إن الخطاب السياسي الذي صحب حملة الإنتخابات المُبتسرة (والتي لم تستمر أكثر من شهرين في وقت يُعتبر من بدأ قبل عامين متأخراً في الولايات المتحدة) قد عكس إلي جانب الإستقطاب الأثني الحاد إنفصاماً وجدانياً يجعل من الصعب إيجاد أرضية وسط ما لم تتغير الأطر الإعلامية والتعليمية وترشد الممارسة السياسية. ذلك أن البعض لم يزل يُعبر عن خلافته السياسية من خلال اللغة الدينية في شكلها الأيدولوجي التي يستغلها البعض لمصلحته التي لا تنساب إلاً بتقنين المفارقات الإقتصادية والإجتماعية. وقد يكون هذا تفسيرهم لقوله تعالي "ليتخذ بعضهم بعضاً سِخرياً"، كأنما الدين هو وسيلة لتقنين الظلم الإجتماعي لا لتطويع الواقع الإجتماعي. ومن هنا نفهم تحالف الأحزاب - - أحزاب اليمين من أخوان مسلمين، أنصار سنة، صوفية وآخرين مع نظام الإنقاذ  الذي ظل يكتسب مشروعيته من الحرب التي تمتد من قتل المسلمين إلي تزويد الأخوين المتخاصمين بالسلاح وذلك في السودان عامة وفي دارفور خاصة. ما رأي هؤلاء الأئمة في الأرواح التي أزهقت والله تعالي يقول "ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً  فيه وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً" بل ما هو رايهم في قوله (صلي):-  من أعان علي قتل مسلم ولو بشق كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله. اعلم أنهم سيبحثون عن المتن، ماذا يغني المتن وقد أضاعوا النص ووأدوا روحه بتعاونهم مع الطاغوت والله تعالي يقول (ولا تركنوا إلي الذين ظلموا فتمسكم النار)؟ سأل أحد "المفكرين" "الإسلاميين" عن تراجع الإنقاذ عن الشعار فقال الشريعة أدرجت في القوانين لكنها لم تنفذ. متي كان الإسلام مصفوفة قانونية  تتجمل بالعدالة الإجتماعية؟  متما حدث ذلك فإن الشريعة الإسلامية ستستحيل إلي صنم ظل يحلم المسلمون بعبادته في القرن العشرين! إننا لا ننشد الهداية لأن خلافنا لم يعد في الحق "فهدي الله الذين أمنوا لما إختلفوا فيه من الحق بإذنه" إنما علي الحق، كما أننا لا نطلب الإستقامة لأننا نماري ونتعمد الإلتفاف حول الحقيقة لأننا لا نولي إهتماماُ للأداة (الوسيلة) أو حتي المرجعية التي يمكن الإستناد عليها.

عندما وقع الخلاف بين الإسلاميين والذي وثق له جيداً المحبوب عبد السلام في كتابه (الحركة الإسلامية السودانية: دائرة الضوء  -  خيوط الظلام) كان هنالك تحليل أشبه بالتبرير الوقائعي منه إلي النقد الفلسفي الفكري لطبيعة الخطاب الديني الذي ألبس الدولة نفسها لبوس غيبي تجلي في إستخدام مصطلحات من مثل: الفتنة، السلطة، السلطان، التوبة، إلي آخره كادت تلغي محجة الإخفاق في إتخاذ تدابير مؤسسية من شأنها أن تقنن لمفهوم الحكمانية (أو ما يسمي تجوزاً الحكم الراشد) وترتقي بالمجتمع من مستوي التداول العاطفي إلي مستوي الإدراك القيمي.

إذا كان مفهوم الحاكمية يعتمد الإمتثال والطاعة فإن الحكمانية تعتمد التنافسية والإختيار كوسيلة للتعاقد وفرض شروط الإنتماء. ثانياً، إذا كانت الحاكمية تؤطر الممارسة في مستوي الإنزال أو الإسقاط للحلول فإن الحكمانية تعتمد السبل التجريبية لإستنباط الحلول وتكيفها علي مستوي الواقع الذي تقرره قوة الدفع الذاتي (القوة المدنية الشعبية) اكثر مما تقرره الممارسة النخبوي الفوقية.  ثالثاً، أن مشرعية الحوار وحتمية تداول السلطة الديمقراطية توافقياً تقتضيه مطلبية السياسة الكوكبية الإنسانية الرامية إلي خلق مجتمع حر كما يقره التاريخ الإسلامي المزدحم بوقائع سياسية وفروض تجاوزية لم يكن الباعث عليها إسلامياً بقدر ما كان عملياً. من هذا المنطلق يسعنا أن ننظر إلي الصراع بين الإسلاميين أنفسهم وما بينهم  علي أساس أنه دايالكتيك سياسي أكثر منه مخاصصة أيدولوجية بين المنافقين والمؤمنين، المبدئيين والإنتهازيين، السلطويين والشعوبيين، لأننا في مجال التطور المفاهيمي للحكمانية نريد أن ننزع القدسية عن الدولة وعن الزعيم و نوزع صلاحيتها علي المجتمع حتي يستطيع طرح القضايا من منطلق فكري وليست من منطلق عقدي. إن الخلاف بين الإسلاميين (إن إستخدامي للمصطلح تستلزمه الإشارة الحركية وليست الضرورة القيمية) وللأسف لم يضيف قيمة فكرية أو روحية/ أخلاقية لانه أخذ منحاً صبيانياً يصعب معه أو به إستنتاج مفاهيم إنما فقط إستخلاص عبر  لرواية تحدثت عن حوار إستبد بشيخه.

لا أري أن هنالك إحترافية أو مهنية فيما يتعلق بشأن مفاوضات الدوحة ذلك أن الدولة تتخذ تدابير سياسية/ مدنية في شأن دبلوماسي/ عسكري  من خلال إقحامها شخصيات مدنية ما كانت لتحتشد في تلكم القاعات لولا ما تلقته الخرطوم من ضربة سددها قائد العدل والمساواة وليست أي شخص آخر أو فصيل من الأفندية، في حين أنها تتغول أمنياً بإبقائها علي حالة الطوارئ ورصدها كافة الأنشطة المدنية في دارفور.  وإذ رفضت حركة العدل والمساواة هذا التضارب فقد رفضت الحكومة تعارضاً ظنه قادتها بعد التصعيد الاخير محاولة تمرير لأجندة سياسية  عبر "ماسورة" البندقية، خاصة بعد أن عجز الشعبي في الحصول علي نسبة ال ٤ ٪ - -  مجرد الحد الأدني للحصول علي مقاعد النسبي. والسؤال: كيف تتخوف الدولة من حزب لم يستطع  مجرد الحصول علي الحد الأدني الذي يؤهله لدخول البرلمان؟ لماذا تتخوف الدولة من أناس بهذه الضئآلة، أم أنها حازت العكس (أخذوا هم ٩٦٪ وأخذت هي ٤٪)؟ لماذا لم تراع الدولة حق الإسلام وهي تعتقل شيخاً قد شارف الثمانين؟ ألم يوثق في آرثنا الديني أن إكرام الإمام المقسط، حامل القرآن، وذي الشيبة المسلم من إكرام الله عز وجلَّ؟ أم أنهم جحدوا نعم الله عليهم؟ متي تترفعوا عن الصغائر وتكونوا كباراً علي قامة الوطن وما يعانيه من محن؟ أنه ليحزنني حقاً أن تتخذوا من دارفور ساحة لتصفية حساباتكم، بل مما يجعل قلبي ينزف دماً  ما  أشاهده من قيعان معنوية يتسبب فيها قتال الغرابة لبعضهم البعض ومآسي إنسانية تستصغرها المدفعية وتستهونها قلوب الإمبريالية  الإسلامية.

فيا عجباً من دائل أنت سيـــفه                    أما  يتوقي شفرتي  ما تقلدا

ومن يجعل الضرغام بازاً لصيده                   يصيره الضرغام فيما تصيــد

                                                                           " أبي الطيب المتنبئ "

إن من خاضوا لجنة الإنتخابات خاضوها وهم موقنين بعدم تكافؤ المعترك لكنهم رأوا  فيها فرصة لإستنهاض شعبنا وحثه في التغلب علي الحواجز النفسية السيكولوجية التي طالما جعلت هذا الشعب يتهيب مواجهه الطاغوت. الأن وقد شرعت الجماهير في التحرك فإننا نناشد هذه القيادات وبذات الدينامية والشجاعة قيادة الجماهير نحو النصر مع اهمية الإستبصار التام لكافة العقبات وهي كالآتي: 

أ‌.      لزم أن نأخذ قضيتنا بأيدينا فمن العار أن ندع المأساة الإنسانية لشعبنا تمر كملهاة في طاولة المناورات الإقليمية والدولية.

ب‌.     إن التحدي يكمن في صعوبة إنتشال دارفور وكردفان من واقع الإنهزام النفسي والإجتماعي، سيما الإرتكاسة الإقتصادية، السياسية والعسكرية: أمَّا أن نتحد،  فنواجه ونهزم الطاغوت أو نفني كما فنيت شعوباً من قبل. لكن، أن نفني دون أدني مقاومة فذاك هو العار، بل هو الشنار والتنكر لتاريخ أسلافنا المجيد.

ج.   في مدار البحث عن حلفاء يجب ان نعول أولاً علي إمكانياتنا الذاتية في تفعيل القضية، والإسهام في                      الشأن العام، إذ أن الإقصاء المُتعمد لشعبنا (من خلال الترميز) قد حرم هذا البلد من موروث هائل، عمق هوياتي فاعل،  ثراء مادي، موقع جيوإستراتيجي، إلي آخره.

بمثل هذه الواقعية تستحيل الهزيمة إلي عزيمة  يجب أن تدخر ليوم النصر، يوماً يتأهب الشعب فيه لإنتخاب من يرافعون عن حقوقه الثقافية، الأدبية، الإقتصادية، السياسية والإنسانية لا ان يقنع بإنتداب إناس لا يفعلون أكثر من تقنين واقع التبعية المرير. الأدهي، إنهم  يسعون لإخفاء آثار الجريمة التي أن خُفيت في الأرض فلن تُُخفي في السماء (سنكتب ما قالوا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مُبين).

لقد إستبشر بعض المثقفين خيراً بإنتقال ملف دارفور إلي د. غازي عتباني، لكن الأخير وللأسف مضي في سياسة سلفه مع الفرق في أن الخلوي لم يحفل بإستخدام الفكر للتخندق من قناعاته الذاتية، أما المديني فيعرف كيف يحقق أغراضه دون أن يستثير ضغائن الأخرين. أولاً، إنه لم يسع لخلق فضاء يمارس فيه الدارفوريين دورهم العضوي في بناء دولتهم والإسهام بحيوية في رفعة مجتمعاتهم إنما تجاوزهم (تماماً كما يفعل غرايشن) للقيام بهذا الدور بنفسه أو إنتداب دارفوريين لا يمتلكوا من الأفق، ناهيك عن الإرادة، مما يؤهلهم لتجاوز المرسوم قيد أنملة. لقد جاءت الممارسة شائهة في إجتماع قطر بالرغم عن إحتواء وفد المجتمع المدني علي شخصيات ذات وزن فكري، أدبي، شعبي وسياسي، ذلك أن آلية الأختيار قد أعتمدت النخبوية التي تفادت قيام مؤتمرات قاعدية تُهيئ لإختيار قيادات وسيطة ترفع إلي مستوي القيادة العُليا. هذا بالضبط ما تخشاه الحكومة التي لا تسمح البتة بالحوار، دعك من الإذن بإعداد مؤتمر دارفوري - دارفوري تري أنه سيقوي حتماً من موقف دارفور التفاوضي (في شأن الوطن ككل)، رغم أنه سيفنَّد من حجج المغالين الذين عَجزت هي عن هزيمتهم عسكرياً. ثانياً، عوض عن خلق مظلة مدنية/سياسية تُراعي فيها الوزنات الأثنية، عهد المجتمع الدولي الذي لا يعرف الخارطة الثقافية - الإجتماعية  دعك من إمكانيته لإدراج الأوزان السياسية (يُسانده في ذلك الطبيب الموقر) إلي وضع فزاعات مما زاد من حدة الإستقطاب الأثني وأضعفت من همة الدارفوريين للقيام بواجبهم في ترميم أركان هذا البلد المتهالكة بطريقة قومية تشبه أرثهم الذي لم يتقوقع إلاَّ في عهد القيادات التي أنتجها الفراغ وأفرزتها محطات اللاإنتماء: الأخلاقي، السياسي، الفكري أو الروحي. ثالثاً، أن تجيير إرادة الكيان العربي من خلال الإصرار علي تمثيله  بشاويشية أو أرزقية ينذر بوقوع كارثة  إجتماعية. لأن هذه المجموعات فوق ما تواجه من تحديات مناخية/ بيئية، إقتصادية/ إنتاجية، تعليمية/ تربوية، سياسية/تنظيمية أو عسكرية/أمنية لا تكاد تجد قيادة تلتف حولها أو إستراتيجية تسترشد بهديها حتي تعمل علي تنفيسها المجموعة الأولي إذ أنها تعاني من عوذ فكري يجعلها عاجزة عن تصور التحديات الجيوإستراتيجية التي تعقب الإنفصال والمجموعة الثانية التي تفتقر إلي وازع أخلاقي يحضها للتفاعل الحيوي مع المجموعات الأثنية الأخري.

إن الدولة تعتمد الكيان العربي (الدارفوري) كساعد عضلي لكنها لا تآبه به كمنجز فكري يمكن أن يساهم في حل المشكلة السودانية سياسياً وأدبياً، وما ذلك إلاَّ لجهلهم بتاريخ هذه الأمة وتناسيهم لمجدها الذي لم يكن لولا إعتزازها بالتعددية وإفتخارها بالتباين كمصدر من مصادر الإعزاز النوعي. لقد كان العرب قادة دارفور يوم أن حملوا هذه المآثورة في حدقات العيون، أما وقد أهملوها أو حرضوا علي إهمالها فقد إستحالوا إلي لقيط أو يتيم يستدفعه الجوع لإرتياد ولائم اللئام. وها هو الأستاذ/ أمين حسن عمر؛ رئيس الوفد المفاوض في الدوحة، يرفض أن يكون هنالك مساق ثالث يمكن للعرب أن يندرجوا تحته وقد أصبح لكل من الفور والزغاوة منبرهم. أمَّا أنه يري أن العرب لم تطالهم مظلمة أو أنه يري أنهم رعاع لا يستحقوا التمثيل. لقد ظل العرب مُتململين من هذه الثنائية لكنهم لم يفلحوا في تشييد مظلة ترافع مدنياً عن حقوقهم الثقافية، الإجتماعية، والسياسية الفكرية. ولذا فهم يعبروا عن تبرمهم عسكرياً ممَّا يجعل ولائاتهم تتفرق بين العدل والمساواة، الحكومة والحركة الشعبية علماً بأن كل هذه المجموعات تتعامل معهم وفق متطلبات المرحلة لكنها تبرم معهم وعوداً لا تفي لتشكل مكونات الحلف الإستراتيجي، أو دفع إستحقاقات المكون التاريخي. من هنا نفهم أن العدل والمساواة تري في العرب صخرة كؤود يجب إزالتها أو الإلتفاف حولها فهي تريد تجاوزهم لكنها لا تتخيل نصرة من دونهم؛ الحكومة تتخيلهم مارداً كاد أن يخرج من طوعها ولذا فهي تريد إستهلاك طاقته في معارك داخلية أو مواجهات أوشكت أن تكون خارجية مع دولة مجاورة. من هنا نفهم تلكؤ الجيش الحكومي في التحرك نحو بلبلة لأنها تريده إشتباكاً بين الحركة الشعبية والرزيقات، الحركة الشعبية تريد أن تُنشئ حواراً جاداً لكنها لا تري تكافؤاً بين زعامات أهلية أُدرجت برتب عسكرية في جهاز الأمن الوطني (هيئتها لقيادة مليشيات قبلية)، وجهاز دولة يعمل بإستقلالية للمرافعة عن حقوق الأهل في جنوب السودان. إنهم، أي القادة العُنصريين، يريدونها مواجهة بين الجنوبيين والبقارة عموماً حتي ينشغل البقارة بأنفسهم أو يعيقوا مهمة بناء الدولة في الجنوب.  فعندما واجه أحدهم مغبة خذلانهم للمسيرية، قال بالحرف الواحد "لمَّن ينفصل الجنوب، المسيرية والرزيقات يشيلوا شيلتهم!" لقد فات علي هذا الإنتهازي (وغيره من العملاء الذين أورثهم المستعمر معرة الإنتماء للوطن بعد أن برع أبهاتهم في نظافة وتلميع بوته)، أن إنهزام الرزيقات والمسيرية إذا سلمنا بحتمية المواجهة مع أهلنا الجنوبيين (وهذا أمر لا ينبغي لأن العدو في الأصل واحد) يعني إنكشاف البوابة الجنوبية ليست لشعبنا السودان  فقط إنما أيضاً للأمة العربية جمعاء. هل يمكن لأي جهة أن تخدم المخططات الصهيونية أفضل من هذا؟ ولا حتي مناحيم بيغن نفسه!

 في مغبة ترسيم الحدود بين دارفور وكردفان فإن الدولة تريدها مواجهة بين المسيرية والرزيقات، ففي كلا المعسكرين هنالك غشامة ، أمية (المعسكر الأول أكثر)، وتجار حروب مهمتهم أن يلهوا الجميع عن مهمة تأطير مفاهيم وبلورة وعي جمعوي يرفع البشر إلي مستوي التحدي ويلهمهم الحكمة في مواجهة المحنة القادمة:-  تشرذم السودان كقطر وضياع هويته كشعب. ما الذي يعنيه الإنفصال لقضايا الهوية، الأمن، الإستقرار الإقتصادي، المرعي، العلاقات الدولية؟ إذا سلمنا بأن الرزيقات هم سنكيتة العطاوة (المسيرية، الرزيقات، بني هلبة، إلي آخره)، وأن العطاوة هم رأس الرمح في قيادة معسكر الغرب السوداني فإن المعول عليهم أكبر في الترتيب وإعادة التشكيل حتي تنتظم خطي الكيان العربي الذي يواجه أهوالاً قد تعصف به أو تستدفعه نحو التقدم المدني والتواصل السلمي مع الآخرين. حتي لا نبري الحديث يميناً وشمالاً، فإن علة الرزيقات اليوم في رأسها، وهم شلة من أنصاف المتعلمين وأشباه الأميين الذين إستغلوا إستكانة الإدارة الأهلية وإستهانة منتسبيها فعبثوا بالمقدرات الأصلية لهذا الشعب.  فهؤلاء مدعومون من قبل الدولة ولا يمكن التغلب عليهم إلاَّ بتأليب العامة وإستجاثة البادية مما يضع الكيان أمام خيارين: الراديكالية الثورية في مغالبة الباطل المستفحل أو الفناء. ما هي إذن الحدود المكانية للثورة البدوية وهل من سبيل للحد من شناعة إستفحالها (إذا قررنا بأنها هذه المرة ثورة من أجل المُستضعفين وليست ضدهم)؟ إن موقف رزيقات الجنوب المشرف من حرب الإبادة في دارفور - - إذ أنبأوا أخوتهم بقدوم الحربة بعد أن أيسوا من صدها مما مكن الزرقة من الإنتقال بكافة حاجياتهم إلي الضعين بعد أن ضمنوا سلامة أهاليهم - -  يؤهلهم لتشييد جسر يسهل لعرب الشمال والغرب العبور (إن هم شأووا) إلي بر الفضيلة. إن أي محاولة من قبل النظام لخلق كيانات موازية أو فرض قيادات مُحازية من شأنه أن يُربك النسيج الإجتماعي ويعيق عملية السلام.

ختاماً، لقد ساعد نفاذ المشاريع الفكرية/ الأيدولوجية للنخبة النيلية في التحلل من الإرتباطات السماوية التي لم تفي بالميثاق (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيينه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم وإشتروا به ثمناً قليلاً، فبئس ما يشترون) وهيئ لتفعيل إرتباطات أرضية يتحقق بها مقصد النداء الإلهي (قال الملاء الذين إستكبروا من قومه للذين إستضعفوا لمن أمن منهم) الذي حدد المعترك وصوب وجهته حتي يكون الصراع صراعاً بين المستضعفين والمتجبرين ولا ينحسر في طوق العقيدة أو مطبات الأثنية. هذا مما يستلزم بلورة رؤي لكافة أعضاء الريف السوداني الذي طالما تم الإلتفاف حوله ديمقراطياً (بالنسبية والقوائم الحزبية) وعسكرياً (بإتباع سياسة فرق تسد). إن المشروع الذي يحمل مغزي أخلاقي وإنساني (غير الإنتقامي الذي تبشر به عصابات التمرد) هو الجدير بالتضحية والمتكفل بإستنطاق الأغلبية الصامتة حتي تمارس حقها السياسي/المدني في مواجهة  المجموعات التي تفننت في قطع السبيل المعنوي والمادي. إن دارفور ستتحمل دورها، كما تحملته من قبل، في تحرير السودان من مخلفات الإنجليز، الأتراك والمصريين. حتي يحدث ذلك لابد من إستنهاض  همة دارفور الإجتماعية حتي تعي خطورة الفناء المعنوي إذ هي أمنت البقاء المادي الذي يتهدد أختها في دارفور الجغرافية، ومن ثم تكوين جبهة وطنية دارفورية.  إذا كانت كل الأجهزة  (المالية، الفكرية/العلمية، الروحية، السياسية وحتي الإعلامية) تتعامل معنا كضيوف علي ساحة التراث أو طفيليين علي منصة التاريخ، فلا يظننَّ أحدُ بأننا عُزل في مواجهة الطاغوت فإن لدينا من الإمكانيات ما يؤهلنا لمحاصرته أخلاقياً وفكرياً وعدم إعطائه الفرصة والمبرر لإبادة أهلنا عسكرياً، ومن الإرادة  ما يستفزنا لإتخاذ الخطوات العملية الأتية:  تقديم المشروع، تحديد المشروعية الأخلاقية والفكرية، إختيار الإستراتيجية، الوسيلة، التيقظ في تحديد العقبات والتبصر  لمعاينة الأفق الذي ملؤه سعد فوق ما نعاين من نكد.