مذ أمد غير بعيد دخل السودان دائرة الإستقطاب الأثني المستتر وراء الشرعية السياسية وتلكم الثورية ، لكن ما أن هبت رياح الغيظ حتي أشهرت كل إثنية سلاحها غير آبهة بما قد تحدثه هذه الحماقة من تصدع في ناصية الوطنية وتململ زاوية الأخلاق .
لعل المتأمل في وفدي الحركة والحكومة يدرك أن كلاهما ينطلق من الوعي بأهداف " الأخر " الإستراتيجية.فزعيم العدل والمساواة يعطي توصيفاً للأزمة ويملئ شروطها تكرس  لها ، والممسك بالملف يري في ذلك سانحة لتفويت فرصة تسوية سياسية شاملة لأزمة دارفور .ليست هنالك ثمة تواصل بين الفريقين إنما تحايل يوهم الوسيط بأن تقدماً قد حدث او يوشك أن يحدث .
 إذا إفترضنا أن تناقص السعة الإستيعابية للأرض قد سهل للمركز التلاعب بمقومات الهوية الدرافورية ،فإن حركة العدل والمساواة لم تبين لنا ( إلا بصورة تبسيطية تعبوية ) نوع الإستثمار المعنوي الذي تود إستحداثه لمقاومة حالة الإستلاب الثقافي الذي يعيشه أبناء الإقليم ، أو ذاك المادي الذي تنشده للخروج بالإقليم من خانة القرون الوسطي إلي رحاب القرن الواحد وعشرين . لقد فات العدل والمساواة التكلم عن قوي المجتمع المدني الدارفوري ، تلكم القناة المرنة التي يمكن أن تكسر حلقة الإنعزال الفكري ، المكاني والطبقي ( إذا جاز إستخدام تعبير بروفسير آدم الزين ) ، الأمر الذي من دونه لايمكن أن تتوفر إمكانية  للتفاوض الحر المستفيض بين أبناء دارفور . الأهم ، نقل المجتمع من مستوي العسكرة الهوياتية إلي مستوي تعزيز الرابطة المدنية .
إن إيجاد قنوات لممارسة الحق السياسي ديمقراطياً ، أي الحصول علي التفويض الشعبي الطوعي ( وليست العسكري ) من شأنه أن يحل مشكلة الأوزان غير الطبيعية المستوحاة من وهم المشروع التوسعي الإستيطاني الذي ينظر إلي السودان علي أساس أنه إمتداد لتشاد وليست العكس . من هنا تنمحي فكرة الإستقلال التي تنشد خلق تكامل إقتصادي وإجتماعي يهيئ لدارفور إستعادة مكانتها كمركز للتقاطع المعرفي ودرب للتبادل التجاري الأفريقي والعربي.
لقد شرح لنا رئيس حركة العدل والمساواة  في اللقاء الذي أجرته معه الجزيرة كيف أنه سيعقد صفقة مع الحكومة ( معتمداً علي شرعية البندقية وبالتركيز علي أنه الفصيل الأوحد! ) لكنه عجز عن الإفصاح عن الحيلة التي سيتبعها للحصول علي التفويض من شعب دارفور . إن دارفور تمثل لحركة العدل والمساواة إنطلاقة  ميدانية لكنها حتماً لا تمثل أرضية سياسية. بل إن  جميع الحركات  لا تستمد مشروعيتها الثورية من وجهتها الحضارية قدر ما تستمدها من مقاومتها للفاشية الدينية . لقد نجحت حركة العدل والمساواة في مقاومة العنجهية العرقية بعهنجية عرقية  مضادة ، والإستبداد السياسي بإستبداد سياسي معاكس، والإستخفاف بأخر يوازنه. و إذ أن وفد الحكومة قد ظهرت بصفته الأثنية فلن يضمن أي من " الغرابة " المنتمين ولو زوراً للمؤتمر الوطني ، فإن الثوار قد ظهروا بملابسهم  التي تؤكد جهويتهم . إذا كان الأول عميلاً لتشاد ( في نظر النخبة النيلية المأزومة كما وصفها الباقر عفيف)  ، فإنهم في قناعته أحفاداً للمخبرين الذين ، بعد الإجهاز علي  الخليفة عبدالله التعايشي ، قد دلوّا المستعمر علي سرايتي تاج الدين وعلي دينار . أما الإستخفاف فقد تبدي في عزم كليهما القفز فوق معاناة الجماهير ومنادتها ، بل تجفيف دمع الهوية وعسكرتها  حتي يضمحل قواها أو ينفصل عراها. الامر الذي يرفضه الوسيط . لعل الأخير لا يهمه إنقاذ شعب دارفور قدر مايؤرقه إسعاف نظام الإنقاذ من خلال التوفيق بين قيادات فاشية تدثرت بإيدولوجية دينية كانت هي السبب في إقحام السودان وحل الحرب ، التشرد ، المجاعة ، فقدان السيادة الوطنية و ضياع الهيبة الدولية .
 بيد أنكم لا تستطيعون أن تمحوها عن جباهكم بإحراق كتب الشريعة التي في دواوينكم ، كلاّ . ولايتم لكم ذلك بغسل جباه قضاتكم .ولو سكبتم عليها كل ما في البحار من المياه.
      وإن كانت طاغية تودون خلعه عن عرشه فانظروا  أولاً  إن كان عرشه القائم في أعماقكم قد تهدّم.
      لأنه كيف يستطيع طاغية أن يحكم الأحرار المفتخرين . ما لم يكن الطغيان أساساً لحريتهم والعار قاعدة لكبريائهم؟
                                       ( كتاب  النبي - للمؤلف جبران خليل جبران ص41 )
إن جميع العرب (عرب الجزيرة العربية )  مجتمعين تبرعوا لدارفور قبل عامين بمبلغ 250 مليون دولار لم يفوا بخمسها ، لكن دولة قطر الميمونة تبرعت وحدها من قبل شهرين لغزة هاشم بذات المبلغ الذي تم إيداعه بمهنية فائقة لخزانة الدولة الفلسطينية . إن العرب يعانون من نفس الإذدواجية التي يصفون بها الولايات المتحدة حال التعامل مع قضية فلسطين ، والتي تحرمهم  أهلية الوسيط الذي برع إعلامه  في الحديث عن الحيثيات ( حيثيات المحكمة ) وتناسي الأحداثيات التي جعلت مليوني الف مسلم يتمرغون في هيجاء المدن ويستنشقون زفيرها . لا أخالهم خرجوا للنزهة . إن سياسيات الفصل العنصري والإستضعاف ماثلة أمام أعين الناس ( من القي السمع منهم وهو شهيد ) ، فكيف يمكن إستدرار عاطفتهم الدينية بعد ذلك ؟ بل كيف يمكن أن ينسحب مشروع المقاومة الفلسطينية الذي يستمد عونه من السماء في شكل دعم معنوي لنظام متهالك مقته أهل السماء قبل أن يمقته أهل الأرض ( ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك إلي قومهم فجاءهم بالبينات ،فإنتقمنا من الذين أجرموا وكان حقاً علينا نصر المؤمنين ).
إذن تكون قد وقعت في نفس الوحل الذي دخلت فيه دولة المهدية الثانية . في كل مرة يجد السودانيون أنفسهم بين خياري " الأجنبي  المتربص" و  " الوطني المتمترس " ( بمعني المتقوقع وجدانياً المتبلد حسياً الذي إن أيس من نصر الله فلن ييأس من تجلياته ! )  . إن النخبة النيلية قد إنحازت في هذه اللحظة بكافة مؤسساتها الطائفية  ( السيدين ) ، الدينية ( هيئة كبار العلماء ) ، الأكاديمية ( معهد
أبحاث السلم جامعة الخرطوم ) ، السياسية  ( التجمع)  ، الإقتصادية  ( الشركات الإسلامية )  والصحفية ( إتحاد الصحفيين ) لصالح المشروع الإستيطاني  الممتد
من 1916م ( إلا من بعض الإشراقات الوطنية ) ، فهل حزم المستضعفون أمرهم أم أنهم سيظلون في خانة المتشككين الذين قالوا ( إنا لمدركون ) ؟ إن الصراع لم يكن يوماً بين جنوبيين وشماليين ، مسلمين ومسيحين ، إنما كان دوماً بين مستضعفين ومستكبرين ، هنا وجب أن ننصف بعض الأشخاص والهيئات التي بذلت جهدها للتبرئة من تهمة العنصرية ، كما إستنفرت أخرين للوقوف جنباً إلي جنب مع شعب دارفور المستضعف.
لقد كان من الاجدر بالنظام أن يعتني " بالأغلبية الصامتة " من جماهير الشعب السوداني التي آلت علي نفسها الإستمساك بالعروة الوثقي فلم تجترئ علي المقدس بل آثرت إسداء النصح في السر والعلانية وغلبت جنبات البر بكرة وعشية . لكنه وللأسف ( أي النظام ) أثر التعامل مع الغوغاء ( جمع بعوض ) وأهمل العقلاء علماً بأنهم لايطمعون في كرسيه إنما يخشون من غرق السفينة التي قدها ووسع فرقها أزميل ( العصبية)  الكبير ! لقد خاضت السفينة بحوراً من الدماء و إعترضت طريقها الأشلاء لكن بوسعنا أن ننتشلها بحبال الهمة ( المعلقة بين الارض والسماء ) ، إن أردنا !
        سنصير شعباً ، إن أردنا ، حين نعلم أننا لسنا ملائكةً ، وأن الشرَّ  ليس من إختصاص الآخرينْ .
        سنصير شعباً حين لا نتلو صلاة الشكر للوطن المقدَّس ، كلما وجد الفقيرُ عشاءَهُ...
         سنصير شعباً حين نشتم حاجبَ السلطان والسلطان ، دون محاكمةْ.
         سنصير شعباً حين يكتب شاعرُ وصفاً إباحياً لبطن الراقصة ْ .
         سنصير شعباً حين ننسي ما تقولُ لنا القبيلة ... ، حين يُعْلي  الفرد من شأن التفاصيل الصغيرةْ.
          سنصير شعباً حين ينظر كاتب ُ نحو النجوم ، ولا يقول : بلادنا أَعلي... وأجملْ !    
                                (ديوان أثر الفراشة –للمؤلف محمود درويش ص 93- 94)

د. الوليد آدم مادبو
E-mail:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.