أمسكت بالقلم كي أكتب كلمة في حقِّ معلّمي وأستاذي وصديقي ومؤنسي وابن عشيرتي الجنرال أحمد طه محمد الحسن (معشر الكُتَّاب الذين يرومون المجد لأممهم فيرزقون الخلود، الكتابة كما يقولون هي فعل الخلود)، فلم يطاوعني ذاك الشقي. تركته جنباً علَّ الخاطر يطيب والذكريات تجاريني، أيست من هذا وهذاك واستسلمت فإذا بنبرة عبر الأثير تناديني وإذا برجل من كرماء أهل كسلا - يعرف مودتي للمرحوم - يتصل بي معزياً، أجبته متلهفاً لكأني كنت أبحث عن كتف أبكي عليه، لم يستطع الرجل التواصل معي بيسر فقد أجهشت في البكاء وبدأ صوتي متقطِّعاً ونبرتي حزينة لفقدي أبو عزة وياله من فقد. ذاك الرجل الأصيل الذي أحببته وأحبّه على إثْرِي البهاليل، كما كان يكنى عمّ أحمد أهله الرزيقات، والذين كتب عنهم مقالاً بعنوان (حمحمة الصهيل في دار البهاليل)، مُعلّقاً على الفعاليات التي تضمّنها مهرجان الضعين الثقافي (2007).


كان الحريق في أوله وكانت العواطف مستعرة، بيد أننا كنا وما زلنا نؤمن بضرورة التعويل على الوجدان كمرتكز أساسي لبناء الذات الوطنية. جلسنا أنا وأحمد طه وكامل عبد الماجد وطاهر المقبول ومحمد طه القدال نخطّط لمهرجان كان الكل موقناً بفشله أو متشكّكاً في نجاحه، إلاً أن بصيرة الجنرال ومقدرته على تصريف الأمور جعلت من تلك المناسبة واحدة من أنجح الفعاليات الثقافية. لم يكن ذلك بسبب الأنشطة الرسمية، المحاضرات وسباقات الخيول والغنائية فقط، إنما بسبب الأريحية التي انداحت في تلكم الأمسيات. تعجّب مجذوب أونسة إذ سمع الجمهور يردد أغنياته، لم ينبهر القدال إذ كان موقناً بوصول صدى قصائده إلى كل قلب حُرّ أبي. كان الجنرال يحبّ القدال ويوصيني بصحبته ويقول لي "القدال من الرجال الذين تكريهم لليوم الحار." أطال الله عمر أبو فاطنة ومتّعني وإياكم بصحبته وعظيم محبته. حدثت مولانا الشريف طه إبراهيم في لقاءٍ لنا بالدوحة عن أيام جميلة قضيتها مع القدال والشاعر محمد مدني في إستنبول الصيف الماضي، فقال لي "يا الوليد، القدال دا ود أختي." قلت يا سيدي ليس هذا مستغرباً فإلى آل البيت تُنسب الفطن وبمحياهم يرتجي تواري البؤس والإحن.


كان للجنرال حضور طاغٍ وغياب في تلك الأيام، طاغٍ بمعنى أن شخصيته كانت حاضرة بكثافة في كل الفعاليات وموجهة لكُلِّ صغيرة وكبيرة، وغائبة لأنه لم يك مُحبّاً الظهور، بل كان مؤثراً العمل من وراء ستار. لم يحتاج "عمّ أحمد" (الكنية المحببة إليه) إلي دليل، رغم أنه حضر للضعين للمرة الأولي، فقد سار في المهرجان متفقداً أصحاب الخيول، مُعَرِجاً على بيوت العرب الرحل النموذجية، مداعباً الأطفال، مسائلاً "ستات التيران" اللآئي نافسن على جائزة أجمل زينة للثور، مشاهداً النقارة ومستمتعاً بلعب بنات البقارة. أحبّ الناس نباهته، ألفوا فصاحته، وانتبهوا الي صرامته، فذاك عسكري من الجيل الفريد، ولم تفوتهم أصالته، كريم معدنه، عفته وجميل معشره الذي ما إن يختبر حتى تفوح منه رائحة الطيب. لم يدون الجنرال ملاحظاته علي مدونة، إنما اختزن أفكاره في ذهنه المتقد، واستردها ساعة الكتابة بفعل عبقريٍّ وقلب ذكي ووشيجة واتصال مع كل شعوب السودان.


لله در صحبه اللواء م/ عثمان عبدالله وهو يصفه ويبكي فراقه. يقول: "كان صديقي دفقةً من طاقةٍ مُتجدّدَة، صاغت وجدانَه - منذُ الطفُولة - وسَمَت بمشاعرِه، وجعلت منه فنّاناً، وأديباً، ومؤرخاً، ومٌدوّناً، وصحافٍيّاً، قلّ ان يجودَ بمثلِه الزمان. فالبيئة التي ترعرع فيها في غرب السودان، ربطت فتَى الشرق بزمن مُترفٍ بالشعر وبالجمال وبالألحان، وبالطبيعة الخلّابة في كردفان، عاش عهد الأبيض الذهبي وطاف البان جديد، وأُم بادر، وبارا، والخيران، ودار حمر، والنهُود، ثمّ مسح أرجاء دارفور وعاش عهد القبائل المُترفة التي افرزت قيادات الحِكمةِ والهيبة، في المجلد والضعين" (اللواء م/ عثمان عبدالله، الفيسبك).


اتصل أبو عزة معزياً إياي العام الماضي في وفاة الناظر سعيد محمود موسى مادبو، والعبرة تخنقه. سألته إن كان سيكتب شيئاً؟، قال لي: لا، لن أستطيع حتى أذهب فأعزي بنفسي. كان له ما قد أراد فذهبنا أنا وإياه والحاج محمد عبدالرحمن الرحيمة في معية الوالد آدم مادبو لحضور أربعين الناظر. فرحت به الضعين وعزى أهلها رغم المصاب؛ استضافته المنتديات وأجرت معه الإذاعة عدّة لقاءات. وهو رغم الإجهاد، يطرب ويرغب، فقد كان له وفي الله وفي هذا الشعب مأرب - هو أن يسير في ذات الله بالخير والإصلاح بين الناس؛ وسيلته في ذلك إثراء هذا الوجدان، وافتخاره بحضارة أهل السودان. كان يساهر في الونسة متوسعاً ومنبسطاً مع ناس الحوش ومتعرفاً على الضيوف ومسلياً إياهم حتى الساعات الأخيرة من الليل. كنت آتيه فجراً وأقول متطفلاً "ياعمّ أحمد، صليت؟". يقول لي : يادكتور، أنا ود فقرا، صلاتي دي بعرفا براي!!


أدركت لاحقاً أن الأمور لا تجري على ظاهرها، وأن من كان زاهداً في هذه الدنيا، لم يحسد أهلها على زخرفٍ نالوه أو حطامٍ حازوه، فهو من الراغبين في الله. وقد كان عمّ أحمد كذلك. كانت كلمات العميد م/ محمد حسن عثمَان زبير تجسيداً لهذه المعاني، "ستٌون عاماً ويزيد وأنت تسعَى بين خلق الله بالمودّة وبالكلم الطيِّب، مُعاوداً لمريض، ومُهنئاً بجديد، ومُواسِيَاً لحزين، ما كُنتَ يوِماً جلٌابَاً لِشَرْ، ولم تَكُ منٌاعاً لخيْر، أحببتَ للناس بأكثر مما أحبَبتَ لأهلِك، ثُمّْ آثرتهُم على نفسك، ولَوْ كانت بك خَصَاصَة، شهمٌ أنت فى خُلقِك، وصَفِىُّ القَلب،،،، استقر الصفاءُ في وجدانِك، وفاضَ على وجهِك بِشرًا وأُنسَاً، وعلى جوارحِكَ استقامة وهُدى، وأرتقَى بك من درجةِ حب الخيرِ للغير، إلى درجة الإيثار، الذى جُدتًّ بمقتضاه بالإحسانِ لكل إنسانٍ، دون منٍّ ، ولا أذى ولا انتظاراً لجزاءِ مِن غير الله .كان لا بّدّ لقلبِك هذا، المُترعُ بحُبِّ الناس، من ان ينفِطرْ، هكذا فجأةً ، وقبل أن نتهيْأ للفراق" (صفحة الفيسبك).


كانت للجنرال صرامة في ابتسامة، وابتسامة لا تكاد تفصح عن ملامة. كان من درجة حيائه أنك إذا سمعته ينصح أحداً ظننت أنه المطلوب بالنصح وليس الطالب. لم أعب عليك يوماً ولم أعتب غير أنّك فجعتني يا عم أحمد بموتك، فإن تك قد حكمت برفقتنا الليالي ولم يك ذلك برضاي ولا رضاكا فقد رضيت بما قسم الاله واسترجعت عَلْي أثاب أو أتصبر بما تصبرت به الرجال من أمثال بهاء الدين زهير في فقدها للأحبة والأتراب.
لقد حـكـمـت بـفـرقـتـنـا الليــالي ******** ولم يك عن رضاي ولا رضاكا
فليـتك لـو بـقيـت لـضـعـف حـالي ******** وكان الناس كلهمو فداكا
يــعــز عـلـيّ حـيـن أديــر عــيـنـي ******** أفتش في مكانك لا أراكا
ولــــم أر فـــــي ســــواك ولا أراه ******** شمائلك المليحة أو حلاكا
ختـمت عـلى ودادك فـي ضـميري ******* وليس يزال مختوما هناكا
رثاه رفاقه، كما رأيناهم، بلغةٍ بديعة ووجدانٍ عبقري وصدقٍ متنزه عن التكلف، فكان في ما قال إن الجنرال لم يشتك يوماً من ضنك في هذه الدنيا ولم يتأفف من كلف، وكأنه يعيش خارج دياجيها ولم يبتغ يوماً نظراً في مآقيها وقد علم كثيراً عن خلفها الوعد لطالبيها. يقول اللواء م/ عثمان عبدالله مستطرداً: "خلال مسيرة العُمر المُزدهاة بالموّدة وصِدق العاطِفة، ما سمعنا لهُ من شكوَى من داءٍ، ولا ضجرٍ من عَوَزْ، كان خلال حياتِه باعِثاً للأمل في من حولِه، لم يشكُو من الحياة ، فقد كانت له أفكارٌ تحملهُ إلى السعادة وإلى الآفاق البعيدَة، رغم القسوة والشظَف" (المصدر أعلاه).


لله درهم هؤلاء العسكر، كم هم شرفاء وأذكياء، بل لهم براعة في كلِّ درب وعظيم عطاء. لا أدر لماذا لم نحظ بأمثال هؤلاء؟ ان والدي الدكتور آدم مادبو كان وما زال كثير الاعتزاز بتجربته مع العسكر في وزارة الدفاع (1967)، ويقول عنهم إنهم صادقين ومنضبطين ولا يتخذون سبلٍ ملتوية لتحقيق غايتهم الاستراتيجية. كيف إذن نفسِّر ما حدث سابقاً وما يحدث الآن؟ الأمر في غاية البساطة. إن المجموعات العقائدية تجد ضالتها في مغامرين يتخذون السلطة وسيلة لتحقيق طموحاتهم الشخصية، ورغم تبجحهم فإنهم أقل النّاس التزاماً بالوطنية وتمسكاً بالنظم العسكرية. ولذا فالمؤسسة العسكرية نفسها تكون أول ضحية لتخبطهم، تنطعهم وضحالة أفقهم. إذن، ليس المشكل في العسكر، إنّما في نوعية العسكر الذين تستعين بهم المجموعات السياسة الأيديولوجية.


حكي يوماً لي محنته، هو ورفاقه اليساريين، أو من أتهموا بالتواطؤ مع هاشم العطا، وتحسر علي فقدانه رفاق له اجلاء في تلكم المأساة. بل كاد يزرف عليهم الدمع رغم تباعد الاعوام والسنين، إلا إنّها همّة العسكريين وخوتهم التي لا تضاهيها خوة. هؤلاء الفتية الذين امنوا بالشعب وبذلوا أنفسهم لخدمة الوطن، وجدوا نفسهم ضحية أوهام ايديولوجية لم تجلب اي مصلحة للشعب، بل أضرّته وفرقت بنيه وزرعت بينهم البغضاء. وها هو السودان الذي خافوا عليه من "الطائفية" و "الرجعية" يباع ويرتهن لصالح "عصابة" لا غيرة لها علي عرض ولا حمية لها لوطن أو دين. مثل هذه المغامرات لا ولن توقفها التدابير المؤسسية فقط، إنّما تنامي الوعي الديمقراطي والمدني واقتناعه بثنائية ومشروعية الحقوق والوجبات.


أذكر أنّ الجنرال Haig، وزير خارجية أمريكية، انتهزها فرصة يوم أن ضرب الرئيس ريغان في محاولة اغتيال فاشلة، وكاد أن يعلن عن نفسه بديلا، وقال عبارته المشهورة (I am in command!) التي بلعها من بعد، أو بُلِّعَها. فما كان لبلد عريق مثل أمريكا أن يقبل بأهواء أفراد أو تستهويه شهوة أحاد. وما ذلك إلاّ لحرصهم للاحتكام للدستور كوسيلة ومرجعية نهائي. فيما قد تتندر الشعوب المتحضرة ممّن قد تراوده فكرة جنونية كهذه، تخرج الشعوب غير الناضجة للترحيب بجنرال متهور معلناً تواطؤه مع نخب "حكيمة" و"نابهة" لا يهولها ما قد يصيب الشعب من بأساء طالما هي تتنعم في الرخاء. لا أنسي مطلقاً حديث رئيس البلاد المنتخب والمنوط به حماية الديمقراطية عن شرعيتين: شرعية انتخابية وشرعية عسكرية!
رجعنا من المهرجان فرحين، وكان فرحنا ببعض أعظم. قويت علاقتي بالجنرال، كنت أداوم على زيارته في جريدة السوداني، ومن خلاله تعرّفت على كبار التشكيليين والأدباء والفنانين والمفكرين. كنّا كثيري التفكر في الشأن العام والتبصر في طريقة التعاطي مع واقع متأرجح. كان الجنرال يوقن بأن للسودان مستقبلاً كبيراً، لكنه كان يرى من الصعب القفز فوق المراحل، وكان يقول بأنّ الأمور ستأخذ وقتها. وهذه عبارة شبيهة بعبارة الطيب صالح "الأمور في السودان بتبتك." ليت هؤلاء الأدباء قرأوا "انقراض دول العالم الثالث" لإدواردو دي ريفيرو كي يعوا بأنّ هذه الدول خرجت من مدار الفلك الإنساني وأنها اليوم في متاهة سديمية، كما يعاني مواطنوها حالة عدمية، وسيظلون. لمثل هذه الآراء وشبيهاتها كان الجنرال يعطل مقالاتي الصحفية، وعندما كنت أراجعه كان يحاول إفهامي بلطف بأن "الملف الثقافي" صمّم ليكون باعثاً للأمل ومُحيياً للهمم وأنّ طبيعته لا تسمح بالتناول السياسي المباشر، كما أن إدارة الصحف تتحرج من النقد ولا تكاد تميز بينه وبين المعارضة. كنت أصرّ على إنني ناقد وليس معارضاً، فيقول لي، "الكلام دا أمشي قولو ليهم في أمريكا." ويضحك ضحكته تلكم البهية!


كان عمّ أحمد يؤمن بأن بريق الكتابة السياسية ينخفض، وأن أزيز الكتابة الفكرية والثقافية رغم العنت والرهق، يترك أثراً عميقاً في الجدارية الوطنية. كان يستحثني للكتابة الفكرية، ويسعي قدر جهده إبعادي عن الكتابة السياسية، ويهاب جداً تلكم المباشرة، ليس لأنه يخاف، بل لأنه يعرف بأن ثمة إشكالات في بنية الثقافة والمجتمع تحتاج لتفكيك وإعادة تركيب قلما ينجح في بلدان تعاني من الاستبداد، الضمور الأخلاقي والاضمحلال الفكري. كان كثيراً ما يقول لي: "إن النبل يمنعك من التفوه بفاحش الكلام، فليت صرير الأقلام يقيك مكر اللئام." أصبحنا، يا عم أحمد، أنا واللئام علي موعد لن أخلفه أنا ولا هم حتي يقضي الله أمراً كان مفعولاً.


تحتاج الأجيال إلى تجرد مثل تجرد الجنرال كي تثابر وتناضل وتقوى على المواصلة، كما تحتاج إلى أناس مثله متجردين يعملون على التنقيب على الملكات عند الشباب ولا يسعون فقط للترويج لأنفسهم. للصينيين حكمة عظيمة مفتقدة في بلادنا، فهم يؤمنون بأن المراحل العمرية ذات جدوى وظيفية: 30-40 هي مرحلة التجريب، 40-50 مرحلة التجويد، و50-60 مرحلة التدريب للآخرين. وهذا ما فعله عمّ أحمد، فقد سخّر عقدين أو ثلاثاً للتدريب والتأهيل لأفراد في العمل الصحفي والإعلامي، منهم من سلك الطريق القويم، منهم من انتكست واكتفت بالنجومية، ومنهم من ما زال يبحث عن ذاته في غياهب المجهول أو يتنكب في طرقات الحياة المتعرجة.


**
أحببت من الرجال صنفين، صنفاً اذا التقيته بَشَّرَك،
وصنفاً اذا نزلت عليه ضيفا لم يُخَيِّرْك

**
فقدت الحياة طعمها مرتين، يوم ان ضاعت فيها الفضيلة فاعتزلها رجالات القبيلة
ويوم أن نال حزمتها اللصوص وأعتزل بيضتها وسودتها أمناء المدينة

**
تقلبت في مضجعي بالأمس مرتين، لحظة تذكرت فيها ابا عزة ذات يوم حزيناً جالساً بالصيوان، ولحظة قلدت فيها اختي عزة فبكينا كثيرا علي فقدنا اخو الإخوان وصفوة الخلان

**
لا غرو، فإن للزمان مترعاً، يوماً تذوق فيه من الحٌلو مشرباً،
ويوماً تنال فيه من الشر مصرعاً،
وقد علمنا أن لكلٍ موئلا

**
فكن أخي ملازماً لوردٍ لا يَخْذُلك ولا يُسْلِمُك،
وانشد صحبة الصادقين فإنها وصية الإله علي لسان مصطفاه

**
لولا أن مَوجِدة تصيبني علي فراقهم، لاستكثرت منهم،
وما ضرني في ذات المطلوب قِرَاهم

**

إن انشغال الجنرال بالثقافة هو في حدّ ذاته عمل سياسي لكنه من النوع الذي يهزم الطاغوت دون أن يصطدم به. كان عزيز عليه وعلى رفاقه الذين أمضوا زهرة عمرهم وشبابهم يشيدون المؤسسة العسكرية، أن يروها ترتهن لصالح حزب مأفون وجماعة مغبونة من السودان وأهله - لا لشيء إلا لإحسانهم إليهم، لكنه اكتفى بالنقد والكتابة ولم يسع أو يعمل مع أي مجموعة حزبية لاسترداد المؤسسة أو الوطن وقد رآه يختطف. رغم ذلك فالجنرال لم ينج من إهانة تصيبه من بعض "شذاذ الآفاق" الذين لم يجدوا ما يفعلوه بهذا الفارس غير اعتقاله في أول عهد الإنقاذ، عَصْب عينيه، وإرهابه. فلما أيسوا من وهنٍ يصيبه تركوه وشأنه.


خلد الاستاذ جابر حسين هذه الملحمة التي خاضها ضباطنا الشرفاء في تلكم الايام في مرثية له عن المرحوم أحمد طه بعنوان (وداعا أيها الأولوسي في عديد مواهبك وعطاياك و إبداعك!). يقول فيها:" صباح هذا اليوم، السبت 30/ 9 / 2017م ، رحل عن دنيانا، فجأة كما علي الدنيا الشهاب، أحمد طه محمد الحسن، الذي عرفته الصحافة والثقافة ب ( الجنرال )! أحمد كان عسكريا ممتازا معدودا في الضباط العظام في الرتب العسكرية في جيشنا الوطني حتي عادي الإنقاذ حين جاءت بالفرية والانقلاب العسكري، فخاصمها، فأحالته، مع رهط نبيل من أبناء شعبنا في سمت العسكرية إلي التقاعد! كان في فرع التوجيه المعنوي حين جاءت، فخالته في الخضوع الذي تأباه فطرته وكبرياؤه، فأسندوا إليه رئاسة تحرير صحيفتهم (السودان الحديث)، ولعله هو الذي ابتكر لها الاسم ظانا، وكان الظن تكمن خلفه الخديعة العسكرية التي جاءت بها الإنقاذ، فرأي أن في الأمر، تحديثا وتقدما للأمام، كما كان يظن! لكن، سرعان ما تكشف له سوء ما كذبوا وسوء ما يضمرون، فترك الصحيفة وهاجر لدول الخليج حتي طاب له المقام هناك شيئا ما، فعاد ليحترف الكتابة والصحافة! أحمد ظل يصدر ملفا ثقافيا جامعا لأكثر من ثمان سنوات يتجول به من صحيفة لأخري وفقا لتقلبات السياسة والمصالح التي لا تريد من الصحافة إلا أن تكون في معية السلطان فتدبج المديح أرتالا في تجميل وجه النظام لكي ما يبدوا مقبولا لدي الرأي المحلي والعالمي. وكان مما أغضب عليه أهل الإنقاذ كافة، وهم أهل الزيف والكذب ورمي الناس بالباطل، هو تلك الحلقات المهمة التي كتبها ونشرها عن احداث يوليو1970م، باعتباره شاهدا عليها، وهي شهادة حق تظل من مآثر الراحل وصدعه بالحق في وجه السلطان الجائر!"


حين اشتدت عليه وطأة التضييق وعنته وأرهقته الصحافة "الرسمية" أبتعد عنها إلي الصحافة "الحرة" ومنها الي الثقافة. وإذ الثقافة لا تعرف الحدود، فقد حدّد عمّ أحمد الوجهة، فكانت أثيوبيا الجميلة وكان غرامه وعشقه للهضبة وإنسانها الجميل والأصيل. كان يرى ثمة علاقة وطيدة بين الهضبة والسهل، فانتدب نفسه لتأصيل تلكم العلاقة وكان الفن أداته في ذلك. وكانت صحبة محمد وردي له مدخلاً عبقرياً وفذاً، لكنه ظل يعمل لوحده إذ لم يجد مؤسسة تشدّ من أزرہأو تدعمه ولو دعم معنوي. كان عمّ أحمد سفيراً للدبلوماسية الشعبية بامتياز ولم يتوقّع من جهة إشادة، إنّما طلب من المسؤولين مراراً مأسسة هذه الجهود حتى لا تذهب أدراج الرياح.


يقول الاستاذ/ جابر حسين موثقا لهذه التجربة الفريدة: "الجنرال، رافق ( أولوس ) منذ مبتدأ أمرها، فهو من مؤسسيها مع الراحلان كجراي ومبارك أزرق وديشاب وكمال عبد الحليم وإبراهيم نايل وخليل بامي والبدري حسين وبابكر كنديو وعمر بابعير وقسم الباري مصطفي ويوسف شيا وجمال خليل وجابر حسين وغيرهم، وهو مصمم ومنفذ شعارها الذي ظل في اصدارتها ( أولوس )، فأحمد كان فنانا تشكيليا، شاعرا وصحافيا وعالما بلغات أهلنا في أثيوبيا وفنونهم علي تنوعها، وهو الذي أخذ بيد وردي فأدخله إلي عتبات الفنون والغناء والموسيقي وردهاتها البهية هناك، وظل أحمد، طوال سنوات، يذهب بمعية وردي كل حول حتي يثري وردي مشروعه الفني بذلك الغناء وبتلك الألحان في إيقاعاتها الراقصة المحببة. وفي مكتبته توجد مخطوطة مكتملة جاهزة للطباعة عن علاقته الأدبية والإنسانية بشعوب أثيوبيا، طباعهم وتراثهم الغنائي والفني ورقصاتهم، ولغاتهم، وتناول أيضا في تلك المخطوطة سير الفنانات والفنانين المعاصرين هناك وعلاقاتهم الفنية مع الفن والغناء السوداني، ليتنا نراها مطبوعة ومنشورة في الناس تلك المخطوطة الهامة" (صفحة الفيسبك).


كثرة إعجابي بتجربة الجنرال في أبادماك ومحاولتي لترضية الجنرال، عمي وصديقي المفضال، أو لفت انتباهه دفعتني لتسمية أحد خيولي المستوردة وأعظمها "أبادماك." هاجمني بعض أقربائي، بل لامني أحدهم واتهمني بالمحاولة لاستدعاء أمجاد شركية، والسعي لاستبدال إلاه الكون بأحد الآلهة النوبية – هكذا تصبح حالة البلاد عندما تسطو عليها الجماعات النصوصية.


في مقال لهما نشر بالفضاء الاسفيري بعنوان (الجنرال أحمد طه: كلمتان في وداعك من رفاقك في أبادماك)، وثق الاستاذان عبد الله جلاب وعبد الله علي إبراهيم لتجربة الجنرال بابادماك. يقول الاول: "قدمت أبادماك (تجمع الكتاب والفنانين التقدميين) في بداية عهدها في مطلع العام ١٩٦٩ احمد طه كشاعر وكان أصغر ابناء ذلك الجيل سنا ولكنه وقف في صف واحد من شعراء ذلك الوقت والزمان في صف واحد." هذا إن دل إنّما يدل علي نبوغه، اعتزازه بذاته ووثوقه. الامر الذي تناوله الاخر بعبارة خفيفة الظل ونبيهة " أذكره بوضوح فتي وسيماً في مبني اتحاد المزارعين في ودمدني الذي استضاف جماعة أبادماك خلال طوافها على قرى الجزيرة في أغسطس 1969. وكان لا يفارق شيالة كمانه. يخرجه متى خطر له أو خطر لمن حوله. كان في صغره ذاك معنا في مغامرة كسر الحائط بين المبدع والمتلقي من غمار الناس. وكان صغره عنوان أن في المخاطرة الصواب" (سودانيل؛ نشر بتاريخ: 01 تشرين1/أكتوبر 2017).


أود أن اقول في هذه الصدد، إن ما يقوم به بعض الرجال من عمل جليل في مجال الثقافة يجب أن يطوّر، وترصد له ميزانيات ويدعم على اعتباره رافداً للإنسانية وداعماً للمجهودات السياسية والاقتصادية. لكن هيهات، فقد ظلّ عمّ أحمد متنقلاً بين الهيئات بالرغم عن صبرہ ووقارہ فقد اصطدم في الآونة الأخيرة برؤساء بعض الإدارات الذين لا يكادون يميزون بين البقالات ودور الثقافة والفنون، بل لا يكادون يدركون قيمة للكتابات إلاَّ ما قد تتضمنها بعض الإعلانات.


أشفقت على عمّ أحمد فاتصلت به مواسياً ومشجعاً على الاغتراب. وقلت له بالنص: ياعمّ، كفاك من "التلتلة" دي وتعال شوف ليك "يومين حلوات" في الخليج. ردّني برفق وأجابني بحزم قائلاً: "يادكتور، تعبانين إنتو، ما تعبانين نحن، نحن موجودين في العزاءات والعقودات، واجدين نفسنا ومُفْتَقَدِين، يفتقدنا الجيران وأهل العشم والطيبين، الأهم عايشين المعاناة مع هذا الشعب وموقنين بالنصر ومعتزين بأن يكون لنا في كل ذلك نصيب تبقى دائماً إشكالية المواءمة بين المؤنة والانتماء. ما قيمة الحياة اذا رجعنا الي وطن غاب عنه الأعزاء؟ (ستكون حاضراً بروحك يا عم أحمد وسيفسح لك المجال لتدلو بشهادتك وقت الحساب يوم "يكشف المستور أمام شعبنا ومشهدنا الثقافي"، كما يقول صديقي جابر).


كلمات راهب، وفارس واثق، ومثقف نابه، ووطني باهر، ليته اكتفى بذلك لكنه لاحقني بكلمات بارقات. قال لي: إنت مديرك دا دحين بعرف قدرك؟ صمت. قال لي: أنا بعرف قدرك والناس هنا بتعرف قدرك وعربك في دار أبو مهيلة يعرفون قدرك، فأرجع إلى وطنك. هذا هو عمّ أحمد، هذا هو أبو عزة، أبو مهيرة، بل هو أبو كل امرأة كريمة وفتى عزيز. ليتنا لا ننسى أمثال هؤلاء الرجال ونضع رايات وندق النوبة على قبورهم، يوم النصر، يوم أن يسترد السودان - هذا البلد الشامخ - عافيته فيتصالح مواطنوه ويتأخوا على الخير والإنصاف والفضيلة.


عند زيارتي له وتفقدي إياه في الإجازات والزيارات الصيفية، ظل يقول لي الأستاذ كمال الجزولي، كلام شبيه بهذا الكلام، فهو يوصي بأنّ تكون الغربة مرفأً وهدأة لمن أراد أن يستعيد أنفاسه، لكنه يحذر من أن تتخذ موطناً أو أن تكون مهرباً. وهذه نصائح حكيم أخر لم يفتر ولم يهن وما أظنّ النفس تحدثه بالتراخي أو اتخاذ عن عهده الذي أبرمه مع الشعب بديلا. بيد أنني أحسست مؤخراً بإجهاده، واذا شئت إحباطه، فهو ما عاد يجد علي الخير معيناً.


تنقل الجنرال أحمد طه في ربوع الكون ما شاء الله التنقل، لكنّ القدر رده الي مبتدأه وهكذا حال الأكوان (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء: 104). لم يخطط الجنرال للرجوع إلي كسلا للعمل لكنه منادي القبر وحنين الرجل إلي أمّه وأبيه، فكان طلبه يوم أن وافته المنية أن يدفن في كسلا بالقرب من قبر أمّه وموطن شعبه – هذا الشعب المكلوم الذي سينتصر له الجنرال من قبره. أرجو يا جابر الاّ تفوتني كما فاتني الجنرال!


ما أروعك وأنت تقول: "غادر الجنرال دنيا الصحافة وعاد لمهد الجسد في كسلا، وأثرى فضائيتها الناشِئة ببرامج سبر فيها أغوار الزمان، فالصحافة الورقيّة ما كانت لتحتمل شجاعته وصدق كلمتِهِ، فهو إن كان راضياً، كانت صفحتُه حديقَة تزخر بالرياحين ويضُوع فى أرجائها شذى الخُزامَى والعطر الفتيق، وإن غضبَ تحولت إلى مربضٍ للنيران تفوحُ منه رائحة الحرائق والبارود"(المصدر أعلاه).


إن رجالاً بسطاء صحبناهم في هذا البلد الكريم ودروساً تلقيناهم منهم أقيم من كلِّ الدروس التي تلقيناها من كلِّ الجامعات التي ذهبنا إليها في الغرب، رغم عراقتها. فالحمدلله أن جابر حسين ما زال يسطع بالحقّ، والقدال ما زال يقدل، ففي ديوانه "غُنيات لحلِيوة" عِبراً لن تجدها في أعظم الدساتير التي كتبها المتأسلمون، فيها التكافل الذي حثّ عليه سيدنا الأولين والآخرين، وفيها البر الذي أوصى به ربّ العالمين. كلُّ هؤلاء الرجال لم أكن لأعرفهم لولا أن عمّ أحمد انتدبني للتعرّف بهم. فكان يتصل بي ويقول لي: تعال يادكتور معي الحلّاج، أيقونة المسرح في كردفان، ومعي إبراهيم جبريل، صاحب الريشة الذهبية التي رسمت الكبار وما زالت، وعلي عبدالله (أوقاش)، المصمّم البديع والشاعر المرهف، و الصحفية رندا عطية صاحبة المخيلة الثرية وآخرين.


كنا نتجمع حول الجنرال شيبا وشبابا فيحيطنا بحٌنٌوّه صبوة وتهيبا
نستشيره في بعض الأمور فيفتينا صحوة وغيابا
نقصده في طلب النصح فيوصينا بالحب سهوة وانابة
يشتكي إليه المرجفون مني فيغريهم بالصمت رفقا وجوابا
حتي اذا ما مضوا دعاني فأوصاني بالمغرضين والطالبين ضلالا
فلن أزل في غلظتي بهم حتي أردهم عن غيهم أو اصليهم من الحق إجلالا
لن أنساك عمّ أحمد من الدعاء ما دمت حيّاً، فالحُر شيمته الوفاء. إن أعظم خدمة أسداها لي ذاك المعلم المربي إخراجه إياي من خانة الفقه وجلباب الوعظ إلى منصّة الفكر واستنظار الرحمة والمغفرة. ولعلّه أسدى الكثير من مثل هذہ المَبَرات إلى بعض من أبناء جيلي الراغبين والراغبات، بيد أنّ قليلاً من الناس من يحفظ الجميل. كان كثيراً ما ينصحني ويقول لي: لا تكن ابناً باراً لدارفور وللغرب فقط، بل كن ابناً باراً للسودان (صار البعض يتوجّس من هذا اللقب، بل يزهد فيه لظروف يعلمها الكثيرون). وأنا أقول له ولآخرين إن أهل دارفور "مضيومين"، ويوم أن نرفع الظلم عنهم سننتبه للآخرين. هناك فرق بين من له ابن مصاب بداء عضال وآخر مصاب بشدّ عضلي، أيهم من المفترض أن ينال اهتماماً أكثر فكُلّهم أبناؤك؟

في آخر زيارة له للضعين، قال لي لا بُدّ من زيارة ثالثة لديار الرزيقات، فوجداني ما زال متعطشاً لكثير ممّا فيها من حكم ولجمال ما فيها من درر. كان التوثيق، حسب ما أبلغني الأخ/ الأمين كاكوم، لتراث البقارة من أغلى أمنيات العلّامة عبدالله الطيب، بالتحديد دراسة لهجاتهم العربية القحّة ومدى تأثرها بمحيطها الإفريقي السوداني، واتصالها باللغة الأم والموطن الأصل في الجزيرة.


وعدت عمّ أحمد، بزيارة الشرق، ولو الله طلق ومدّ في العمر، ستكون زيارتي للشرق ولكسلا خاصّة، وفاءً بالعهد الذي أبرمته للجنرال ولرفاقه الذين عرّفني بهم عبر الأثير، لكن من سيكون حينها الدليل؟ بكيتك ياعمّ أحمد وسأبكيك، ولن يقر لي حال ولن يرتاح لي بال حتى أقرأ السبع المثاني على قبرك. أعلم أن البهاليل، من لم يعلموا عن وفاتك، سيسألونني عندما يلتقونني في سوق الضعين بقولهم: صاحبك الإحيمر وين؟ سأداريهم .. سأواسيهم .. كي لا يُصْعَقوا، لكنني لا محالة سأبلغهم بالخبر اليقين فالموت حقّ ومن أحب لقاء الله أحب لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه أو كما قال سيدنا محمد (صلي). سأقول لهم أحمد رقد رُقاد الطيبين متوسداً اليمين ومثنياً على رب العالمين ((مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا)) (سورة النساء، الآية:147).


فاللهم اغفر لعمِّ أحمد واجعله في عليين مع الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً، واربط علي قلب زوجه وقلوب أنجاله وخاصته وأهل كسلا، وأهل بربر وشعب الشمالية وشعوب السودان قاطبة وأصحابه ومحبيه وقارئه ومفتقديه من أهل الثقافة والفن والصحافة. ولعمري لقد فقدنا علماً في الكتابة والتشكيل والفن ومعرفة الناس والبلدان .. مثقف وعسكري وطني قل أن تجود بمثله الأزمان.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.