اكاد أجزم أن مصر الديمقراطية أدعي للاستقرار والسلام والتعاون الإقليمي والدولي. السؤال:هل مصر الديمقراطية بالضرورة هي مصر الإخوانية؟ وهل مصر الإخوانية هي بالضرورة مصر الإرهابية (فالحوادث الاخيرة تشير إلي أن الإخوان معتدي عليهم وليسو معتدين، هذا بالطبع اذا اعلنوا براءتهم مما يحدث في سينا)، واذا كان الأمر كذلك، فهل هناك وسيلة أدعي من الحرية لدرء التطرف والاستبداد؟ هل هناك افضل من التجربة العملية اسلوبا للتخلص من الأيدلوجيا والأوهام؟ صحيح ان العسكر اختطفوا مصر لفترة طويلة، لكنهم هذه المرة سعوا لاقتلاعها من مرتكزاتها الروحية والفكرية، بيد أن هذا الأمر لن يطول وستجد القوي الليبرالية أنها أولي ضحايا الإستبداد وان عدم تمسكها بالديمقراطية كان بمثابة خيانة للضمير الوطني ونكوصا عن خانة الاعتدال وازورارا عن الطريق المؤدية حتما نحو التقدم والإزدهار.


ليس من العدل مطلقا ولا من الحكمة بدءا أن نقتبس من التجربة السودانية مثالا نحكم به علي الدول العربية كافة التي إنتخبت المجموعات الاسلاموية؛ سيما أن هذا الخضم المرعب دفع بالتجربة الي حدودها اللاإنسانية التي جعلت الكل يتوجس من مجرد الإلتفات نحوها ناهيك من أن يحذو حذوها.


يخطئ ديكتاتور مصر الصغير إن ظن أن الشعب قد فوضه لقتل بنيه؛ إن الشعب الذي ضحي بالحرية في سبيل الأمن والإستقرار يجد نفسه اليوم منزلقا نحو التصفية الجسدية، المواجهات الميدانية والإدانات الدولية. الأمر الذي يزيد من حدة الاستقطاب ويعيق من إمكانية التخطيط المنبثق من رؤية اخلاقية تري الكل متساويا في حق المواطنة. تظل التنمية والعدالة الاجتماعية هما العنصران الغائبان اللازم ادراجهما في المعادلة الحكمية المنوط بها مواجهة التحديات عقلانيا (بعيدا عن اليوتوبيا) وواقعيا (أي دون الإهمال للواقع الإقليمي والدولي المعقد). في هذا يستوي الكل، علماني وغير علماني، من حيث التأرجح والميلان في ميزان الطغيان الفكري والإفلاس المادي.


لا يحتاج الكاتب إلي إدراج كثير أمثلة عن إضرار مصر الديكتاتورية علي العالم العربي علي المستويين السياسي والعسكري بيد أنه أصبح من الضروري تبيان آفة هذه الدولة (التي باتت منذ وقت غير قريب تدار بخلايا أمنية ليس حتي جهاز امني متكامل ومحترف مهنيا)، وضررها علي أمن واستقرار الشعوب المجاورة خاصة السودان، كل ذلك بسبب الاستعلاء العرقي، النظرة التجزيئية وغياب البُعد الاستراتيجي من أذهان الجنرالات؛ فقط التعويل علي عنصر الخوف عند الحاكم (من الربيع العربي) والمحكوم (من المجهول)، اعتماد التملق والالتجاء الي التآمر.


أولا، لا أستطيع المغامرة بالقول أن "الديمقراطيين" في عالمنا سيكونون أكثر تبصرا بالواقع لكنهم سيكونون حتما أقل اعتدادا بالإثم وأكثر انفتاحا علي الآخر؛ فهذا التقوقع الوجداني - في شمال الوادي وجنوبه - له خلفية تاريخية: (الخديوية والمهدية)، كما أن التمترس الفكري له خلفية مدرسية (القومية العربية والفكر الإخواني). لا العسكريين استطاعوا ان يغالبوا نزعاتهم الأيدولوجية ولا الديمقراطيين استطاعوا ان ينزلوا بالممارسة الي المستوي الجماهيري. ولذا فان التفاوض علي المناهج التعليمية والتربوية (ليس الإملاء - كما حدث علي أيام محي الدين صابر - الاغلب ظنا أنه كان مأخوذا وليس متآمرا كما يدعي البعض) ضروري كي تحدث الاستنارة الجماهيرية ليس فقط النخبوية.


حتي يحدث ذلك لا يساورني شك بان الأنظمة المصرية ذات الصبغة الأمنية ستحبط أي محاولة سودانية (أو خليجية) للتموضع الاستراتيجي (وهذا ما سيدركه بعض القادة الخليجين الذين إندفعوا في دعم الديكتاتور الصغير دون روية أو أولئك الذين اتخذوا خانة بين الخانتين)، التخطيط التنموي، والنهضة الأممية. وكل ما يحدث بين الرؤساء المصريين، خاصة العسكريين، وأولئك السودانيين هي مسائل بروتكولية زخرفية الغرض منها استتباع الأخير للأول. لك ان تسترجع تجربة الحكم المايوي، المعارضة التي اعقبت نظام الانقاذ، وما أمر التنصيب منا ببعيد.


ثانيا، إن العسكر رغم التفاوت الكبير في دوافعهم وملكاتهم يتوقون إلي رؤية الميري (الزي العسكري) ويتصورون نظاما إنضباطيا ينافي الطبيعة التشاكلية لدينامية الشعوب. فحكومة السودان "الاسلامية" لم تستنكف حكم الإعدام والأعمال الشاقة الذي أصدرته حكومة مصر "العلمانية" علي أستاذ جامعي، جل ما إجترح من جرم انه مارس حقه الديمقراطي في الترشح والانتخاب، كأنما البلاد اصبحت حكرا لهم. لأنهم هم انفسهم قتلوا زملاءهم في الشهر الحرام بحجة انهم علمانيون. إن ما نراه اليوم هو تحالف المستبدين مع شاكلتهم، حتما ليس تحالف الوادعين ضد الارهابيين.


ثالثا، ان النموذج الكولونيالي/الاستعماري الذي يتوخى في الدولة إدارة الاقتصاد، تبني نظام الحزب الواحد لتحقيق الانضباط السياسي، وتحقيق الانصهار/الاندماج الإثني قد فشل بسبب العولمة، الانسنة، الأحادية القطبية، الإعلام الكوكبي، إلي آخره من الأسباب التي جعلت الاخير عالة علي الإرث الوطني كما جعلت معتنقيه من العسكر عالة علي مؤسستهم وعلي مجتمعهم. وكلما أحسوا تغير وتبدل المعطيات كلما أمعنوا في التشبث ممسكين هذه المرة وقد خانتهم الشعارات الكبرى وخرافة العدو الخارجي بكل ما تبجحوا إتيانا لنفيه: القبلية، الجهوية، الأخطبوطية الحزبية وشاكلة الشتات الذي تحدثه وزارة الداخلية، الخوصصة، الإرتماء في أحضان الشركات العالمية. أخيرا وليس آخرا، ركبوا موجة الإرهاب التي إتخذت مطية لتصفية الخصوم السياسيين ومبررا لتعطيل الدستور والعمل به.


رابعا، ان الرؤساء المنتخبين الذين يكابرون أو لا يدرون واقع هذا التحول يقعون في الفخ نفسه فيستبدون ويصبحون علي شاكلة الديكتاتور، الذي يستعيض باللباس المدني عن البدلة العسكرية. ليس لدينا ازمة مسميات لدينا أزمة وعي وقد نبهني الدكتور محمد عابد الجابري رحمه الله في لقاء شخصي جمعني وإياه بالدار البيضاء عام 2003 (اختلاف المسمي لا يعني اختلاف الدلالة فالعلماني يتقمص سلوك شيخ المسيد والإسلامي يعاني حالة انفصام يداويها بالفصل بين ما هو زمني وما هو روحي)؛ مهمة المثقف لا تقتصر علي الإستماتة في تغيير الحاكم إنما في تعميق الوعي.


إن المدنيين يمارسون الحكم بوعي عسكري وليس ديمقراطي (إمكانية الإستعانة بالقرين في حال الزنقة)، ولذا فهم لا يسعون لتثقيف السياسة مفاهيما بالتركيز علي السياسات إنما سياسيويا بالتركيز علي الخلافات. كما أن العسكري يحكم باسم المؤسسة متحالفا مع ساسة متسلقين -يفضلون التزلف الي شاويش علي التثاقف مع شعوبهم - لتغويضها وتسريح زملائه. لا غرو، إن المؤسسة العسكرية تضررت من العسكريين أكثر مما تضررت من المدنيين. فهل كان انهيار الحكم في السودان إلا من جراء الاستبداد ومحاولة القفز فوق الواقع؟


خامسا، إن الخبر العظيم والمفرح انهم هم - أي العسكر - اليوم باتوا محاصرين ومنبوذين ومطاردين، الأدهى أنهم أضحوا عاجزين، لا يملكون براعة حتي في التخطيط الإستراتيجي الذي دُربوا عليه في الأكاديمية العسكرية (أنظر تخلي حسني مبارك عن قضية جنوب السودان بل دعم التمرد هو والقذافي وتبني النظرة الداعية للانفصال)، كما أنهم أبعد الناس عن الإنضباط الذي كثيراً ما تشدقوا به (كفي بك متأملا في ثروة الشاويش علي عبدالله أو البكابش عمر) وأهون في قلوب الآبعدين وقد كانوا يدعون منذ أمد بعيد أنهم الأقدر علي تمثيل السيادة الوطنية.


لك ان تتصور إن همسا دار يوما بين المؤتمرين في مؤتمر حوار الحضارات الذي أقيم بالدوحة عام 2012 حول امكانية مجيء الرئيس السوداني ما سبب حرجاً جعل المضيف يلتقي به في قاعة جانبية كي يتفادي خروج بعض الرؤساء الغربيين من القاعة، حادثة شبيهة كادت تحدث مع السيسي في السوق الأوروبية؛ كلاهما تحسب لتواجده في جنوب أفريقيا، الآخر كان أكثر حصافة فقرر عدم إقحام نفسه في هذا المعترك خاصة أنه لم يدع لنفسه بطولة وجعل البطولة من شأن المتنطعين الذين ألفوا الهروب وخبروا الدروب .


ختاما، ليس العبرة بالتبرؤ من الاسلاميين (إخوانا كانوا أم سلفيين)، نبذ العلمانيين (شيوعيين كانوا بعثيين)، أو البعد عن المصريين أو العرب والتوجه حصريا صوب أفريقيا إنما في تحديد استراتيجية تنموية تحقق التكامل الحقيقي اجتماعيا واقتصاديا وتعود علي الكل با لفائدة المستدامة والإستقرار السياسي بعيداً عن المغامرات العسكرية والتحالفات الفوقية والبروتكولات العاطفية/الوجدانية. ولن يتأتى أي من ذلك إلا بالالتزام بشرعة الله الكونية التي تحرم سفك دم المسلم (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل إمرء مسلم)، احترام حق الانسان في المواطنة وإقرار الديمقراطية المعمقة مشروعا لنهضة الانسان العربي والافريقي.