للخروج من مآزق الحرب المتفاقم لابد من التركيز على مبدأ التنمية الريفية المتكاملة. إذ أن التنمية تقلل من الغبن الذي هو وقود الحرب المعنوي، ومن ثم تساعد الدولة على تخفيض منصرفاتها الأمنية. بالعدم ستظل الدولة تصرف مواردها على حرب ضروس وبهدف ميؤوس، لأن العبرة التاريخية تقول إن من الأسهل إنصاف الشعوب وليس قمعها. لا بد من تطبيق مبدأ "الجمهورية الخامسة" الذي أقر بأن مواجهة أعداء الداخل هو السبيل لتحرر الأمة من أعداء الخارج. أنقذ ديغول فرنسا يوم أن حررها من اضطهاد هيتلر الذي مرغ كرامتها وداس علي كبريائها، وأنقذها ثانية يوم أن حررها من الغلاة والمتطرفين الذين ولغوا في دماء الجزائريين، قتلوا منهم مليون شهيداً واستعمروهم 130 عام (هاشم صالح، كاتب وباحث ومترجم سوري، الشرق الأوسط، 29/8/2014).


إنّ التخلص من الإنقاذيين يشبه التخلص من النازيين الذين عاني الشعب الفرنسي في عهدهم من ويلات البؤس والذل والجوع والقهر والسحل والرعب والقتل، كما إن التخلص من النخب السودانية المتوهمة أيلولة الحق الإلهي إلي طوائفها وأعراقها وجهاتها هو بمثابة التحرر من العنصريين الفرنسين. بيد أن ذلك كله يتطلب ثورة ثقافية تؤمن بوحدة المصير الإنساني وثورة سياسية تؤمن بالديمقراطية وسيلة لتحقق مجتمع الكفاية والعدل، الأمر الذي تطلب تضحيات جسام من القادة والشعوب.


لقد ظلت الألية المتحكمة في أنماط التفكير الدار فوري في النهضة هي ألية "قياس المنجز التاريخي علي الغائب الجغرافي"، أو كما يقول محمد عابد الجابري (رحمه الله) في شأن تعامل النخبة العربية مع التراث أو الحداثة. لم تستطع دارفور أن تفكر أو تعمل لنفسها منذ أن أخضعها الزبير باشا للحكم الخديوي المصري. لقد كانت كل المراحل المهدوية وبالاً علي دارفور، فقد عُوقِبَت من قبل الإنجليز علي مساندتها للمهدية، ولمّا أراد المستعمر تدجين القادة المهدويين جَيّر سواعد الدار فوريين لمشروع زراعي أفقر دارفور معنوياً ومادياً، إذ حرمها فرصة الاستثمار لمواردها الروحية والمادية في الارتقاء بريفها وحضرها. لم تكد دارفور (الاجتماعية) تفوق من هول الصدمة – اجتياح العسكريين المايويين والمصريين للجزيرة أبا – حتي حُمِّلت أوزار الإمبريالية الاسلامية التي أراد قادتها تلهية عضويتهم ب "مشروع الفتح الأكبر " الذي اتخذ من دارفور معبراً لإفريقيا "الوثنية" ومن أبنائها جنداً لدعوتهم الماجنة. هل وعي الدار فوريين الدرس وهل يستطيعون الأن التفكير لذواتهم في إطار المجموع القومي، أم أنهم سيظلون يخوضون معاركهم الداخلية في شكل التدافع مع الأخر؟


نجد أن من رأي أن ما حصل في دارفور، وما يحصل، قد أظهر عجز المثقف وتقاعسه عن التفاعل الإيجابي مع الحركات الثورية، وفقدانه بوصلة التفكير الملائم لقراءة المرحلة. ومن رأي أن سرعة الأحداث جرفت المثقفين والسياسيين وأعضاء المجتمع المدني – وخصوصاً في بدايات الضربات العسكرية الجسورة والماهرة التي أدت إلي اجتياح مطار الفاشر – وزجَّت بالبعض في إطلاق إسقاطات وتمنيات حول الثورة والتغيير، والانتقال إلي مجتمع أكثر عدالة وحرية، وأكثر صوناً لكرامة الكائن الدارفوري، لكن سرعان ما تبخّرت هذه الاستيهامات بسبب ما أفرزته عملية خلخلة المنظومة الاستبدادية من قوي نكوصية سمحت لها "العصابة العنصرية" ومناورات قوي إقليمية خارجية باحتلال مواقع لا يمتلكون لها أدني مقومات مهنية، أخلاقية أو فكرية.


النتيجة؛ فقدان النخب الدارفورية لموقعها العضوي في منظومة البناء الوطني، خاصة تلكم العسكرية، للإسهام بفاعلية في مهمة البناء الوطني وهي تواجه الإقصاء (أو عدم الاعتراف) في مجتمعاتها، فإنها تجد نفسها مضطرة ومجبرة للاندماج في "دائرة رمزية وسلطوية معينة". من هنا نفهم اهتمام قادة الحركات بل احتفائهم برموز المعارضة الوطنية وترفعهم عن التعامل الحيوي أو مجرد التواصل الأخوي مع قادة المجتمع المدني الدارفوري. إنهم يقاومون التهميش لفظا ويرتضون المزيد منه فعلا. ببساطة، لقد أصبحوا الكائن المعطوف عليه في حضرة السلطان. يجب أن لا تضيع النخب الوقت في محاولة لتوحيد الحركات (أو المفاضلة بين هيئات عسكرية في المركز)، بل أن تجد صيغة لتصميم منصة تنموية يمتثل فيها الكل لقيادة مدنية. إن وجود القيادات العسكرية يعتبر مزية اذا ما اختيرت ديمقراطياً، لكنه شر وبلية إذا ما انتدبوا للخدمة في مناخ استبدادي. الأول يجعلهم يرفدون المنصة بأفضل ما عندهم: قيم الانضباط الإداري وأفق التخطيط الاستراتيجي، أمّا الأخير فيخرج أسوأ ما لديهم: فهم الحوكمة علي أنها تحكم وليس إحكام، وتوهم بأن القرار عبارة عن امتثال وليس اختبار لحكمة وترجيح لمعطيات.


لقد شهدت الثورة الدارفورية بداية التأسيس الإيديولوجي المادي في صيغة "الكتاب الأسود"، كما عرفت بالمقابل نشؤ طبقة اجتماعية جديدة قتالية ترتب على صعودها ظهور اتجاهات فكرية ثورية تدعو إلى التغير والثورة. ومن هنا بدأت الفلسفة الجدلية المؤسسة على السلب وضرورة التجاوز تتفاعل مع هذا الصعود الشبابي الذي أدى، في نظري، إلى خلق بلبلة في الناس، وفوضى فكرية، هي التي انتجت الاضطرابات التي ما يزال يعيشها المجتمع الدارفوري. لذا فإنه يتعين على النخب صياغة معرفة وضعية تسعف خلق نظام في الفكر والمجتمع وتدعم سلطة الشباب الدارفوري كله والذي يمثل 60% من المجتمع، في عملية مواجهة لكل إرادة تغيرية.


إن تأسيس مثل هذا النموذج المعرفي سيساعد المجتمع في تجاوز تناقضاته ومن ثم يشكل تهديدا للسلطة السياسية أو البرجوازية الصغيرة – حتة المجموعات العشوائية – التي لم يعد خافياً على أحد أنها عمدت على استثمار محنة ذويها. لا بد من تحديد قواعد فكرية ومنهجية، وميكانيزما حاسمة في إعادة بناء الذات الدارفورية باعتبارها ذاتا واعية لها تاريخ وقادرة على تجاوز الازمات، دون الاتكاء هذه المرة على مبدأ التسامح الذي يضعنا في موقف معياري محرج، يجنبنا مواجهة الأسئلة المتعددة التي قعدت بنا، بل اعجزتنا عن استيعاب المعطيات الموضوعية والشروط الذاتية المطلوبة لتحقيق النهضة وتوجيه الأسئلة المحرجة: هل تمتلك البيئة الاجتماعية ما يلزم من شروط احتضان واستنبات فكرة التنمية؟ وفق أي رؤية أخلاقية؟ وبأي شرعية: تقليدية، حداثية أم ثورية؟.


ان القراءة الواعية تقول بأن التحولات الرئيسية في تاريخ الشعوب، يشمل ذلك تفكيك المنظومات الأخطبوطية والتخلص من المفسدين، لا تتم إلا بجرف عميق وجرح معمق يشنف الاذان ولا ينفي الوجدان كالذي جعل الفرنسيون يتيهون 80 عاماً بعد اعدامهم للملكة المستبدة أنطوانيت وذلك قبل ان ترسي سفينتهم على بر الأمان. فعلي النخب المتريفة (أو الريفية) ان لا تكتفي بالتعليق علي هذه المسرحيات التي تحاك في المركز، لأن ما نراه اليوم من ظواهر ما هو الا نتاج لفكر سياسي متبلد و نهج ديني متعفن، لكن ايضا ان تسعي كآفة لتطوير منصة (أسوة بمؤتمر الخريجين مع ضرورة الاستفادة من غلطاته التي كان لها صلة بمحددات الفترة الاستعمارية وطموحات جيل الرواد الانية) تقطع الطريق على الطائفية وتطوق النخب المركزية الطفيلية التي تتغذى أميبيا من حين لأخر من المواقف الغير الاخلاقية للسياسيين. "وحدها مقاربة تثاقفية نقدية يقظة"، يمكن أن تشكل أفقاً للتفكير في الهوية في تعبيراتها الجمعية والتواصلية أو في لحظات إنسدادها وتوترها" (محمد نورالدين أفاية، الوعي بالاعتراف، ص:64).


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.