(1)

"من حسن الطالع أن الملوك يشتطون أحياناً، وإلا لما سقطوا قط"

"جنون الأمراء حكمة القدر"

ما نفع البابا؟ وما نفع الكرادلة؟ وأي إله يعبد في مدينة رومة هذه المنصرفة إلي بذخها ولذاتها؟

(أمين معلوف في ليون الأفريقي، ص: ٢٤٢،٢٤٢، ٣١٨، المترجم د. عفيف دمشقية)

لو أن نصف المليار دولار التي صُرفت في موسم الإنتخابات السابقة (جملة ما صرفته المفوضية، الناخبين والمؤتمر الوطني) وظفت لبناء مدارس إبتدائية لتلاميذ يعجز ابأوهم عن دفع مستحقات التعليم أو يترفقوا باقربائهم الذين يقطنون المدن فلا يرسلون إليهم أكثر من أربعة أو خمسة أطفال، لتجنبنا الإنتكاسة المعنوية التي أصابتنا من جراء الخوض في مشروع لم يقصد منه الإحتكام إلي الشعب قدر ما قصد منه التحاكم إلي الطاغوت "وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً". وإذا كان التعريف الفقهي للطاغوت هو كل ما طغي علي العقل، فإن مما يذهب العقل أن يتحدث المرشحون الدارفوريين (هيئة المؤتمر الوطني) عن دواعي "إستكمال النهضة"، وهي لا توجد في الأصل ولم تدرج في الفصل!  بل لو أنهم خاطبوا فضول هؤلاء الصبية وأولئك النسوة اللائي إستقبلنهنَّ لأيقنوا بأنهم لايرجون منهم خلاصاً من العوذ إنما إستئناساً في الفوز الذي تسبقه الوعود الزلفة والهبات المؤثرة وتعقبه الموائد، الجلبة والمزامير (وإذا شئت المواسير).  بإختصار لقد إستحال الشعب إلي جمهرة تؤثر حضور هذه المناسبات لكي تحصل علي غنيمة فردية لا لترافع عن مصلحة جماعية. الكل يمني نفسه بلقاء المرشح  الذي يقال أن صندوقاً هبط عليه من السماء (فيه بقية مما ترك آل موسي وآل هارون تحمله الملائكة)، حتي أن هذه الهبات السماوية لم تصرف علي الفقراء والمحتاجين إنما وزعت للوكلاء الذين أصبحت من أجّل مهامهم تزويير الإرادة  الجماهيرية. وأنا أعجب إذا كانت الإنتخابات ستزور أصلاً من خلال الدبلجة للأرقام التسلسلية، تبديل السجلات، والتلاعب بالبطاقات، لماذا كل هذا الصرف؟ لأنهم ببساطة في حوجة إلي جلبة توهم المراقبين بإنتخابات حرة (لكنها غير نزيهة!). حرة لأنك تتحرك في مساحة قد أطرت هوامشها وغير نزيهة لأنك مهما فعلت لن تستطيع تغيير النتيجة التي حسمت سلفاً. فهنالك التعداد، تصميم الدوائر، التسجيل، السجل والتصويت، وكلها دوائر أُحكم إغلاقها لصالح المؤتمر الوطني.

 ظننت أن مرشحي المؤتمر من أبنائنا الدارفوريين سيتقدموا علي أستحياء،  يطأطوا رؤوسهم، ويعتذروا للمواطنيين عن إنعدام كآفة الخدمات الإساسية، مثل الصحة والتعليم بالرغم من ولائهم للمؤتمر الوطني المطلق، ، في وقت تُشيد فيه الدولة مشاريع إستراتيجية وتقوم بنية تحتية في ركن قصي من البلاد.  يجب أن نذكر بأن هذه العصابة هي ذاتها التي ساهمت في تغييب الوعي لدي المواطنيين، إيقاظ الحمية الجاهلية، وإستهالك طاقة بنيهم في حرب لا يدر القاتل فيها فيما قَتل ولا المقتول فيما قُتل. لقد فقدنا جيلاً كاملاً  لصالح الحرب وها نحن نتأهب لفقدان جيلاً أخر في دارفور لمصلحة المخدرات! أي رفعة تُرجي لبلد عقل شبابه مُغَيَّب ونهم شيبته مَهيب؟  لعلنا سمعنا برؤساء الأحزاب الذين ما أن تلقوا العطايا حتي هرعوا لإيداعها في مَصارف دول الجوار، عوض عن إيداعها في البنوك الوطنية وإستثمارها لصالح مشاريع تنموية تغنيهم عن المذلة وسؤال "الناس"! لو أن الدولة وغيرها أرادت الإصلاح لوجهت مُسجل الأحزاب بإيداع هذه المليارات  وغيرها من المخصصات في حسابات يمكن لجهة بعينها مراجعتها بعد أن تُعرض علي الجمعية العمومية، لكنه المصل الذي يعفي المريض من الموت ولا يرزقه التشافي من الداء العضال - - الإرتزاق- - الذي إحترفه أبناء الآلهة. (من المؤسف أنه لم يعد علي مستوي القطر كله قدوة في الأخلاق، العلم، السياسة، الدين، الرياضة، إلي آخره. وهذا لعمري الهلاك الذي ينذر بشأن البئر المعطلة والقصر المشيد).ليت الحكومة والمعارضة يتحاكمان إلي مشروع واحد ويعتمدا معيار قيمي محدد، لكنه الدهاء الذي يقتضي تقاسم أدوار المسرحية الوسط نيلية.

لقد إستحال الحق إلي هبة والإخيرة إلي رشوة يتم بها إسترضاء أصحاب الخطوة، حتي أن أحدهم وزع مولدات كهربائية ونوادي مشاهد ليلية فقط في فترة الحملة الإنتخابية التي لم تتجاوز الثلاثة إسابيع علي أناس بسطاء لم يجرؤ أحدهم علي الإستفسار عن سر الغياب ومحجة الإياب، ولا حتي أن يسأل أن كان هذا هو حقهم في التنمية رغم الأهلية القومية والتضحيات الوطنية التي قدمها أسلافهم وظل يقدمها أبنائهم لنظام لم يعرف غير الجهوية، الصفوية والتفرقة العنصرية تجاه الريف عامة ودارفور خاصة. حتي متي يظل "وكلاء الريف" يغمزون رغيفهم في دماء أهاليهم؟ أما  آن لهم أن يرعوا؟ وإذا قرر هؤلاء القفز فوق المعاناة الإنسانية لشعبنا متوشحين بوشاح الشرعية "الزائف" فإن لدينا مسئولية وطنية تستلزم الرفض التام لهذه المسخرة وإتباع كآفة السبل لإستنقاذ الشعب من مخازي البيعة غير المشروطة.  إذا كان خلفاء الأنظمة الإستبدادية يأخذون البيعة من علماء المسلمين والسيف والنطع بين أيديهم،  فإن علماء اليوم يؤدونها طواعية لأنهم أصبحوا جزءاً من المنظومة الفكرية التي تؤثر منطق الجبر والسياسية التي تشرع لمفهوم الغلبة، أمَّا خاصتهم فقد توهموا بأن كل مقاومة للسلطان وأي مسعي لتقويمه هو بمثابة مغالبة لقدر الله ومحاولة الخروج علي حكمه النافذ في عبادة الضعفاء (دون الأقوياء!!). من هنا نفهم، علي الأقل من الناحية الشعورية (دون التعرض للجوانب الإجرائية) كيف أن السودانيين قد آثروا التصويت (إن هم فعلوا أصلاً) لجهة لايؤمنون برشادها لكنهم يوقنون بكساد غيرها من الجهات التي يًعد التصويت لها ضرباً من الجنون الذي يغري أحيانا بالقفز في الظلام، من هنا يكون فوز المشير أقرب للحقيقة كما توهمها الشعب (ذهاب دولته وإندثار ضيعته)، لا كما توهمها هو (الوقفة الأسدية في وجه الإمبرالية والصهيونية العالمية). أما فوز الولاة (والذي تبدت فيه مظاهر الحبكة) فله صلة بالبراغمتية أو الواقعية التي إقتضت إختيار مرشحي الحزب الحاكم الذي لا يكتفي بإرسال موجهات إنما يتحكم في مفاصل الدولة ويتوارث مقاليدها. والسؤال هو: لماذا لم يرشح الحزب الحاكم أناساً من حوبته من شأنهم أن يضفوا حيوية علي مسيرته ويغيروا من سيرته التي إعتورها النقص وعابتها المذمة؟ كيف يصر المؤتمر الوطني علي ترشيح سَرقة وقتلة لمناصب الولاة الذين يفترض فيهم النزاهة، التجرد والوطنية كي يتمكنوا من الإبحار بالسفينة والخروج بها من هول الغارة مُعتمدين علي إمكانياتهم الذاتية، ملكاتهم الشخصية وإرثهم المعنوي وأن أعيتهم الحيل المادية وحالت دون مراميهم الفاقة وبؤس الموارد التي تُرصد للريف. إين هي الكوادر التي إستقطبها المؤتمر الوطني في العشرين سنة الماضية؟ كيف عجز عن الإحلال أم أنه آثر الحلول؟ كنا نسمع بأن الحركة الإسلامية (قبل أن يخرجها شيخها من جلباب التقليد) لها من الكوادر ما يمكنها من التعاقب علي حكم السودان خمسين عاماً، وإذا بنا نفاجأ بالعشرة الاولي وقد كشفت عورتهم بل أماطت اللثام عن بؤسهم الفلسفي والفكري، وجهلهم بأبسط قواعد الجغرافيا والتاريخ.

عوض عن أن ينفتحوا علي الشعب السوداني وقد أكسبتهم العشرين عاما الماضية خبرة كافية (أو هكذا نظن)، إذا بهم يتقوقعوا وينغلقوا علي أنفسهم مدعين الإنفتاح الذي أبدي نواجذه في مجرد محاولتهم لإنتخاب المكتب القيادي الذي لم تخرج عضويته عن دائرة التمركز في المثلث الإقتصادي السياسي "الشهير." حتي ان الأستاذة/ حليمة حسب الله قد نافحت عن خلفيتها الأثنية كي تجد موضع قدم في قائمة الثلاثين (التي لم يدرج فيها ولو خطأ واحداً من الشرق، الغرب، الجنوب، التي آخره) مُثبته لهم أن للقِمرعلاقة أثنية بالجعليين. وأنا أعجب أين تكمن عقدة الوصل بين مجموعة أثنية قدمت من غرب أفريقيا وآخري تدحرجت من الهضبة الأثيوبية؟! لا توجد. لكنه الإنهزام النفسي والإستلاب الثقافي الذي جعل بعض الغرابة يرون الخلاص في التشبث بتلابيب الباش بذق! لا أتوقع أن يعكس التكوين الوزاري القادم التباين الأيدولوجي الماثل في الساحة السياسية علي إنحسارها، ولا أن يمتد خارج الحلف اليميني الذي يمثله المؤتمر الوطني، بل أن تظل الهوة قائمة بينه وبين الحركة الشعبية التي لم تحفل بتأطير علاقتها رسمياً مع أحزاب اليسار. إن التجاذب بين اليسار واليمين، رغم حدته، يظل أفقياً موغل في الشيفونية التي ترفض الإحتراف بواقع التحول الفكري والميداني الذي يتطلب النظر إلي العلاقة الرأسية غير السوية بين الهامش والمركز. الأمر الذي ساهم في تحلل الهامش من الروابط الطائفية والعقائدية، لكن هذه الروابط لم تنتف البتة ولا يستلزم تحللها إنعقادها لجهة أخري هي المتسبب في كل الكوارث التي حلت بالريف. إن نتائج المجلس الوطني هي أقل النتائج وثوقاً، لكنها بحكم ما أسلفنا من تحليل (وليست ما أسلفه المحللون من عقدة إستكهولم) لم تكن في حوجة لتدخل الأمن حتي يحصل الحزب الحاكم علي أغلبية مريحة قد لا تتجاوز ال ٦٥ ٪  لكنها تمكن الحكومة من تمرير سياستها دونما حوجة لتغبيين المواطنيين، تحقيير إرادتهم وتسفيها، مما يضعهم بين خيارين: القبول بالعبودية أو حمل البندقية! وإذا أنه لا يوجد طريق معبدَّ، بمعني فكرة صائبة وعقيدة راسخة، تحمل الشعوب من الهضبة الأولي حتي توصلها إلي الأخري، فهذه الثنائية خطرة تكاد تقصف حمولتها المعنوية بالكيان دون أن تبشر بحصول المقصد.

إن الجيش يوم أن كان قومياً، قام بدوره كاملاً في حمل البندقية لتحقيق الكرامة الإنسانية وترسيخ قيم السيادة الوطنية. كفي به شرفاً أنه ساند ثورتين شعبيتين في ربع قرن من الزمان، وكفي بالمؤسسة فخراً أن الذين إنقلبت عليهم لم يتهموا في ذمتهم ولا مروءتهم فعبود بني بيتاً في المواقع الخلفية للإمتداد والنميري لم يبن بيتاً بل آثر العيش في بيت من ورثة زوجته. مما يجوز ذكره إن الخلاف مع النميري قد بلغ حد الإقتتال لكن أحداً لم يتفوه بكلمة في حق السيدة الوقورة بثينة، ذلك أنها لم تتخذ لنفسها جمعية تستغلها لسرقة قوت اليتامي ولا مشروعاً لبعثرة أحلام ومستقبل الأيامي. أما وقد سرح الجيش وأوكلت مهامه إلي مليشيات حزبية فإنا نكاد نشهد عصر العسكرة الهوياتية الذي تتربص فيه المجموعات الأثنية ببعضها البعض، يمنعها من الإنقضاض دقيق الحساب الذي أن أفلت يوهن بفناء مجموعة دون أخري. إن تغير التحالفات مرتبط بإهتزاز التوازنات:  فالمؤتمر الشعبي يوفر الزاد الإيدولوجي للعدل والمساواة لكنه لا يريد مواجهة تخرج اللعبة عن دائرة التخاصم الأيدولوجي الديني؛ الحركة الشعبية تدعم قوي الريف السوداني (خاصه التورا بورا) بذخيرة قد تنفذ حرارتها بمجئ الإستفتاء وتراجع الحركة الشعبية أزلياً عن مفهوم السودان الجديد، المؤتمر الوطني يدعم الجنجويد لكنه لايريد لهم تفوقاً يخرج الحكم عن مدار التداول المزمن للنخبة النيلية. إن أول طلقة قمينة بإرباك هذا المثلث العسكري إرباكاً يُخرج الحليم عن دائرة الرشد، ويجعل إمكانيته للتكهن غير رزينة. لكن هنالك سيناريوهات يمكن موضعتها حسب ما تشير الغرائب:-

1.     كلما إنحسرت الفضاءات العسكرية والسياسية التي تأمل حركة العدل والمساواة التحرك فيها، كلما أضحي قدومها للخرطوم وشيكاً من منطق (يا خمسة جابن خمسين أو خمسين وقعن في الطين). كما أن الإنتصار بشكل نهائي وحاسم لا يكون إلاَّ بإنهاك أحد الفريقين، مما يخلق فجوة أمنية يمكن لأخرين إستغلالها.

2.     هل يمكن للحركة الشعبية التدخل لصالح فريق أم أنها ستؤثر التعامل مع المنتصر؟ هل تمثل هذه الفجوة سانحة للحركة كي تتجاوز خلافاتها بمجرد وثبة يمكن أن تخرج السودان من خانة التزمت الديني إلي ربوع الإنفراج العقلاني؟  هل يمكن أن تدخل هذه الخطوة السودان في دائرة الإستقطاب الأثني الديني الحاد؟ أم أنها ستضع حداً له؟

3.     ماهو دور القبائل الحدودية - - قبائل عطية وحيماد- -  وهي تري أن حدة هذا الإستقطاب   ستفصل السودان حتماً مع علي ظهرها وتودي بحزمها الذي لم يُبرم لمناقشة القضايا المصيرية إنما الإحتراب الذي وُظِف أول ما وُظِف لإستهلاك قوتها المتزايدة.

صدق الشاعر حين قال:

 إني رأيت الشجاعة في القلوب كثيرة           لكني رأيت شجعان القلوب قليل

وقتها لن تكون هنالك جدوي للبندقية إنما التحالفات الإستراتيجية التي تقتضي تحالف الزرقة مع العرب والعرب فيما بين أنفسهم لمواجهة واقع التهميش الذي يستحيل إلي درجة الإهمال المتعمد، خاصة إذا إنتقص الإنفصال ٦٠٪ من الميزانية التي لم تدرج في الأصل لمشروع التنمية المتوازن. ولتطالب دارفور حينها بالإنفصال فلن تجد أي ممانعة، أمَّا الإنضمام إلي الجنوب فدونه الف حائل لأن الإدارة الأمريكية إنما تريد حدوداً  تكون بمثابة العازل الثقافي بين الغابة والصحراء. قبل أن تفرغ النخبة الدارفورية من تسوية أوضاعها مع العصابة النيلية، فإنها ستجد نفسها مضطرة لمواجهة تحديات في الجنوب، ومقاومة أطماع جيوإستراتيجية من قبل دول الجوار. فهل ياتري أعدت النخبة الدارفورية نفسها لمواجهة مثل هذه التحديات أم أنها ستظل تتعامل مع السياسة بأفق تقليدي ومفاهيم قروسطية (تعتمد أول ما تعتمد علي مبادرات من النخبة النيلية). لا أخالني أجافي المنطق إذا زعمت أن المعارضة (تجمع جوبا) تتعامل إنتقائياٍ إذا لم نقل إنتهازياً مع القضية الدارفورية (فلن ننسي سقوط ورقة دارفور في سلة المهملات مجرد إنفضاض السامرين في مؤتمر جوبا وقد إتخذوا علي أنفسهم عهداً أن لا يمضوا خطوة تجاه المشاركة في الإنتخابات قبل أن تحل قضية دارفور)، أما الحكومة فتنتهج نهجاً إقصائياً يجعلها ترفض كل الحلول غير التي تعبر من خلال "الخلية السياسية" للمؤتمر الوطني. كيف يكون مؤتمراً وهو يتألف من ثلاث قبائل، وكيف يكون وطنياً وفي مكوثه كل يوم بل كل ساعة إنتقاصاً حسياً من أرض الوطن ومعنوياً من سيادته؟

 إذا كانت الأحزاب المعتقة تمارس وصاية مطلقة،  فإن الدولة المؤدلجة  تمارس إحتكارية مطلقة فيما يتعلق بتنظيم المجتمع. ماهو السبيل إذاً لنيل المزيد من الإحتراف بالحقوق الجماعية؟ هل من المعقول أن ينحسر فهمنا للعملية الديمقراطية للجانب الإجرائي وننسي ذاك المبدئي الذي يقتضي دمقرطة إقتصادية وإجتماعية؟

هل يمكن أن ينحسر الفهم الإجرائي في العملية الإنتخابية، وأن تنحسر الأخيرة في الإدلاء بالصوت؟ هل من سبيل لإصلاح الخلل البنيوي والمؤسسي الذي أعاق إمكانية حدوث تحول ديمقراطي سليم؟ إن ما تقوم به أحزاب الطرور هذه لا يقل فداحة عما يرتكبه المؤتمر الوطني من إخفاقات تجعله يظهر بمظهر الفائز الخاسر. كان يمكن للإنتخابات رغم تشوهاتها أن تكون بمثابة بلف التسريب لكنها حتماً ستصبح بمثابة الغاز الذي يؤدي للإنفجار!

يجب علي المختصين التعرض بالنقد والتحليل لنظام النسبية الذي كان هو حيلة النخبة للإلتفاف حول إرادة الريف، كذلكم النسوية التي جعلت قضية المرأة بمعزل عن قضايا المجتمع. لا ننسي أن السباق الرئاسي لم تسبقه سبل تستدفع الجماهير للإصطفاف حول مشاريع فكرية  محددة، بل الإكتفاء بالبريق الشخصي، والنفوذ المعنوي و المادي الذي تمثل في الإعتماد علي آلية الدولة التي لم تتخذ أي مسافة من الحكومة. وإذا ذاك هو الحال فإن من شأن الشعب الذي تتشبع ثقافته بروح "الغلبة" أن ينتخبها إلي الأبد مما ينذر بحدوث إنفجار سياسي وإجتماعي يبلغ دويه أقاصي البلاد.

 ما يزيد من دوي هذا الإنفجار هو أن العصابة النيلية لا تريد الإحتراف بواقع التحول الفكري والسياسي (الذي يقتضي النظر إلي شأن التدافع الرأسي بين ريف ومركز وعدم الإكتفاء بالدايلكتيك الأيدولوجي بين يسار ويمين)، لأنها أن فعلت، مثلاً كأن ترشح جنوبي أوغرباوي، فستكسر الحاجز المعنوي والنفسي الذي جعل الغرابة والجنوبيين في وضع المستجدي وليست المستحق للإسهام في حكم الخرطوم، بل السودان، ديمقراطياً. ومن فعل هذا منهم (الشعبي أو الحركة الشعبية) فلا ندري أن كان يريد توجيه هذا الدايلكتيك إيجابياً أم أنه يريد الإستفادة من إفرازاتها السلبية لتحقيق إنتصار عسكري  علي غرمائه الذين لم يستطع العيش إلاَّ تحت العداوة لهم؟

*****

(2)

إن الخطاب السياسي الذي صحب حملة الإنتخابات المُبتسرة (والتي لم تستمر أكثر من شهرين في وقت يُعتبر من بدأ قبل عامين متأخراً في الولايات المتحدة) قد عكس إلي جانب الإستقطاب الأثني الحاد إنفصاماً وجدانياً يجعل من الصعب إيجاد أرضية وسط ما لم تتغير الأطر الإعلامية والتعليمية وترشد الممارسة السياسية. ذلك أن البعض لم يزل يُعبر عن خلافته السياسية من خلال اللغة الدينية في شكلها الأيدولوجي التي يستغلها البعض لمصلحته التي لا تنساب إلاً بتقنين المفارقات الإقتصادية والإجتماعية. وقد يكون هذا تفسيرهم لقوله تعالي "ليتخذ بعضهم بعضاً سِخرياً"، كأنما الدين هو وسيلة لتقنين الظلم الإجتماعي لا لتطويع الواقع الإجتماعي. ومن هنا نفهم تحالف الأحزاب - - أحزاب اليمين من أخوان مسلمين، أنصار سنة، صوفية وآخرين مع نظام الإنقاذ  الذي ظل يكتسب مشروعيته من الحرب التي تمتد من قتل المسلمين إلي تزويد الأخوين المتخاصمين بالسلاح وذلك في السودان عامة وفي دارفور خاصة. ما رأي هؤلاء الأئمة في الأرواح التي أزهقت والله تعالي يقول "ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً  فيه وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً" بل ما هو رايهم في قوله (صلي):-  من أعان علي قتل مسلم ولو بشق كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله. اعلم أنهم سيبحثون عن المتن، ماذا يغني المتن وقد أضاعوا النص ووأدوا روحه بتعاونهم مع الطاغوت والله تعالي يقول (ولا تركنوا إلي الذين ظلموا فتمسكم النار)؟ سأل أحد "المفكرين" "الإسلاميين" عن تراجع الإنقاذ عن الشعار فقال الشريعة أدرجت في القوانين لكنها لم تنفذ. متي كان الإسلام مصفوفة قانونية  تتجمل بالعدالة الإجتماعية؟  متما حدث ذلك فإن الشريعة الإسلامية ستستحيل إلي صنم ظل يحلم المسلمون بعبادته في القرن العشرين! إننا لا ننشد الهداية لأن خلافنا لم يعد في الحق "فهدي الله الذين أمنوا لما إختلفوا فيه من الحق بإذنه" إنما علي الحق، كما أننا لا نطلب الإستقامة لأننا نماري ونتعمد الإلتفاف حول الحقيقة.

إن من خاضوا لجنة الإنتخابات خاضوها وهم موقنين بعدم تكافؤ المعترك لكنهم رأوا  فيها فرصة لإستنهاض شعبنا وحثه في التغلب علي الحواجز النفسية السيكولوجية التي طالما جعلت هذا الشعب يتهيب مواجهه الطاغوت. الأن وقد شرعت الجماهير في التحرك فإننا نناشد هذه القيادات وبذات الدينامية والشجاعة قيادة الجماهير نحو النصر مع اهمية الإستبصار التام لكافة العقبات وهي كالآتي: 

أ‌.      لزم أن نأخذ قضيتنا بأيدينا فمن العار أن ندع المأساة الإنسانية لشعبنا تمر كملهاة في طاولة المناورات الإقليمية والدولية.

ب‌.     إن التحدي يكمن في صعوبة إنتشال دارفور وكردفان من واقع الإنهزام النفسي والإجتماعي، سيما الإرتكاسة الإقتصادية، السياسية والعسكرية: أمَّا أن نتحد،  فنواجه ونهزم الطاغوت أو نفني كما فنيت شعوباً من قبل. لكن، أن نفني دون أدني مقاومة فذاك هو العار، بل هو الشنار والتنكر لتاريخ أسلافنا المجيد.

ج.   في مدار البحث عن حلفاء يجب ان نعول أولاً علي إمكانياتنا الذاتية في تفعيل القضية، والإسهام في                      الشأن العام، إذ أن الإقصاء المُتعمد لشعبنا (من خلال الترميز) قد حرم هذا البلد من موروث هائل، عمق هوياتي فاعل،  ثراء مادي، موقع جيوإستراتيجي، إلي آخره.

بمثل هذه الواقعية تستحيل الهزيمة إلي عزيمة  يجب أن تدخر ليوم النصر، يوماً يتأهب الشعب فيه لإنتخاب من يرافعون عن حقوقه الثقافية، الأدبية، الإقتصادية، السياسية والإنسانية لا ان يقنع بإنتداب إناس لا يفعلون أكثر من تقنين واقع التبعية المرير. الأدهي، إنهم  يسعون لإخفاء آثار الجريمة التي أن خُفيت في الأرض فلن تُُخفي في السماء (سنكتب ما قالوا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مُبين).

لقد إستبشر بعض المثقفين خيراً بإنتقال ملف دارفور إلي د. غازي عتباني، لكن الأخير وللأسف مضي في سياسة سلفه مع الفرق في أن الخلوي لم يحفل بإستخدام الفكر للتخندق من قناعاته الذاتية، أما المديني فيعرف كيف يحقق أغراضه دون أن يستثير ضغائن الأخرين. أولاً، إنه لم يسع لخلق فضاء يمارس فيه الدارفوريين دورهم العضوي في بناء دولتهم والإسهام بحيوية في رفعة مجتمعاتهم إنما تجاوزهم (تماماً كما يفعل غرايشن) للقيام بهذا الدور بنفسه أو إنتداب دارفوريين لا يمتلكوا من الأفق، ناهيك عن الإرادة، مما يؤهلهم لتجاوز المرسوم قيد أنملة. لقد جاءت الممارسة شائهة في إجتماع قطر بالرغم عن إحتواء وفد المجتمع المدني علي شخصيات ذات وزن فكري، أدبي، شعبي وسياسي، ذلك أن آلية الأختيار قد أعتمدت النخبوية التي تفادت قيام مؤتمرات قاعدية تُهيئ لإختيار قيادات وسيطة ترفع إلي مستوي القيادة العُليا. هذا بالضبط ما تخشاه الحكومة التي لا تسمح البتة بالحوار، دعك من الإذن بإعداد مؤتمر دارفوري - دارفوري تري أنه سيقوي حتماً من موقف دارفور التفاوضي (في شأن الوطن ككل)، رغم أنه سيفنَّد من حجج المغالين الذين عَجزت هي عن هزيمتهم عسكرياً. ثانياً، عوض عن خلق مظلة مدنية/سياسية تُراعي فيها الوزنات الأثنية، عهد المجتمع الدولي الذي لا يعرف الخارطة الثقافية - الإجتماعية  دعك من عجزه لإدراج الأوزان السياسية (يُسانده في ذلك الطبيب الموقر) إلي وضع فزاعات مما زاد من حدة الإستقطاب الأثني وأضعفت من همة الدارفوريين للقيام بواجبهم في ترميم أركان هذا البلد المتهالكة بطريقة قومية تشبه أرثهم الذي لم يتقوقع إلاَّ في عهد القيادات التي أنتجها الفراغ وأفرزتها محطات اللاإنتماء: الأخلاقي، السياسي، الفكري أو الروحي. ثالثاً، أن تجيير إرادة الكيان العربي من خلال الإصرار علي تمثيله  بشاويشية أو أرزقية ينذر بوقوع كارثة  إجتماعية. لأن هذه المجموعات فوق ما تواجه من تحديات مناخية/ بيئية، إقتصادية/ إنتاجية، تعليمية/ تربوية، سياسية/تنظيمية أو عسكرية/أمنية لا تكاد تجد قيادة تلتف حولها أو إستراتيجية تسترشد بهديها حتي تعمل علي تنفيسها المجموعة الأولي إذ أنها تعاني من عوذ فكري يجعلها عاجزة عن تصور التحديات الجيوإستراتيجية التي تعقب الإنفصال والمجموعة الثانية التي تفتقر إلي وازع أخلاقي يحضها للتفاعل الحيوي مع المجموعات الأثنية الأخري.

إن الدولة تعتمد الكيان العربي (الدارفوري) كساعد عضلي لكنها لا تآبه به كمنجز فكري يمكن أن يساهم في حل المشكلة السودانية سياسياً وأدبياً، وما ذلك إلاَّ لجهلهم بتاريخ هذه الأمة وتناسيهم لمجدها الذي لم يكن لولا إعتزازها بالتعددية وإفتخارها بالتباين كمصدر من مصادر الإعزاز النوعي. لقد كان العرب قادة دارفور يوم أن حملوا هذه المآثورة في حدقات العيون، أما وقد أهملوها أو حرضوا علي إهمالها فقد إستحالوا إلي لقيط أو يتيم يستدفعه الجوع لإرتياد ولائم اللئام. وها هو الأستاذ/ أمين حسن عمر؛ رئيس الوفد المفاوض في الدوحة، يرفض أن يكون هنالك مساق ثالث يمكن للعرب أن يندرجوا تحته وقد أصبح لكل من الفور والزغاوة منبرهم. أمَّا أنه يري أن العرب لم تطالهم مظلمة أو أنه يري أنهم رعاع لا يستحقوا التمثيل. لقد ظل العرب مُتململين من هذه الثنائية لكنهم لم يفلحوا في تشييد مظلة ترافع مدنياً عن حقوقهم الثقافية، الإجتماعية، والسياسية الفكرية. ولذا فهم يعبروا عن تبرمهم عسكرياً ممَّا يجعل ولائاتهم تتفرق بين العدل والمساواة، الحكومة والحركة الشعبية علماً بأن كل هذه المجموعات تتعامل معهم وفق متطلبات المرحلة لكنها تبرم معهم وعوداً لا تفي لتشكل مكونات الحلف الإستراتيجي، أو دفع إستحقاقات المكون التاريخي. من هنا نفهم أن العدل والمساواة تري في العرب صخرة كؤود يجب إزالتها أو الإلتفاف حولها فهي تريد تجاوزهم لكنها لا تتخيل نصرة من دونهم؛ الحكومة تتخيلهم مارداً كاد أن يخرج من طوعها ولذا فهي تريد إستهلاك طاقته في معارك داخلية أو مواجهات أوشكت أن تكون خارجية مع دولة مجاورة، من هنا نفهم تلكؤ الجيش الحكومي في التحرك نحو بلبلة لأنها تريده إشتباكاً بين الحركة الشعبية والرزيقات، الحركة الشعبية تريد أن تُنشئ حواراً جاداً لكنها لا تري تكافؤاً بين زعامات أهلية أُدرجت برتب عسكرية في جهاز الأمن الوطني (هيئتها لقيادة مليشيات قبلية)، وجهاز دولة يعمل بإستقلالية للمرافعة عن حقوق الأهل في جنوب السودان. إنهم، أي القادة العُنصريين، يريدونها مواجهة بين الجنوبيين والبقارة عموماً حتي ينشغل البقارة بأنفسهم أو يعيقوا مهمة بناء الدولة في الجنوب.  فعندما واجه أحدهم مغبة خذلانهم للمسيرية، قال بالحرف الواحد "لمَّن ينفصل الجنوب، المسيرية والرزيقات يشيلوا شيلتهم!" لقد فات علي هذا الإنتهازي (وغيره من العملاء الذين أورثهم المستعمر معرة الإنتماء للوطن بعد أن برع أبهاتهم في نظافة وتلميع بوته)، أن إنهزام الرزيقات والمسيرية إذا سلمنا بحتمية المواجهة مع أهلنا الجنوبيين (وهذا أمر لا ينبغي لأن العدو في الأصل واحد) يعني إنكشاف البوابة الجنوبية ليست لشعبنا السودان  فقط إنما أيضاً للأمة العربية جمعاء. هل يمكن لأي جهة أن تخدم المخططات الصهيونية أفضل من هذا؟ ولا حتي مناحيم بيغن نفسه!

 في مغبة ترسيم الحدود بين دارفور وكردفان فإن الدولة تريدها مواجهة بين المسيرية والرزيقات، ففي كلا المعسكرين هنالك غشامة ، أمية (المعسكر الأول أكثر)، وتجار حروب مهمتهم أن يلهوا الجميع عن مهمة تأطير مفاهيم وبلورة وعي جمعوي يرفع البشر إلي مستوي التحدي ويلهمهم الحكمة في مواجهة المحنة القادمة:-  تشرذم السودان كقطر وضياع هويته كشعب. ما الذي يعنيه الإنفصال لقضايا الهوية، الأمن، الإستقرار الإقتصادي، المرعي، العلاقات الدولية؟ إذا سلمنا بأن الرزيقات هم سنكيتة العطاوة (المسيرية، الرزيقات، بني هلبة، إلي آخره)، وأن العطاوة هم رأس الرمح في قيادة معسكر الغرب السوداني فإن المعول عليهم أكبر في الترتيب وإعادة التشكيل حتي تنتظم خطي الكيان العربي الذي يواجه أهوالاً قد تعصف به أو تستدفعه نحو التقدم المدني والتواصل السلمي مع الآخرين. حتي لا نبري الحديث يميناً وشمالاً، فإن علة الرزيقات اليوم في رأسها، وهم شلة من أنصاف المتعلمين وأشباه الأميين الذين إستغلوا إستكانة الإدارة الأهلية وإستهانة منتسبيها فعبثوا بالمقدرات الأصلية لهذا الشعب.  فهؤلاء مدعومون من قبل الدولة ولا يمكن التغلب عليهم إلاَّ بتأليب العامة وإستجاثة البادية مما يضع الكيان أمام خيارين: الراديكالية الثورية في مغالبة الباطل المستفحل أو الفناء. ما هي إذن الحدود المكانية للثورة البدوية وهل من سبيل للحد من شناعة إستفحالها (إذا قررنا بأنها هذه المرة ثورة من أجل المُستضعفين وليست ضدهم)؟ إن موقف رزيقات الجنوب المشرف من حرب الإبادة في دارفور - - إذ أنبأوا أخوتهم بقدوم الحربة بعد أن أيسوا من صدها مما مكن الزرقة من الإنتقال بكافة حاجياتهم إلي الضعين بعد أن ضمنوا سلامة أهاليهم - -  يؤهلهم لتشييد جسر يسهل لعرب الشمال والغرب العبور (إن هم شأووا) إلي بر الفضيلة. إن أي محاولة من قبل النظام لخلق كيانات موازية أو فرض قيادات مُحازية من شأنه أن يُربك النسيج الإجتماعي ويعيق عملية السلام.

ختاماً، لقد ساعد نفاذ المشاريع الفكرية/ الأيدولوجية للنخبة النيلية في التحلل من الإرتباطات السماوية التي لم تفي بالميثاق (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيينه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم وإشتروا به ثمناً قليلاً، فبئس ما يشترون) وهيئ لتفعيل إرتباطات أرضية يتحقق بها مقصد النداء الإلهي (قال الملاء الذين إستكبروا من قومه للذين إستضعفوا لمن أمن منهم) الذي حدد المعترك وصوب وجهته حتي يكون الصراع صراعاً بين المستضعفين والمتجبرين ولا ينحسر في طوق العقيدة أو مطبات الأثنية. هذا مما يستلزم بلورة رؤي لكافة أعضاء الريف السوداني الذي طالما تم الإلتفاف حوله ديمقراطياً (بالنسبية والقوائم الحزبية) وعسكرياً (بإتباع سياسة فرق تسد). إن المشروع الذي يحمل مغزي أخلاقي وإنساني (غير الإنتقامي الذي تبشر به عصابات التمرد) هو الجدير بالتضحية والمتكفل بإستنطاق الأغلبية الصامتة حتي تمارس حقها السياسي/المدني في مواجهة  المجموعات التي تفننت في قطع السبيل المعنوي والمادي. إن دارفور ستتحمل دورها، كما تحملته من قبل، في تحرير السودان من مخلفات الإنجليز، الأتراك والمصريين. حتي يحدث ذلك لابد من إستنهاض  همة دارفور الإجتماعية حتي تعي خطورة الفناء المعنوي إذ هي أمنت البقاء المادي الذي يتهدد أختها في دارفور الجغرافية، ومن ثم تكوين جبهة وطنية دارفورية.  إذا كانت كل الأجهزة  (المالية، الفكرية/العلمية، الروحية، السياسية وحتي الإعلامية) تتعامل معنا كضيوف علي ساحة التراث أو طفيليين علي منصة التاريخ، فلا يظننَّ أحدُ بأننا عزل في مواجهة الطاغوت فإن لدينا من الإمكانيات ما  يؤهلنا لمحاصرته أخلاقياً وفكرياً وعدم إعطائه الفرصة والمبرر لإبادة أهلنا عسكرياً، ومن الإرادة  ما يستفزنا لإتخاذ الخطوات العملية الأتية:  تقديم المشروع، تحديد المشروعية الأخلاقية والفكرية، إختيار الإستراتيجية، الوسيلة، التيقظ في تحديد العقبات والتبصر  لمعاينة الأفق الذي ملؤه سعد فوق ما نعاين من نكد.