إنّ آفة الأنظمة الثيوقراطية تتجلى في مسعاها توجيه الأخلاق سياسياً، وتتجنب ما أمكن توجيه السياسة أخلاقياً. إنّ أولى أوليات الالتزام بأخلاقيات العمل السياسي هو الالتزام بالعمل الديمقراطي الذي يضمن تصعيد أناس مؤهلين أو مرضيين من قبل الشعب. وإذا كانت هنالك إشكالات في بنية الثقافة السياسية والاجتماعية تحول دون تصعيد أناس مؤهلين، فإن التشديد يكون مهما حال الاختيار لشخص منوط به تخطي مرحلة انتقالية حرجة تقتضي تهيئة المناخ العام لعمل ديمقراطي يُرجى استدامته في المستقبل.
لا ندري إنْ كانت الجبهة الإسلامية القومية لم تراع التدقيق في حالة اختيارها لعمر البشير، أم أنّ حرصها على اختيار شخص مطيع (دلدول)، كان أكثر من حرصها على اختيار "القوي الأمين". إنّ أبسط التزام بقواعد النظم الإدارية وضوابط الخدمة المدنية كان حريٌّ به أنْ يجنّب السودان كارثة ماحقة كادت أنْ تحلّ عليه باسم السماء ("هبة السماء إلى الأرض" كما أسماہ الترابي ربّ نعمته ومولاه)، بل إنّ مجرّد التدقيق الأخلاقي كان كفيل باستبعاد شخص مثل عمر البشير.. "الرجل الفضيحة" الذي لا يُفَوِت مناسبة للتكلم إلاّ أعرب فيها عن جهله. مثال في ذلك قوله مؤخراً في زيارته للجنينة "أعطوني أمن أعطيكم تنمية" (في ذمتكم.. دا مش كلام شخص مصقوع؟!)، علماً بأن الجيوش التي تروع أهل دارفور وتقتل العزل منهم هي من صنيعه وتأتمر بإمرته؛ أمّا التنمية التي طال الحديث عنه فلا يمتلك لها أفقاً ولا يدخر لها مخبراً.
لقد شيّدوا طريقين إلي الشمالية كانت ود مدني أحقّ بأحدهما، لكن فقراء الشمالية هؤلاء لهم حقد دفين مع أهل الجزيرة، كما عبَّدوا خطاً سريعاً للسكة حديد كانت أولي به نيالا ومواطنو الغرب الذين يتكلفون عشرة أضعاف التكلفة لترحيل مرضاهم، لكنهم يضمرون كرهاً لدارفور غير مبرر، فقد كانت مساهمة دارفور47% للناتج القومي الإجمالي وذلك قبل البترول (دكتور فيصل حسن عوض، حديث له في الواتسب مرر بتاريخ 16 سبتمبر 2017، كتابات الأستاذ حامد علي محمد نور).
لو نسينا كل شيء، يجب الاّ ننسي كِبْره والذي تمثل في ترداده كثيراً لعبارات صفيقة مثل "الزارعنا يجي يقلعنا"، تناسب سكرتير سابق لنادي كوبر عندما كانت وكراً للصوص ولا تناسب رجل لدولة شامخة وعريقة لها إرث سيادي وحضاري مثل السودان. (حتي لا يرجع أحدنا فيحدث نفسه: شنو العملناه عشان نستحق هذا البؤس؟ الإجابة: العملناه ما هو قليل وربنا بيعفا عن كثير.. تبعنا الأنبياء الكذبة، وما زلنا نهلل لهم عند مقدمهم!).
سمعت "الرجل الفضيحة" يوماً في مقابلة معه في التلفاز يفاخر ويقول بأنه لم يكمل قرأة كتاب كاملاً في حياته، وهو إذ يقول ذلك إنّما يريد أن يبرهن بأنه "شفت" وأنه "بلقطا وهي طايرة." علماً بأنّ الأكاديمية الأمريكية التي أراد أن يبرهن بذكرها علي صدق قوله في شأن المصالحات الأهلية، تفترض علي طالب الدكتوراة، خاصة في العلوم الإنسانية، أن يقرأ ما لا يقل عن أربعمائة صفحة بالتوسط في الأسبوع. الأهم، إنها تُعَلِم الأخلاق ولا تتهاون في أمر طالب، مثلاً، استدل برأي في مكتوب له ولم يعط صاحبه حقه في التوثيق، ولو أن يكون ابناً للسفير كندي. فلم يعف أحد أبناء كندي – والذي صار من بعد نائباً برلمانياً متميزاً - من المُسألة والطرد عندما "بصَّ" من صديقه في امتحان اللغة الإسبانية (البصَّاصة: العين الناظرة بتحديق وتدقيق).
وذلك حرصاً عليه وعلي المجتمع الذي لا يتضرر من وجود شخص فاسق وفاجر قدر تضرره من وجود شخص كاذب ومخادع قد لا يتورع في تزوير شهادة مرضية، سرقة محاليل طبية، إلي غيرها من الأعمال التي قد تبدو بسيطة لكنّها تتفاقم لتؤدي إلي أعمال جليلة تشمل تجنيب أموال البترول، الإشراف علي العصابات التي تهرب الذهب، قتل البشر باسم الدين، تعذيبهم، وطردهم من أراضيهم لِيُوَطَّن فيها أخرين.
وقد تُسَّوِلْ له نفسه، أي هذا الشخص الكاذب المخادع، ازدراء عقول الأخرين، الجاهلين منهم قبل العالمين، فيستفيض في حديث له عن الصحة الإنجابية بلغة غوغائية ومن دون اي منهجية علمية، ويستطرد في الحديث عن محاولات الإصلاح القاعدي التي تشمل الجودية والأعراف المحلية، إلي أخره من الأمور التي تفتقر إلي الارتباط فيما بينها ولا تنال اهتمام مواطنين يفتقرون إلي أدني مقومات الكرامة الإنسانية ويضربون بالرصاص الحي لمجرد إبداء تذمرهم من زيارته. ما الداعي أصلا للزيارة؟
تأتي زيارة عمر البشير الاستفزازية لدارفور (سبتمبر 2017) في وقت يجتمع فيه قادة العالم في الأمم المتحدة للتفاكر بشأن التنمية والاستقرار والتباحث حول السبل الواجب اتبعاها لوقف الحروب والنزوح واللجوء، إلى آخره. فالرجل يحاول التعويض داخلياً عن شرعية يفتقر إليها خارجياً، بزيارة ذات الإقليم المتهم بإحراقه وهو يغتنم أي فرصة لزيارة الخليج لنيل شريعة خارجية، يفتقر إليها داخلياً. في الحالتين هو غير موفق لأن زيارته لدارفور وبذله الأكاذيب المتكررة عن الاستقرار والتنمية، لا تفعل أكثر من فضحه وتبيان دجله. أمّا بخصوص زيارته المتكررة للخليج، فقد صارت تسبب حرجاً لأمراء الخليج لأنهم لا يريدون أن يُتهموا بالتواطؤ مع "مجرم حرب"، كما لن يستطيعوا أن يوافوه إلى الأبد بأموال يعلمون أنها ستصل إلى جيبه الخاص قبل أن يشتم رائحتها الإنسان السوداني المغلوب الذي يتهدده الموت من كل مكان وتنوشه حادثات الزمان، دون أن يملك حيلة يرد به قدر الله، أو عزيمة ينتقل بها الانتقال من قدر إلى قدر أخف.
يروي أحد الحضور أنّه كان مدعواً لعزومة في منزل السيد علي جمّاع الذي كان عام 1986م محافظاً لشمال كردفان. كان الرجل وما زال محطّ احترام للكُلّ إذ كان بالإضافة إلى رقيه وتهذيبه وإنصافه ونباهته مضيافاً وحريصاً على انتهاج منهجاً عشائرياً يجعل الناس دوماً على وفاق إنساني واجتماعي. والناس في اجتماعهم ودردشتهم وانشغالهم بالونسة استأذن أحد زملائهم وإخوانهم الجنوبيين، السيد سيمون مجوك، في الذهاب بيت الكنيف لكنه رجع بسرعة لم تمهل الضابط "الجعلي" (أو "البديري الدهمشي" أو........) عمر البشير إكمال حديثه الذي كان موجّهاً إلى زملائه الشماليين.
عمر البشير مسترسلاً: أنا ماقلت ليكم العبيد ديل ما تخلوهم يباروكم.
أعترضه سيمون مجوك قائلاً: نحن ما عبيد يا سعادتك.
ضحك عمر البشير وقال: أنا بهزر ساكت!
خرج سيمون دون أن يتناول الطعام مما سبّب حرجاً للضيوف والمضيف وجعلهم يستاؤون، لأنّ سيمون كان محبوباً وفكهاً ومحترماً وسط رفاقه، الأهمّ، أنّه لم يكن عبداً، بل كان سيد نفسه، وإذا اختال فإنّما يختال في أرضه التي قدم إليها الجد (كارا) هارباً من (كنو) بعد أن تسبّب في مقتل شخص فلم يجد ملاذاً إلاَّ باللجوء إلى أرض السودان الهاملة. وقد علمنا هذا الأمر بالصدفة - أثناء مشاورات السلام (بأبوجا 2006) - عند مجيئ "الوفد القبلي" وطلبه من أبو سانجو السماح لهم بزيارة "واليهم" (قريبهم) في القصر الرئاسي. بينما كانوا هم فخورين بتولي "ابنا" لهم منصباً عالياً في السودان الإنجليزي وحريصين علي التعرف به عن كثب، كان هو ممتعضاً ومتململاً ينتظر نهاية الزيارة ولم يبد اي استعداد للتعرف علي أرحامه أو تقصي أخبار أبناء عمومته. لكنه لم ينكر انتسابه إلي هذه البقعة الكريمة والجليلة من ارض إفريقيا، بل ترفق بأعضاء الوفد، تبسم ابتسامته الماكرة، وتكلم إليهم برفق ولين، تمالك نفسه ولم يثرثر كعادته حتي حانت حتي حانة لحظة انصرافهم. تنهد حينها الصعداء، ولم يملك أحد أن يسأله عن حال هؤلاء "الغرباء"!.
إنّ محنة "ود كارا" لا تختلف هنا من حيث الرمزية والدلالة الموضوعية عن محنة كثير من النخب التي باتت خلفيتها الأثنية تشكل لها عبئاً، خاصة إذ رأت نفسها تستمد شرعيتها من وهم عروبي وإسلاموي يتطلب إثبات هرمية عرقية. وإذا كان الانتماء للفولاني يعتبر "مفخرة" في يوم من الأيام باعتبارهم ملوك الحزام والدعاة الذين اسلمت علي أيديهم الهوسة وكثير من قبائل إفريقيا، فقد أصبح هذا الانتماء "معرة" في ظل بروز الدولة السودانية الحديثة.. التي لم تكتف ببخس الفلاتة حقهم (أكبر قبيلة في السودان ويقدر عدد أرادها ثمانية ملايين نسمة)، بل أنكرت مساهماتهم الدينية والاقتصادية والاجتماعية (راجع كتابات د. محمد جلال هاشم، د. محمد أحمد بدين ود. عبدالله عبدالماجد). وهذا حق لهم تثبتهم جغرافيا طريق الحجيج وتاريخ الدولة السنارية التي لم تخلو من تفاعل مع ممالك وسلطنات غرب إفريقيا، لا سيما تمبتكو وودّاي. إنّ الاسلام وبالشكل الذي نعرفه اليوم في السودان قد قدم من غرب إفريقيا وأسهم فيه بالتحديد البرغو والشناقيط والفولاني. فمن عجب أن ينكر الأسلامييون فضل إفريقيا الصوفية ويُرَفُّعوا قدر مصر الإخوانية والسعودية السلفية. بل ما الداعي أصلاً لرسم خطوط تمايز أيديولوجي تعكر للوجدان صفوه وتحدد للثقافة أفقها وتقصي عن الأحاجي مداها وتبعد عن الحاجيات سُداها؟
ليس المشكل إذن في الانتماء إلي الفلاتة، فهم أهل شوكة بالأمس، اليوم وغداً، بل في محاولة التبرؤ منهم. فهل ذكر التاريخ يوماً أنّ ثلث شهداء كرري كان منهم؟ بل هل ذكر أحد المؤرخين، باستثناء د. الحارث إدريس، وهو من المتأخرين، أن الفولاني لم يسهموا في المهدية فقط بحكم الانتماء الأيديولوجي لفكرة المهدية، إنما أيضاً بحكم الولاء القبلي للمهدي نفسه؟
لقد رأينا في الحوار الذي دار بين عباس برشم والضابط المايوي في محاولة الأخير لاستخدام العنصرية كوسيلة لدرء التهمة ((Defense Mechanism، علماً بأنه ينحدر من أعظم بيوت الفولاني – الفا هاشم - التي أسهمت إسهام عظيم في رفعة الدين وأسدت خدمة جليلة للمسلمين. لكنّه من ناحية لا يريد أن يعلي ما مِن شأنه أن يظهر التناقض بين سلوكه الشخصي وسيرة قومه المرضية، ومن ناحية أخري هو لا يريد أن يذكر ما مِن شأنه أن يشكك في أم درمانيته.. فأمدرمان اعتمدت الانصهار وسيلة لتذويب العصبية ولا تقبل بالتعدد والتنوع إلاّ في أسماء الفرق الرياضية.
إنّ أهلية كثير من الزعماء الذين تصدوا للعمل السياس والديني منذ الاستقلال وحتى اليوم أغنتهم عن التعويل على القبيلة. على النقيض، فإن ضعف التكوين النفسي والاجتماعي جعل البعض الأخر ينهزم أمام الهرمية العرقية، والتي قد تعتمد منطق جهوي أكثر من كونه عرقي (أمدرمان في مواجهة الآخرين، إذا لم تثبت انتمائك لأمدرمان، فأنت تواجه خطر التصنيف أو المسألة: من أي البقاع أتيت؟).
باستخدامه عبارات عنصرية، فإنّ ود (كارا) يسعى دوماً لنيل استحقاق أو موافاة بحق الانتماء إلى "العباسيين" (Assimilation Technique)، في هذه الحالة الجعليين الذين كانت تستفزهم حتي حين مثل هذه العبارات إلاّ إنّهم ترددوا – كما سنري لاحقاً - قبل ان يتجاوزوا هذه المرة "المفاخرة" إلى "المجاهرة"، إن لم يكن ورعاً فحذراً من ان تشملهم العقوبة ويطالهم فعل المقاضاة. كلما أمعن القبائليون في رفضه، كلما أوغل هو في حقده وبرع في سب الآخرين والنيل من أحسابهم (وما عبارة الفوراوية منّا ببعيد!).
إنها ذات العنصرية التي برّرت له قتل الآلاف من الدارفوريين وسولت له استمراء الرقص على جماجمهم دونما الإحساس بأدنى وخز، بل تحرى لحظة الاستجمام التي تمنحه راحة نفسية إذ يسمع طبلاً ولا يشتم دماً. فحادثة كادقلي لم تزل عالقة في ذاكرته، ليس لأنّها الجريمة الأولى (تسريح أولاد عمران)، أو الكبرى (خرق الدستور)، لكن لأنّها الجريمة العظمى والعقبة الكؤود التي افتقد بتخطيها كُلّ وازع أخلاقي لخرق الدستور ووضع القانون تحت رجليه.
ما إنْ نجح القائد وجنوده البواسل في فكّ الحصار وتأهبوا للرجوع من ميوم (مايو 1989م)، حَتَّى خرجت القرى في استقبالهم، وضربت النقارة، ورقص الصبيان والفتيات المردوم، فقد كان معظم الجنود من أبناء المسيرية وأبناء البقارة عموماً الذين هم بمثابة العمود الفقري للجيش السوداني. والناس في فرحهم وبهجتهم تلك إذ ترجّل قائد اللواء حال وصوله إلى قرية كيلك وهو ممسكاً بمدفع MP5، ولم يعط نفسه مهلة للارتكاز إذ كان "منتشياً" أو "مزدهياً" بالرقص حَتَّى أطلق رصاصاً قطع البنت التي كانت تقف أمامه إلى نصفيْن، لم يتمالك نفسه هو الآخر فوقع مغشياً عليه. أو يبدو أنّه أصيب بانهيار عصبي نقل على إثره إلى مستشفى كادوقلي والذي يبعد 70 كيلو من قرية كيلك. أشار الطبيب المناوب في المستشفى لاحقاً إلى أنّ الضابط كان في وضع "غير طبيعي" لم يمكنه من الإفاقة!
اتخذت إجراءات فورية في هذہ الأثناء من قبل قاضي المديرية السيد/عدنان النعيم الضو، الذي تربطه علاقة رحمة وثيقة بعمر البشير (ابن خالته وكان يقطن بمنزلهم أثناء فترة دراسته بالخرطوم)، شملت سحب البلاغ من كيلك واستدعاء أولياء الدم (والد ووالدة المقتولة) في نفس الليلة بل تمّ التكفل بترحيلهم مسافة 70 كيلو بواسطة تركتر (tractor) قاده العقيد عاصم يحيى عمران. الغريب في الأمر أنّ القاضي عدنان النعيم الضو استخرج "إعلام شرعي بالورثة" دون أن يخطر القضاء العسكري (الذي يُعنى بأيِّ قضية يكون أحد طرفيها فرداً من أفراد القوات المسلحة)، وأعلن التنازل عن الحقّ العام (الذي يتعلق بسلوك الموظف العام) والحقّ الخاص (المتعلق بأولياء الدم) دون أنْ تعقد محكمة لسماع قضية الاتهام والدفاع، وقبل أنْ يدان المتهم أو تحدّد العقوبة. لا يدري الأهالي حَتَّى الآن مقابل ماذا تنازل الأبوان أم أنّهم أُرهبوا أو عفوا. لكن الذي يعلمه كُلّ أهالي السودان بعد ما حلّ بوطنهم خلال 28 عام أنّ التزام قاضي المديرية باللوائح القانونية والنظم الإدارية كان سيجنّب السودان كارثة ماحقة من جراء التصعيد لشخص عنصري وحاقد، مرتبك نفسياً، بل ومتهم بتعاطي المخدرات.
إنّ إفلات مثل هذا الشخص من المقاضاة لم يسهّل له فقط التصعيد إلى أعلى سلطة في البلاد، إنما هيأ له فرصة انتقاء السفلة والمنحطين والساقطينً والساقطات من كُلّ مناحي السودان وتكوين حكومة منهم. لا توجد هنا مناجزة فكرية، بين من إسلاميين وغيرهم، أو جهوية بين غرابة وجلابة، أو طبقية بين الارستقراط وأبناء الغلابة، إنّما اخلاقية بين الشعب كآفة وأفراد العصابة. هنا نفهم التزام الغربيين، لا سيما اليابانيين والألمان منهم، بالانضباط شبه الأرثوذكسي بالنُّظم البيروقراطية وعدم التهاون في شأن الترقي المؤسسي، بل اعتمادهم على الكفاءة ولا شيء غير الكفاءة (Meritocracy)، لانهم يرون أن ّالتهاون في هذا العامل بالذات نذير هلاك للمجتمعات، وليس فقط تضعضع للمؤسسات.
إنّ القاضي عدنان النعيم الضو لم يضر فقط السودان إنّما أضرّ أيضاً ابن خالته الذي انتقل من "متهماً في كادقلي" إلى "متهماً في لاهاي"؛ الأدهى من ذلك أنّه لم يعد فقط "مطلوب الجنائية الدولية"، إنما بات أيضاً "منشود العدالة الإلهية"، ومن طلبه الله لم يفلته (إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)(هود: 102). وها هم أهلنا الفور والمساليت والداجو والتنجر والزغاوة والميما والبرقد والبيقو في المعسكرات يسألون ربّهم، من يوم أنْ نُكِبوا، بعد أنْ يفرغوا من وردهم عصر الجمعة ويتضرعون إليه بدعاء بسيط قائلين : "يا الله، الزول السوا فينا الفعل دا انتقم منه." ما ظنك بمظلوم المولى وكيله؟
لن تنفع عيال (كارا) ألف حَجَّة يَحُجَّونها حَتَّى يسترضوا هؤلاء ولو أنّهم رضوا لم تضرهم الجنائية. فموسي ظلّ يحثُّ فرعون على التوبة رغم جرمه "حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً. وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ" (يونس: 92-90).
هل ينوي عمر البشير بزيارته لمعسكر "كلمة" أنْ يبرهن على أنّه محبوب وأنّ هؤلاء النازحين إنّما خرجوا في نزهة صيفية طال أمدها على أحسن تقدير أو أصابتهم نكبة تسبّب بها غيره على أسوأ تقدير، أم أنّه يريد أنْ يقدم "صلاة اعتذار" إذا جاز لنا استخدام تعبير الصحفي النابه هاشم كرار؟ لقد تحدّث هاشم بإنسانيته المرهفة في مقالٍ له بجريدة الوطن عن رجل الفظائع ادريان فلوك الذي لم يكتف فقط بإعلان الندم، إنّما هرع أيضاً إلى تقديم فعل الاعتذار للمواطنين السود الذين تفنّن في تعذيبهم، وقد شُهد وهو كهل أشيب الرأس يجوب مدن الصفيح ويوزِّع الطعام والحلوى لفقراء السود في جنوب إفريقيا (الوطن، 12 سبتمبر 2017 ). هل يملك عمر البشير هذه الشجاعة أم إنه سيظل هارباً من قدره المشؤوم، إلي قدر لن تكون الجنائية أسوأ مآلته!
يمتعض السودانيون ويضجرون فليلجئوا لتفسير إخفاق رؤسائهم بالنظر إلى خلفيتهم المهنية، الأسرية، الاجتماعية، القبلية، التنظيمية، إلى آخره. بيد أنّ كُلّ ذلك رغم أهميته لا يعطي التفسير الصحيح في غياب العنصر الأساسي ألا وهو الانتخاب الحر للسياسي الحزبي، والتصعيد المؤسسي السليم لكادر الخدمة المدنية. إنّ تخطي علي عثمان لشيوخ الحركة الإسلامية معتمداً على استرضائيات وميكافيليات هو الذي أضرّ بالعمل السياسي، وتخطّي شيخه للنُّظم الديمقراطية هو الذي أضرّ بالسودان. التخطِّي تسبّب في التجني وألحق كارثة بالوطن على جميع الأصعدة. هل يفهم من هنا أنّ عمر البشير كان ضحية لمؤامرة مركّبة أم أنّه الجاني في جريمة مشتركة؟
إنّ المأزق الذي نحن بصدده يتطلّب تضافر جميع الجهود في محاولة للنهوض بالفرد عبر التحليل لمكوّناته، دون أدنى محاولة لإعادة صياغته، إنّما فقط اتخاذ ما من شأنه أنْ يعيد له اتساقه مع ذاته. حينها يستطيع هذا الشخص أنْ يبدع ويبتكر، بل وينضم طوعاً لمجتمعه، إذ إنّ الإكراه يسبّب النفور ويجعل الإنسان ممزقاً على أسواء الأحوال، وغير متسقاً مع ذاته في أحسن الأحوال، فيحرم الدولة من مستودع أساسي للتنمية ومُحَفِّز مهم للازدهار والاستقرار. يقول الدكتور عزمي بشارة في كتابه الأخير (مساهمة في الحرية/مساهمة في تدارك النسيان النظري) والذي وردت منه بعض الإضاءات في مقالة للأستاذ شوقي بن حسن (العربي الجديد، سبتمبر 12/2017)، لا يكون الإنسان كائناً أخلاقياً إلّا بممارسة حريته في الاختيار بين الخير والشر، فالحرية معرّفة بالعقل والآراء ومشروطة بهما. بيد أننا يجب أنْ نلاحظ أنّ معنى الحرية في المجتمع العربي تطوّر في سياقات تقوم على نفي معنى نقيض وهو العبودية.
ختاماً، إنَّ نظام الإنقاذ رغم ادعائه الاهتمام بالفضيلة، بل واكتسابه شرعيته منها، لم يعبأ بالانهيار الأخلاقي الذي أصاب المجتمع وإذ ظلّ ينكر الفضائح الأخلاقية كافة، الخاص منها والعام، فقد فقد تلقائياً شرعيته التي لطالما أزعج بها العالم، واستحال أفراده إلى عُصبجية ولصوص لا يتورعون عن تفعيل العنصرية لتبرير ممارستهم الإجرامية ضدّ الطلبة، المورد الأعظم والطليعة المثقفة، المنوط بها حمل الشعلة لإضاءة طريق الحرية وتعبيده (أي رصفه) لفئات المواطنين المضطهدة والمحتقرة والمحاصرة في معسكرات النازحين أو البدو السايرين في البوادي وهم يتوهمون عدم مقدرتهم على الإفلات من السياج المعنوي الذي ضرب حول عقولهم.
إن اضطهاد الإنقاذ لهؤلاء الطلبة، رفدهم، طردهم، سجنهم، قمعهم، بل سحلهم وقتلهم لن يزدهم إلاّ صلابة، وإذ ذلت القيادات السياسية واستحالت الي نخب مطلبية، فإنّ الإنقاذ لن تستطيع أن تنل من شعب دارفور مهما فعلت لأنه يعي موقعه من التاريخ. وها هو تشييع جيفارا ورفاقه يتحول إلي تدشين، وها هي محاولات الابتزاز في بخت الرضا تتحول إلي دروب اعتزاز.
لا يمكن لفضيلة أنْ تسود في غياب المجتمع العلمي والديمقراطي الذي يعتني بالفردية ويدعم مقومات نموّها وازدهارها (من أهمّ هذه المقومات هو الاتساق مع الذات)، ويلهم المجتمعات حيلة التواصل مع بعضهم فتتوجه حينها كُلّ هذه الطاقات وتتجمّع لصالح التنمية. فالإنسان لم يعد هو غاية التنمية، كما كان عليه الحال في السابق إنما هو أيضاً الوسيلة لتحقيق الرفاء المادي والازدهار المعنوي. وإذا كان الخوف من الفرادة والتفرُّد يقيد الإنسان خارجياً، فإنّه يحول بينه وبين اكتشاف نفسه داخلياً، ممّا يسبّب له اغترابا يكون سبباً في دماره ودمار الآخرين حوله (العربي الجديد، 12 سبتمبر 2017). وإذ فشلت الأنظمة الاستبدادية (الثيوقراطية منها والعلمانية) في تفهُّم هذا الأمر، فقد حقّق بعضها ازدهاراً أعقبه دماراً كما هو الحال في العراق وليبيا، أمّا الآخر فقد عَول منذ البداية على الفقر والجهل والمرض كوسيلة للتحكُّم في مجتمعات مثل السودان ومصر.
عوضاً عن فهم الحكم على أساس أنّه إحكام لدورة اتخاذ القرار فإن العسكر (أو المستبدين عموماً) يفهمون الحكم على أساس أنه تحكُّم فيعطلون حركة المجتمعات ويعدمون حيويتها. لا يختلف في ذلك العلماني أو الثيوقراطي فكلاهما يحاول فرض فلسفته وفكرہ وعقيدته على الآخر عوضاً عن تفعيل العلمنة كسيرورة يمكن أنْ يتمّ بها تفاعل أصحاب كُلّ الفلسفات والعقائد والأفكار مع بعضهم بعضا. حينها، سنتحرر من الحقد والخوف والكراهية وسنكون أكثر اتساقا (وليس تناسقاً) مع ذواتنا الجماعية والفردية.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.