تعليق علي السلطوية المركزية لترشيحات حزب الأمة القومي

*ثنائية الشاويش والدرويش*

إنفعلت أحدي السيدات اللائي حضرن الجرتك ( جرتك العروس)  بالرقصات واللبسات إلي حد الإنبهار فقالت، هكذا ودونما أدني إستشعار لواقع التحول الإجتماعي (كونها حبوبة) والجسدي (إذ لم يتبق من الهيكل إلا َّ ظله ومن الشكل إلاَّ مثله) " أنا قررت أرجع وأرقص رقيص العروس من جديد." لم تدم هذه البحبوحة المعنوية طويلاً، فقد إستيقظت علي قهقهة الصحبات. وقبل أن تجرؤ علي إستفسارهن قلن لها "وماذا ستفعلين في أبو فلان؟ فإستفاقت ولم تألو وذلك جزاء المتنكرين. ونحن نقول ماذا سيفعل السيد "الإمام" في إرثه المترع بالفشل وقد أعلن ترشيحه علي إستحياء أمام مجموعة من الوجهاء الخرطوميين والوجيهات؟ أي نصح يملك أن يقدمه هؤلاء وقد لبوَّا الدعوة من باب اللياقة والأدب وليست من دافع المرافعة والكسب؟ أم أنه أغفل واقع التحدي الميداني فإستحال إلي نجم إعلامي؟ أي رجح يرجوه زعيم تصدعت الارض من تحت قدميه حتي بات كالراقص بلا ساق؟ هل مازال متوهماً أن الإشكاليات التي أثيرت بشأن المؤتمر السابع لم تكن إلاَّ "زوبعة في فنجان"  او كما قال؟ علماً بأن اللجنة التي كونت رغم قسمتها الضيزي )التيار العام/جناح "الإمام": ٢/٦( قد فشلت مرتين في تقريب الشقة ناهيك أن تكون قد أفلحت في حل الإشكاليات حلاً مبدئياً يمهد لتقنين مبدأ المؤسسية ويُفسح المجال لمنهجية تكون هي الديدن في حل المشاكل المستقبلية بعيداً عن الغوغائية، الإلتوائية والطبطبة شبه أبوية.

(1)

 لقد كان المقصود من محاولات التسويف، الإستعباط وأفانين التنقل الإنتقائي بين دستوري ٢٠٠٣ و ٢٠٠٩م كسب الوقت حتي تتمكن مجموعة "الإمام" من ملئ القوائم ومن ثم إضاعة الفرصة في الترشيحات للتيار العام. إستدركت جماعة التيار العام هذه المكيدة فأودعت طعنها في مؤسسات الحزب لدي مجلس الأحزاب، الذي تعامل معها بمهنية لا تخلو من روح سودانية تُفَضِل - قدر الإمكان- حل الإمور بالحُسني، إذ قد طلب منها السيد "الإمام" إعطائه فرصة للتوصل إلي حل مُرضي. الغريب في الأمر أن مفهوم "الحل المرضي" قد شمل المساومة، الإبتزاز او التهديد المباشر، كل شئ غير الألية ولا حتي  الموضوعية التي تؤطر لحل المشاكل مهما تفاقمت علي أسس حضرية. لم يزل هذا الأمر مُستمراً حتي تلبسنا بعنجهية الروايعية التي تقول "ياتشربي يا أكسر قرنكي!"

 كل هذا يحدث في طائفة لم يعرف عنها حتي حين التدني إلي درك التنافس الدنيوي القح ومع جماعة كانت الأكثر إلتزاماً بموجهاته كراعِ (بل هي حتي الأن لم تزل محترفة بقوامته). هل فعل "الإمام" ما من شانه أن يحافظ علي اللُحمة القومية، الرابطة الدينية والنفرة الجهادية أم أنه أثر العاجلة فقرر الرقص علي أنغام الإستبداد، الشمولية والنرجسية؟ إن أناساً كانوا علي مستوي التضحية بأرواحهم يكتبون اليوم غرافيت علي الحائط ينددون بإمامهم (الإمام سليط لسان قليل إحسان) وغيرها من العبارات التي لا تليق وشأو الائمة (إن يك وأحداً منهم) الذين إمتدحهم الله في كتابه بقوله (وجعلهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وكانوا لنا عابدين). هل لأنهم جهلوا قدره، أم أنهم أحسوا إستخفافاً منه بأقدارهم؟ كيف إستحالت قلعة الصمود والوطنية إلي مغارة للسماسرة، البهلونات وأشباه الجنرالات؟ أبمثل هؤلاء يريد "الإمام" إصلاح ما تهدم من بنيان؟ أخاله يتخير "الأخلاء"، وقد كان السيد عبدالرحمن ينتقي النجباء: المحجوب، إبراهيم أحمد، نقدالله، امين التوم، عبدالله خليل إلي آخره. لمصلحة من يتم تشويه الشخصية الانصارية التي عُرفت بالزهد، التُقي، التجرد، الورع والصدق؟

إن الخصائص التي يرفضها "الإمام": الآنفة، الكبرياء، العِزة، إلي آخره، هي ذات الخصائص التي هيأت لقيام المهدية، والاَّ لكنا في إنتظارها حتي اليوم، وقد أدركها أناس بعد إنتصارها (هم الوحيدون ودون إستغراب يتم تصدير النواب إليهم)؟ ولينظر "الإمام" من اي الابواب تؤتي قلعة الصمود. كيف  تتنزل المُثل إلي هذا الدرك وقد كان حرئُّ بها أن تترفع إلي أفق بهئ؟ هل يكتفي "الإمام" بالإحتفاء بالليبرالية ولا يعمل علي تفعيلها؟ أم أنه إكتفي منها باليسير: النجومية، الزخرفية والإحتفال بأعياد الميلاد؟  أي حمد يرجوه رجل يجهز علي إرثه بهذه الطريقة؟

(2)

لا أعجب من مثقفين يحتفلون بعيد ميلاد "الإمام" فسنوية الميلاد امر يستحق التبجيل، لكني أعجب من قناعتهم بموافقة هذا التاريخ لميلاد عيسي بن مريم، لقد زعموا أن تاريخ ميلاد "الإمام" قد وافق ميلاد عيسي بن مريم. ماذا لو علموا أن ميلاد المسيح هو في ١٢/٧؟ (راجع محمد في الإنجيل، قيس الكلبي). بمعني أنهم يضفون قدسية علي العمل العام، إذ يوقنون بدلالات ميتافزقية ماورائية لمولد شخص معين. لنا أن نتسأل كيف يتظاهر أناس بالليبرالية ويتحصنون بقلعة التقليدانية؟ أمنَّ سوء فهم لليبرالية التي أجلَّ ما تقيم الحرية الفردية، أم برغماتية الجأتهم إليها مجتمعاتهم التي تُعاني من حالة إحتقان أُبأس تجلياته النفاق؟ متي كان هؤلاء يؤمنون بالقوامة الدينية أصلاً حتي يؤمنوا بالإمامية. أغلب ظني أنهم يندهون هُبل (يطلبونه في الشدائد) ليست قناعة به ولكن رب إله يفي بحاجاتهم النفسية أدعي من أخر يؤرقهم، إذ يطالبهم مغالبة الإزدواجية الأخلاقية التي يعيشونها للإمتثال بقيم طالما طالبوا الأخرين الإمتثال بها:- ألاَّ تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان. إنهم، أي نخب المركز، تخشي أشد ما تخشي زحف قوي الريف السوداني ولذا فقد آثرت الإصطفاف الطائفي علي المد الشعبي الذي سيكونون أول ضحاياه لأن الطوفان يقضي أول ما يقضي علي الغثاء. إنه يتملقونه لذات الأسباب التي يظن القارئ أنهم سيمقتونه من أجلها -- التنكب علي القيم المؤسسية والإستهزاء بالمرجعيات الدستورية.

ليت شوقي كان حيَّا فينشد:

والعلمانيون أنت أمامهم

                    لولاء دعاء القوم والغلواء

أنصفت أهل الجهالة من أهل النُهي

                  فالكل في حق الحياة سواء 

(3)

بالرغم عن أنني غير مؤمن بجدوي الإنتخابات، إذ أننا نعيش محنة إنسانية لا يمكن تجاوزها لعقد صفقة سياسية إلاَّ من خلال إصلاحات مؤسسية وبنيوية، إلاَّ أنني سأتخذها مثالاً  لإبراز عجز النخبة وإفلاسها الأخلاقي (كمشكل سلوكي) وتبيان أن هنالك خلل بنيوي في قانون الإنتخابات (الذي وصفه واحدُُ من حكماء السياسة السودانية، د. الطيب زين العابدين بأنه أفضل قانون للإنتخابات إذ جمع بين النسبية والجغرافية) (صحيفة الصحافة – العدد 5946). لو أن غيرك قالها يا أبا سوسن! 

أ‌.          إن هذا القانون لم يُصمم وفق رؤي فلسفية، ناهيك عن أن تكون هنالك منهجية، إنما الكيد المُستبطن/ المُعلن للإلتفاف حول إرادة الريف السوداني. كل السودان يتنافس علي (٦٠٪)  "وهم" قد ضمنوا مقاعدهم في النسبة النسوية (٢٥٪) والعامة (١٥٪) (علماً بأن النسبية هي وسيلة من وسائل التمثيل الإيجابي الذي من المفترض أن تستفيد منه النسوة اللائي عانين تاريخياً من ظروف التهميش الإقتصادي والإقصاء السياسي - الإجتماعي). لقد حسمت النتيجة سلفاً لصالح المركز وإلاَّ فمن يحدد الترتيب في القائمة، وعلي أي أسس يُبني؟ إن الوزيرة الجديرة والباحثة المقتدرة، السيدة/ حياة يحي المهدي، تدرج رقم ١٠، في حين أن السيدة/ رباح الصادق تدرج رقم ٣ في القائمة النسوية علماً بأن الاخيرة ليس لها بلاء ولا عطاء إنما إنتماء للمكتب السياسي الذي  ولجت إليه من كلية "الإمام" أو كلية المبدعين (لا ندري كم عدد المبدعين في حزب الأمة، إنما الغلبة للمجاهدين الذين أتوا في الهجرتين من غرب السودان، هؤلاء يتم إستدعائهم في الضراء ويؤثر غيرهم في السراء). إن ظروف الأستاذة/ سارة نقد الله المهنية منعتها في الأغلب من الترشح لكنها رشحت شقيقتها السيدة/ فاطمة عبدالله عبدالرحمن نقدالله وإلاَّ لكانت في المرتبة الرابعة، فكيف تفهم محاولات الإحلال والإبدال بسيدات مغتربات وفي الوطن من هنَّ مُصطفات، صابرات ومرابطات؟

إن تميز البروفسير/ الشيخ محجوب جعفر الأخلاقي والمهني يؤهله لأن يكون علي رأس القائمة (فقد أُدرج رقم ١)، لكن بلاءه السياسي يتقاصر به قليلاً (إذ أنه يتغيب فترات التمحيص ويظهر في لحظات الإنفراج). أمَّا إذا أعتمد السجل الإنتخابي فهو حتماً سيتراجع لأنه كان الأخير (رقم ٢٠) الذي أغلق الباب بعده في منحي السباق للمكتب السياسي السابق. المُلاحظ أن القائمة القومية تقدم من تقدم فيها بحكم قرابته من "الإمام" وقد كان من المفترض ان يدرج فيها أيضاً أصحاب التميز العلمي، والتفرد الفكري من ابناء الانصار ومناضلي حزب الأمة. أين إبراهيم البدوي، التجاني سيسه، بشير عمر، حامد البشير، الصادق أبو نفيسه إذا سلمنا بضرورة إستبعاد "المشاغبين"؟ من يكون عبدالرحمن الغالي هذا بالنسبة لهؤلاء حتي يُدرج رقم ٢ في القائمة القومية؟ إن من كان حظه في هذا الحزب "طار" يتطاول علي من سَعِيتُهم في القدم رجال. فاللهم نسأل الصبر والسلوان.

ب‌.       في غياب المؤسسية، كون القوائم حزبية لايعني الجماهيرية أو الشعوبية إنما الإصطفائية المركزية (وإذا شئت السلطوية). ذلك أن القوائم تُحدد إتحادياً.  وإذ ذاك هو الحل فهل النخبة النسوية قيمة علي شرائح المجتمع بأسره؟ تحت أي سقف يمكن أن تتبلور هذه الرؤي؟ هل هذه جماعة ضغط ام مجموعة معنية بتصميم سياسات، تنفيذها ومتابعتها؟ 

ج. إستبعاد المستقلات من القوائم فيه إحتكار، وإلزام الناخبين بالتصويت الأحادي (تِك علي القائمة وليست علي الأفراد)، كما فيه إبتسار لمفهوم التمثيلية. قد يحتج المرء بالتفعيلية (قضايا المرأة لا تنعزل عن قضايا المجتمع)، كيف إذن أصبحت القائمة منفصلة؟ كيف تسمي نسبية إذ هي مغلقة؟ لماذا لا نفسح المجال للناخبين للإختيار ما بين المرشحين/المرشحات؟ علماً بأنه ليس هنالك حزب له تصور عن إمكانية النهوض بالمرأة، ولذا فالكل يعول علي الأشخاص، خاصة أن النساء صاحبات المشاريع الفكرية الحقيقية غير منظمات سياسياً مما يخلق إشكالية في ملئ المقاعد (ليست لأنهن غير مقتدرات بل لانهن مُغَيَّبات) وإقحامهن بطريقة توفيقية/تلفيقية يكون فيه تضحية بالموضوعية. إن تأرجح المثقفة وإزدواجيتها تجعلها تتهيب الخوض في ميدان التنوير الذي لا يمكن أن يكون شأناً ديوانياً. فهل النسوة اللائي ضُمَّن ضُمَّن لحرصهن علي قضايا المرآة أم إذعانهن للنظام البطريقي الذي إستبقي المرآة في خانة المتاع؟ 

(4)

بعد أن تعرضنا للخلل البنيوي فيلزمنا أن نتعرض للشائهة المسلكية والتي يمثل حزب الأمة القومي أحدي تمثلاتها. لم  يجد مجلس الأحزاب بدًا من إعطاء قيادة حزب الأمة  "جناح الإمام" اجل محدد في الرد علي مذكرة الطعن بعد أن كثرت المماطلة ونفد صبر التيار العام مما جعله يستحث الجهات الرسمية التي تعاملت معه بمهنية عالية وإحترافية أشبه بإحترافية الجيل الأول من كوادر الخدمة المدنية. سنحت فرصة لقيادة الحزب في هذه الأثناء لإستخدام لجنة الإنتخابات المركزية في ممارسة الضغط علي المكاتب الولائية وذلك بالحصول علي إعتماد إنتخابي مقابل إحتراف العضو بالمؤسسة المطعون في شرعيتها والتعهد بسحب التوقيع الذي أسنده ثمانية وعشرون شخصاً لدي سجل الأحزاب. وهذا في حد ذاته خرق، ليست فقط لدستور الحزب، لكنه أيضاً إستهزاء بقواعد اللعبة العامة وتندر بقانون الإنتخابات الذي يمنح فرصة التقاضي للخصمين حتي من داخل الحزب الواحد. ثانياً، إن محاولات الإبتزاز هذه تُعتبر سابقة ومسلك غير سليم تنتهجه قيادة الحزب وقد كان الأحري أن تشجع كافة المنتمين التمسك بالقيمة الحضارية في فض النزاعات الفردية والجماعية. (انظر حالنا وحال الأمريكان الذين أرغموا رئيساً لهم، ريتشارد نيكسون، بالإستقالة لمجرد إتهامهم له بمحاولة التدخل للتأثير في مجريات العدالة).

إن رجالات حزب الأمة الذين قدموا إليه من الباب، شيدوا بنيانه بأموالهم وعززوا عرموصة بدمائهم لم يساوموا في أعز من ذلك، بل آثروا الصبر علي البلواء، فما الذي أغري بهم الأمين العام حتي ظن أنهم يساومون علي مبادئهم مقابل دوائر إنتخابية إرتسمت تضاريسها منهجاً في وجدانهم قبل أن تستحيل إلي حدود في خارطة جغرافية. إن تصرف قيادات المكاتب السياسية الولائية أكبر دليل علي أن قلعة الصمود تظل صامدة رغم إجتياحها بالخفافيش، القنافذ والجرذان. ولنأخذ الأمثلة الآتية:-

ولاية النيل الأبيض: رغم إختيار المكتب السياسي السابق له بالإجماع، رفض مولانا/ حامد محمد حامد أن يعطي هذه المؤسسات الباطلة حق التفضل عليه برمز إستقر بمنحنياته في سويداء قلبه قبل أن يستحيل إلي رسم ينقشه الفنانون ويتاجر به المنافقون. أنظر لرجال مثل مولانا/ حامد محمد حامد (الحائز علي أعلي أصوات في إنتخابات ٢٠٠٣م ورئيس المكتب السياسي السابق)، بذلوا شبابهم وشيبتهم في خدمة هذا الحزب يجدون أنفسهم مُضطرين للترشيح مُستقلين لأن "الإمام" قد إستخدم "وضع اليد" لإقصائهم لا لشئ إلاَّ لانهم قالوا لا، لا لن نورث، وإذا ورثنا فلن يورث أبناؤنا. فقد مضي عهد الإنقياد الأعمي والإذعان المطلق. إن العقل الإنساني قد تروحن وإذا لم، فقد تعلمن. وفي الحالتين فلن يتخذ شخصاً مرشداً له إلاَّ وهو علي مستوي عال من النقاء الروحي أو النفاذ الفكري. الحقيقة التي يجب أن يدركها كافة المُرشحين أن ٨٠٪ من الناخبين أعمارهم دون الأربعين. فليكونوا مستعدين للتعامل معهم بأساليب غير التي إعتمدوا من قبل. وليذهبوا فليجربوا شعاراتهم القديمة وليروا إذا لم يُرجموا بالحجارة، وليركزوا إذا لم يُلجموا بالعبارة.

شمال كردفان: وإذ أحس المكتب السياسي إستهادفاً لرموزه ومحاولة لإقصائهم قسرياً، فقد إختاروا المناضل الجسور بكري عديل مُرشحهم لمنصب الوالي. إعتبر المركز هذا الإختيار تحدياً له لأن بكري عديل يُعد من المناؤيين الذين يصرحون دوماً بقناعتهم في أن رئيس الحزب هو أكبر عائق للمؤسسية والتقدمية، وأن أي محاولة للإلتفاف حول هذه الحقيقة تُعتبر هدراً للطاقة وإضاعة للوقت. حاول "الإمام" في لقاء خاص إثناء المرشح عن عزمته، فتمسك الأخير مُحترماً رغبة الجماهير. مما دفع الأول لإستخدام اﻠڤيتو ورشح مولانا/ محمد المهدي حسن مكانه (وليشرب أهل الولاية من أي الرهود شاءوا!!)

ولاية الشمالية: إختارت مؤسسات الحزب الشرعية السيد/ عبدالله الزبير الملك، رئيس الحزب في الولاية، مُرشحاً لمنصب الوالي. رفض المركز إعتماده، وإعتمد مكانه السيد/ بشري عبدالحميد، مغترب لأكثر من ثلاثين عاماً بالسعودية، بحجة أن الأول غير ملتزم بمؤسسات الحزب الحالية، فقرر الملك أن يترشح مستقلاً. أنظر، أبن الملك الزبير، أحد المؤسسين الخمسة والممولين للحزب قبل أن يتعرف قادته علي الجيوب الأجنبية، يترشح مُستقلاً. فأيُّ مستقبل يُرجي لحزب يتعمد تهديم ركائزه يهذه الطريقة؟ (أي حزب يقبل وشاية المخبرين في المناضلين؟)

جنوب كردفان: إحتدم التنافس قاعدياً بين السيد/ الظاهر خليل (رئيس المكتب السياسي في ولاية الخرطوم) والسيد/ حبيب سرنوب (مغترب أكثر من عشرين عاماً) فحاز الأول علي ٢٤ صوتاً، وحاز الأخر علي صوتين. طلب المركز من الظاهر التنازل فأكد الأخير إلتزامه بقرارات الولاية ورفض التنازل. لله درهم هؤلاء الرجال الذين يرفضوا الإستكانة والخنوع ولو أن تُصاغ لهم في شكل لقمة روحية وجلسة مع "سيدي الإمام!" بإعتذاره، أخرج حبيب سرنوب الجميع من هذا الحرج فلم يجد المركز بُداً من إعتماد الظاهر في القائمة التي أُسندت لدي المفوضية. لكن المجموعة أياها نكصت علي عقبيها، إذ صعب عليها تحمل أحد أهم قادة "التيار العام" في قائمتها فقررت التقدم بعريضة لإزالته وأخرين هما يحي ساتي وزين العابدين قادم بعد قفل باب الترشيح، مما يعني ضياع الولاية علي حزب الأمة بشقيه. أي غصة هذه التي تجعل القائد يضحي بالجهاز الإداري (الذي قُيض له الفوز في الإنتخابات السابقة وبغيابه سيكون الفشل حتماً حليفه) لينقض علي مجموعة، جُل جُرمها أنها عملت علي تصويبه في شأن إجرائي؟ أي محنة هذه التي نحن فيها؟ أي فتنة هذه بالله عليكم؟ صدق خلف الأحمر إذ أنشد:

لنا صَاحبُ مُولَعُ بالخلافْ     كــَثيرُ الخطاء قَلِيلُ الصَّــــــوُابْ

ألَجَّ لـــجاجاً مِن الـخُنْفُسَاءْ    وَأزْهــــي إذَا ما مَشَي مِنْ غُرَابْ

                                                 (شرح ديوان أبي الطيب المتنبئ (ص11)- لأبي البقاء العكبري)

جنوب دارفور: تقدم المكتب السياسي الولائي بإسم المهندس/ حسين إبراهيم صالح مُرشحاً لمنصب الوالي فإعتمده المركز شريطة أن يعترف بشرعية المؤسسات القائمة. إعتذر حسين إبراهيم صالح وقرر خوض الإنتخابات مُستقلاً  إذا ما أصر الحزب علي موقفه. إستدعته الرئاسة وهيئت له شرف اللقاء بالرئيس (الذي هو رئيس أو "إمام" حسب ما تدعيه الضرورة ويقتضيه الموقف) الذي طالبه بالتنازل لرجل يَفْضُله من الناحية المالية هو السيد/ موسي مهدي إسحاق. قد يبطل عجب القارئ إذا علم أن الأخير هو صهر العقيد/ صديق محمد إسماعيل الذي ما زال يعتمده "الإمام" أميناً عاما ًللحزب. وأنا أتسأل هل كان المحجوب وأمين التوم يقومان بدور الياور أو الملازم فيفتحان الطريق للإمام؟ إن لم يكن أحدهم ملكاً فليتصرف كالملوك (هكذا تقول الحكمة البريطانية)! هكذا تقول الحكمة البريطانية. إذن فالأمين العام يفضل القرابة الرحمية علي تلكم الروحية لأنه يديرها كشأن عائلي وليست كمرفق عام يتمايز الناس فيه علي قدر تفاوتهم في الملكات والمؤهلات. وسؤالي: متي كان الأنصار يتفاضلون بالمال وهم من إزدروا الدنيا حتي فاتوها ولم تفتهم (إذ لم يكونوا يوماً حريصين عليها)؟ أبمِثل هذه القَيم السالبة يريد "الإمام" وحاشيته أن يُنشئوا الناشئة؟ إذن، ما الفرق بينهم وبين الإمبريالية الإسلامية والطائفة الماسونية التي تحكم البلاد وتتحكم في مصائر العباد؟ 

شمال دارفور: أجري المكتب السياسي تصويتاً نال فيه رئيس المكتب السياسي، د. بيطري/ محمد أدم عبدالكريم ٩٠  صوتاً، مقابل ١٦ صوتاً لإسماعيل كُتر. إن رجحان كفة محمد أدم عبدالكريم لم تعجب "عُصابة المركز" لأنه يعتبر من قادة التيار العام فأجروا إنتخابات في المكتب السياسي المركزي حضرها ٤٢ من مجمل ١٦٥ (بمعني أن الإجتماع غير قانوني) صوت ٢٧ منهم لإسماعيل كُتر، كما نال محمد أدم عبد الكريم ١٥ صوتاً. لقد أجري المركز إنتخابات الغرض منها تفنيد الإجراء الولائي، لكنها الحبكة التي قُصد منها إضفاء شرعية علي شأن كيدي. إتصل"الإمام" شخصياً بمحمد أدم عبد الكريم وأبلغه بأن الأمر يسير لا يتجاوزشرط الإقرار بشرعية المؤسسات الحالية مقابل إعتماده مُرشحاً لمنصب الوالي بولاية شمال دارفور. رفض الاخير أداء القسم مما تسبب في حرمانه من الترشيح كما إنتزع منه حق الإعتماد للمرشحين الأخرين بإعتباره القيادي الأول للحزب بالولاية وأعطي الأستاذ/ إسماعيل كُتر (مُضمن لدي الصحيفة صورة من الخطاب الذي مهرته سارة نقد الله بإمضائها). بخلاف التجاوز الإجرائي، فإن المقارنة بين كُتر ومحمد أدم عبد الكريم تكاد تكون منعدمة. لقد أطاح المهندس/ صالح عبدالله في إنتخابات ١٩٩٦م بالأستاذ/ إسماعيل كُتر ممَّا الجأ الأخير لترك صفوف المؤتمر الوطني وجعله يؤثر الإنضمام إلي حزب الامة. منذ ذاك الحين وهو يشاكس محمد أدم عبد الكريم، مُرشح الدائرة الجنوبية (شمال الفاشر) الذي فاز فيها بعد عام من تخرجه (١٩٨٦م). من حينها ومحمد أدم عبدالكريم ينافح عن قضايا دارفور والوطن معولاً علي الروح القومية، تاركاً للأخرين الإنزلاق في مهاوي العنصرية. رغم السلطوية والأساليب التعسفية التي إنتهجها المركز في المحاولة لإقصاء قيادات التيار العام، مما أضطر بعضهم للإستقالة، التجميد أو الإنسحاب، فإن قائمة التيار العام تظل راجحة بقامات رجالها وتفردهم النوعي. لعل ما إستعرضناه من نماذج يبرهن علي صحة قولنا في حزب الأمة "جناح الإمام" قد حرص علي الترشيح في مناطق لا تعتبر تاريخياً من دوائر النفوذ لحزب الأمة. كما أهمل بل أضاع مناطق في دارفور خاصة -- كانت مضمونة لحزب الأمة، مثل أم كدادة التي ظل الحزب يفوز فيها منذ عام ١٩٥٣م، مكجر أم دخن، أم خير أزوم، السريف، الواحة، كبكابية وشمال كتم (دار زغاوة). إن نتائج الترشيح متتالية بعد ما مورست فيها كل افانين الإصطفاء الطائفي كالأتي (التيار العام/ جناح "الإمام"): (شمال كردفان: ٩/١١)؛ (جنوب كردفان: ٦/٤)؛ (شمال دارفور: ١٩/٧)؛ (غرب دارفور: ٣/٣)؛ (جنوب دارفور: ١٤/١٥)؛ (النيل الأبيض: ٣/١١)؛ (القضارف: ٠/٩)؛ (الجزيرة: ١/٢٥)؛ (سنار: ٦/٣)؛ (النيل الأزرق: ٠/٣).

 

 

(5)

إن بؤس المعرفة بالخارطة السياسية الإجتماعية الذي نجم عن غياب القيادات ذات الوزن الثقيل، ضعف التنسيق، إنعدام التمويل، لا ننسي الإنشقاقات الداخلية والتحولات الديموغرافية التي حدثت جراء التصحر والحروب تجعل أي محاولة للتكهن بنتائج الإنتخابات عسيرة إذا لم تكن مُستحيلة. إما أن جناح الإمام سيمني بهزيمة نكراء، إذا تخلصت جماعة التيارالعام إلتزمت وقررت التنسيق مع المؤتمر الوطني، الحركة الشعبية، الجن الأحمر أو الأصفر، كل شخص، أي فعل أو تنازل لتمريغ أنف الطائفية في التراب. إن مجرد الإصطفاف الطائفي يُنبئنا بأن "الإمام" قد رشح أبنائه في ولاية النيل الأبيض علماً بانه كثيراً ما كان يتشدق فيقول أنهم ينتمون جينياً إلي كافة أنحاء السودان. فلماذا لا يترشحون في الشمالية، دارفور أو كردفان. ما الذي غرَّهم بتندلتي، أم رمته أو النعيمة حتي ظنوا أنهم سيتوراثون أهلها مثلما يتوارثون الخيل، البغال والحمير؟ إنها ثقافة الطاعة، بمعني الإذعان والإنقياد، التي هيئ لها المسيد ووطدت لها الولاية الروحية في منطقة الوسط السوداني. ستفاجئ الجماعة لأنها لا تعلم أنه بالقدر الذي يبدو فيه الوسط عصِّياً علي التغيير، فأنه سهل الإختراق.

(6)

لقد أوضحت في مقالات لي سابقة أن هذه المناطق قد إستقبلت المهدي منتصراً ولم تترقبه منتظراً، ولذا فإن لها درجة عالية من البراغمتية تستدفعها للتعامل مع الواقع السياسي الجديد بنوع من الواقعية يعرف الدكتور/ نافع علي نافع كيف، ومتي يطلبها ولأي غاية يستخدمها (بخلاف غرب السودان الذي أخذ الأمر محمل الجد مهما كلفه من رهق مادي وروحي قبل أن يكتشف فصول المسرحية فيعمد إلي الخروج منها مُتحسراً). بالنسبة للأخير فإن المُعترك الحقيقي هو دارفور، رغم محاولات الإيهام فإن نجاحهم في كل السودان يُعد إخفاقاً إذا أخفقوا في دارفور، والعكس غير صحيح، كيف يمكن أن يتحالف التيار العام مع المؤتمر الوطني دون ان يتنازل عن مواقفه المبدئية من القضية الدارفورية؟ هل يمكن أن تحدث للمؤتمر الوطني صحوة أخلاقية فيُقرر إنصاف شعب دارفور؟ حتي الأخرين لم يستطيعوا أن يصمدوا في وجه الإغراءات السياسية والأطماع الشخصية وأحالوا القضية الدارفورية إلي الأدارج الخلفية رغم تمسكهم بها كشرط لخوض الإنتخابات في مؤتمر جوبا. في مثل هذه الملمات التي تؤطر لها الشخصيات أكثر مما تقنن لها المشروعيات كل له بواكي إلا دارفور. ألم يأن لأبناء دارفور أن يعووا ان الحزبية قد أضحت في حد ذاتها سوقاً للمناقصة في الأصوات البشرية، بل، منذ متي كانت هي ساحة للمشافهة والمشاهرة في القضايا الوطنية؟ إنْ الترشيحات الرئاسية إلاَّ عروض أولية للمقايضة (٣ مليون دولار، لا (٥)، نزل شوية، طلع شوية إلي أخره من حالات السوقه والسبابة) للتنازل في المرحلة الثانوية. من لم يورثه أباه شاة وأبقاراً فقد أورثه بشراً وأحجاراً يتاجر فيها ليؤمن مستقبله ومستقبل عياله المادي والمعنوي. ألم أقل لكم أنها أرض فضيحة تلك التي نسكنها.

                              أَرضُ ضيِّقةُ هــي تلك الأرض الـــتي نـــسكنهــا

وتسكــــننا. أَرض ضيِّقــة لا تَتّســع لإجـــتمـــــاع

قصــير بيــن نبيّ وجــنرال. وإذا تـعارك ديـــكان

عــــلي دجــــاجـة وعــلي خُـــــيَلاء، تـــطايــــــر

ريــــشهما عــــن الأســــوار. أَرض ضــــــيِّقة لا

حــميمية فـيها لنكاح بين ذكر الحـمـــام وأُنـثـــــي

                              الحمام. أَرضُ فضيحةُ. أَرضُ صفراءُ الصــيــف

                              ينــقر الشـــوك فــيها وجــه الـــصخر لتزجـــــية

                              الوقت، حــتي لـــو قـــالت قــصائدنــا عـكــــــس

                              ذلك، وأمــــدَّتها بـمخــتــارات مــــن أَوصـــــاف

                              الفــردوس لإشبــــاع جــــوع الهــــوية إلـــــــــي

                              جمــاليات.

                                   (أرض ضيقة من ديوان أثر الفراشة (ص121-122)- محمود درويش)

(7)

قبل أن ندلف للتكلم عن الشخصيات، نود ان ننوه إلي بعض الإشكاليات، إن الإشكالية الإنتخابية لم تختصر علي دارفور، كردفان والنيل الأبيض إنما تعدتها إلي الجزيرة أبا، فاتيكان العقيدة الإنصارية. هذا مما إرتاعت له المؤسسسية الرجعية فقررت التدخل دونما هوادة، إنما قيصرية تقنن للوراثية والشرعية الأبوية. إن المكتب السياسي الشرعي بالجزيرة أبا قد إختار رئيسه السيد/ ياسر جراب مُرشحاً للدائرة إلاَّ أن مؤسسة الرئاسة قد إستبدلته بإبن عم "الإمام"، السيد/ حامد الصادق حامد حامد رغم أن مؤتمرهم العام (مؤتمر الجزيرة أبا) قد حضرته الرئاسة، خاطبته وباركته! ولكنها تجاوزتهم متما ما علمت بموقفهم من الخروقات الدستورية التي أشرفت عليها جماعة تناطح اليوم وتكافح كي تجد دائرة جغرافية أو موقعاً في قائمة قومية، دعك من قدراتهم الذهنية التي لاترقي إلي مستوي إحداث هندسة دستورية وتصاميم مؤسسية تُخرج البلاد من أزمتها الوجودية.

ولنبداء بالأمين العام، فقد ذهب الأخير للترشيح في (أم لباسة، جنوب دارفور) إلاَّ أن أهل المنطقة قرروا ترشيح إبنهم د. أحمد عبد المُكرم، أستاذ بجامعة زالنجي. عندما تمنعوا ورفضوا التنازل، تم شطب مرشحهم وإدرج عنوة إسم العقيد/ صديق محمد إسماعيل. إن أحدهم لايكاد يتعدي التدريب الأولي الذي تلقاه من الشاويش وقبلما يفيق يجد نفسه في حضرة الدرويش!

 ثانياً، إعتمد المكتب السياسي لولاية الخرطوم سكرتير الحزب علي مستوي الولاية الأستاذ/ الهادي محمد إبراهيم مُرشحاً للدائرة رقم ٦ (محلية الأمير الثانية)، غير أن "الأمام" تدخل في إطار التخطيط العام لإنقاذ أحد قادة القوات الخاصة، شطب الهادي محمد إبراهيم وأعتمد اللواء فضل الله برمه.

ثالثاً، إقُترح البروفسير/ عبدالرحمن دوسة الترشيح في دائرة النصر (مايو الجنوبية)، إكتشف الأخير أن هذه الدائرة ليست لديها حتي لجنه حزبية، اصر علي أن يوضع في الدائرة القومية. لقد أخرجه تمنعهم عن وقاره المعهود وإمتثاله المشهود، فتكلم بلغة فيها بعض الوعد الوعيد. بعدها إمتثلوا له لأنه أخر "الغرابة" المتخلقين المؤهلين الذين لديهم إرث أدبي وإجتماعي يُغنيهم عن التزلف لأبناء الألهة! إذا راجعت قائمة الإصطفاف الطائفي تجده مدرجاً رقم ٣ مباشرة بعد الطبيب/ عبدالرحمن الغالي الذي أدرج رقم ٢ رغم أن دوسة قد أحرز أصواتً عالية في المؤتمر السادس (٢٠٠٣م) مقارنة بالأول الذي لم يجرؤ للترشح يوماً وعندما ادرج إسمه خطاءاً في قائمة المرشحين للمكتب السياسي عام  ٢٠٠٣م جاء رقم ٥٤. لكنه دخل المكتب السياسي بحكم موقعه من التعيين، نائب الأمين العام، علماً بأن الدستور (تجد مكانه فراغ في الموقع الإلكتروني للحزب) ينص فقط علي أحقية الرئيس والأمين العام في الإنضمام للمكتب السياسي بحكم مواقعهم. وأنا لا أدري ما الذي يضطرهم إلي مثل هذه الالاعيب؟ لماذا يغرقون ذممهم في شؤون دنيوية/عرضية؟ اليست لديهم حق إلهي ( ناري هذه أوقدها ربي) وحق وطني (البلد بلدنا ونحن سياده)؟ لماذا يضيعون وقتاً في البحث عن الشرعية (مثلما تفعل الانظمة العسكرية)؟ يدهش المرء إذا علم أن كل هذه التجاوزات تمهر بقلم رئيسة لجنة الإنتخابات لدي حزب الامة، الأستاذة/ سارة نقد الله. هل ضحت الأستاذه الجليلة بإرثها النضالي، كسبها المعرفي، أريحيتها الإجتماعية، تميزها المهني وخانتها التاريخية في سبيل كسب رضا "الإمام" ام أن المحنة الإنسانية التي تعيشها قد جعلتها تطلب الشفاء في شكل التفشي من أناس لا يملكوا أن يخلقوا ذباباً وأن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذون منه، ضعف الطالب والمطلوب. في أثناء كتابتي لهذا المقال تقدمت لجنة الإنتخابات بالحزب بعد إنقضاء الاجل المحدد لإعتماد الأسماء بطلب لسحب إسم الظاهر خليل، أحد أهم قادة التيار العام. رفضت اللجنة الرسمية هذا الطلب لأنه غير مبرر (إلاَّ من رائحة الخنق الشخصي) ولا يمكن تمريره إلاَّ بطلب شخصي من الظاهر خليل نفسه وبقية أعضاء المجموعة المندرجة تحت القائمة. هل تليق مثل هذه التصرفات بالأستاذه؟ ألم يكن من الأحري ترك مثل هذه التجاوزات للشخصيات "البدون" (وهم ُ كثرُ) في حزبها؟ ألم أقل لكم أنها أرض فضيحة؟

أرضُ ضيِّقة لا ساحة فيها تــكــــفـي لمـعركــة

حــقيقيّة مــع عَــدُوّ خــارجيّ، ولا قـاعة تســـع

المجتمعين لصوغ ديباجة عريضة عن ســـــلامِِ

كَــــذِب. ومــع ذلك، أو لــــــذلك... يقــولــــون

                              إن أحــد الآلهة الضـــجرين إخـــــتارها كــهفاً

                              للــخلوة، والإخـــتفاء عـــن المــتطفلين الذيــن

                              سرعان ما سرقوا قرون أكباشنا، وإستخدموها

                              ســلاحاً لإبــعادنا عن بــاب الــكهف المــُقَدَّس!

                                   (أرض ضيقة من ديوان أثر الفراشة (ص121-122)- محمود درويش)

الخاتمة

إن وحدة حزب الامة تبدو كالجميلة ومستحيلة لأنها تعتمد علي تفعيل الديمقراطية كألية يمكن بها تجاوز الشخصانية، الأمر الذي يقاومه "الإمام" بشدة لأنه يفقده هيمنته علي الحزب ومن ثم يفقده حقه في توريث الحزب لأبنائه وبناته. هلا نظر إلي ما حوله ليعلم أن التوريث غير ممكن وإذا حدث فإنه سيحدث علي حساب التماسك الوجداني للطائفة التي أرقها الشقاق، والحزب الذي أفلسه بؤس الأفاق والشعب الذي أرهقته محاولات الخروج من الأنفاق (واحداً تلو الأخر)؟  أي مملكة هذه التي يمكن ان تُقام من دون دارفور وكردفان وأي شعب هذا الذي يمكن أن يُقَوَّم في غياب ركيزة الأخلاق؟

في مرض الموت، كان أحرص ما قال وصية إكتنزها للحظة الفراق لان بها تحيا الأمم وتنعدم "ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور."  قالها سيد الأولين والأخرين ولم يدم بعدها ليال حتي لحق بالرفيق الأعلي، لأنه كان يعلم بأن تزوير إرادة الشعب والمحاولات اليائسة لتجييرها سيورث غُبناً  تستحيل به وحدة القوم وتضمحل فيه عروتهم. فإن أوثق ما تمسك به قومُُ الصدق، وأجل ما راعوا الشوري، وارقي ما ضمروا المحبة. لقد كانت ساحة الأنصارية وسمائها الحزبي تزخران بهذه الخصال حتي إندس فيهم قوم نُكر وساسة شُتر أثروا الإنقياد وخانوا الإعتقاد. إن ما يصيب الطائفة لايعنيهم وما تعانيه البلاد لا يحزنهم لأنهم إنما إنتدبوا لهدم الكيان من داخله وجُيشوا لدحض الحجة لا لإنفاذها.

لقد عجز حزب الأمة بشقيه (التيار العام وجناح "الإمام") عن بلورة رؤي كان يمكن أن تسهم في إنقاذ شعب من محنته وما ذلك إلاَّ لأنه إمتثل لقيادة كانت تري حلاً اوحداً، ذاك الذي لا يخرج دارفور من دائرة نفوذها. وها هي دارفور قد خرجت، ومن بعدها كردفان، والنيل الأبيض إلي أخره، فماذا هم فاعلون؟ إن الشعب يبحث عن قيادة صادقة يلتف حولها وعن إستراتيجية يعمل علي إنفاذها؟ فهل سيعلنوا عن انفسهم أم أنهم سيظلوا يعملوا في الدهاليز يترقبون لحظة الإنعتاق؟ لقد أعلن "الإمام" عن مساره فليحددوا هم مُرحالهم -- إستنقاذ أهلهم من الفناء الذي هو كائن ما لم توجد صيغة حضارية للتعامل مع الجنوب المنفصل. كيف يوكلونه للتفاكر نيابة عن شعوبهم وهو من هو في نيابة  التحالف مع عصابة  المركز المُتحصنة ضد قوي الريف السوداني؟ أما إنهم لو إنتظروه، فإن هذا الكائن له مقدرة علي إهدار طاقتهم الروحية والذهنية دون ان يكل، يمل أو يهتز له رمش. "ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله علي مافي قلبه وهو ألد الخصام (204) وإذا تولي سعي في الأرض ليفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) وإذا قيل له إتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206)"  صدق الله العظيم - (سورة البقرة)