبيمسكوهم بالنجيضة!
القاضي : ما كان أوله إفك فأخره إفك، لكن اين هي المنشية؟
الزوج : في رأس المثلث، الذي إختطه الفرنجة أواخر التركية.
القاضي : هل يجبر هذا كسرك يا حمدة يا بنت الأُصول يا ست الجمال والطول؟
الشهود : يامولانا يرضينا.
الزوجة : أنتم لا تعرفون هذا الرجل.
القاضي : ياقائد الإسطول ياصاحب البهاء والنور ...قصر في المنشية أم نصرة في القضية؟
الزوج : كيف تجترئ علي مغازلة زوجتي؟
القاضي : وهل رعيت لها حُرمة يوم أن غبنتَّها فتدافعت بالأبواب فوقفت تكلم كاتب العرائض، إستعانة بالشهود، وقدمت الميسور منها لمراجع العقود؟
*********
إن الإختلال القيّمي الذي عانته "كروجيك" من جراء التداخل مع القري المجاورة، التعرف علي مفاهيم عدليه مغايرة، إكتساب خبرات إنسانية متباينة من خلال المشاهدة للأطباق الهوائية التي تعرض المستضعفين يتذمرون، تارة يُقهرون وتارة ينتصرون. كل هذا قد أربك القادة الذين لم يحسنوا الإعتراف بعجزهم فظلوا يتكلمون لغة جديدة بمضامين قديمة، يركبون جملاً سليمة بغاية سقيمة، يئتلفوا ويختلفوا، يتضرعوا و يضجروا، وكلهم يتفادي جوهر القضية الإنتصار لحمدة المِحْمدية. إن الإنتصار للمستضعفين حمية لا يضمرها إلاَّ المخلصين لأن به تنعدم العنجهية ويضمحل التفاوت.
*********
الـــســودان.... ذاك بلد إنحسر في عالم الحس وتضخم في فضاء المعني. فهنيئاً لكم الإنحسار وجبراً لي الإندثار.
لكم سودانكم الذي تستمدون فيه شرعيتكم من الخوف، ولي سوداني الذي أستمد فيه الشرعية من الوجل (والحب معاً).
لكم سودانكم الذي تعتمدون فيه الإلتفاف حول الحقائق وسيلة لبناء "الصف الوطني"، ولي سوداني الذي أعتمد فيه علي مجابهة الحقائق حتي لا تطول المحنة، فإنها حتماً... بهذا الإسلوب... لن تزول!
لكم سودانكم الذي تعولون فيه علي عواطف الدهماء، ولي سوداني الذي  أسعي فيه للإرتقاء بكل من جاء وجاء.
فلنذهبنَّ، إذن، إلي مواساة الخائف.
وحين مشوا في مسيرة التعاطف مع
القاتل الخائف، سألهم بعض المارة من
السُيَّاح الأجانب: وماهو ذنب الطفل؟
فأجابوا : سيكبر ويسِّبب خوفاً لإبن
الخائف.وماهو ذنب المرأة؟ قالوا:
ستلد ذاكرة. وماهو ذنب الشجرة؟
قالوا : سيطلع منها طائر أخضر. وهتفوا:
الخوف، لا العدل، هو أساس الملك.
أما شبح القتيل، فقد أطلَّ عليهم من
سماء صافية. وحين أطلقوا عليه النار
لم يروا قطرة دم واحدة!.. وصاروا
خائفين!
                      (شريعة الخوف - ديوان أثر الفراشة لمحمود درويش ص 86)
لكم سودانكم الذي تفتخرون فيه بالإيمان والقرأن، ولي سوداني الذي تتلألأ فيه تلكم المعاني نصرة للضعيف وزجراً للمعتدي.
لكم سودانكم الذي تتحالف فيه السلطة مع المال، ولي سوداني الذي يأخذ الكل فيه مسافة متساوية من السلطان!
لكم سودانكم الذي تستخدمون فيه الإستهداف وسيلة لتغطية إخفاقاتكم، ولي حكمتي التي أجنب بها هذا الشعب الإستهداف.
لكم سودانكم الذي تُدخر فيه الخيرات للمدائن، ولي سوداني الذي تزف فيه الخدمات لمن أنتجوها.
لكم سودانكم الذي تتملقون فيه المتصوفة وتبغضون إرثهم، ولي سوداني الذي أصحب فيه سادة القوم فأخطب ودهم وأطلب رضاهم.
لكم سودانكم الذي تستضيفون فيه النخبة فلا يقولون إلا ما ترغبون، ولي سوداني الذي أستمع فيه إلي صوت العقل وأعتمد فيه مبدأ الفكر " قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ". ( سورة سبأ-الآية 46)    
لكم سودانكم الذي تتمترسون به في خانة القرون الوسطي، ولي سوداني الذي أتجاوز به حدود الإيدولوجية إلي ساحة الوطنية قبل أن أُحلق في فضاء الإنسانية.
لكم سودانكم الذي تتجاذبه رؤيتان (واحدة زنجية وأخري عربية)، ولي سوداني الذي يُعني بتضامن قوي الريف الزاحفة نحو المركز لتفكيكه (وإعادة تركيبه) لا لنفيه أو تفنيده.
لكم سودانكم الذي يفتدي فيه الشعب القادة بنفسه، ولي سوداني الذي يفتدي فيه القادة الشعب
 بانفسهم.
إن يقيني أن الجماهير قد صوتت لرؤيتي إلاّ أن إدارة " كروجيك" الوطنية التي إعتادت علي تزويير الإرادة الجماهيرية قد أضافت اوراق الناخبين لصندوق " الدولة الراشدية". لذا فإنني أقدم إستقالتي قبل أن اعمّد وذلك لإفساح المجال لورثاء العناية الإلهية. لم أقنط ولكنني ارجأت ماعجزت عنه إلي النابهين الواثقين من الاحفاد القادمين.
فليس الحلم أن تري ما لا يُري، علي
وتيرة المُشْتَهي، بل هو أن لا تعلم أنك
تحلم. لكن، عليك أن تعرف كيف تصحو.
فاليقظة هي نهوض الواقعي من الخاليّ مُنَقَّحاً،
وعودةُ الشِعْر سالماً من سماءِ لُغَةٍ متعالية إلي أرض لا تشبه صورتها.
                                      (لم أحلم - ديوان أثر الفراشة لمحمود درويش ص64 -65 )