إنَّ التَّعاطي مع الشأن الدارفوري، يتطلَّب استصحاب عوامل عديدة للتَّحليل، منها ما هو سلوكي (إجرام بعض القيادات، عُمد وغيرهم، وإمكانية ضلوعهم في بعض الممارسات غير القانونية الأمر الذي يجب أنْ يحدِّده وزير العدل وليس منسوبي الأمن أو الشائعات)، منها ما هو مؤسَّسي (انهيار الهرم الاجتماعي، اضمحلال المسودة العُرفية، تداعي الهيكل الإداري، إلى آخره)، ومنها ما هو بنيوي (ضعف التكامل الأيكولوجي بين الرَّاعي والمزارع، والمصلحي الاستثماري بين المزارعين أنفسهم، الحاجة الاقتصادية للاستقرار والسَّيادية للملكية والمشاعية للانتفاع، محدودية الرقعة الجغرافية إلى آخره). إنَّ غياب الأفق التَّنموي يجعل كُلَّ هذه العوامل تتضافر لصالح الدّمار والانهيار، كما قد توضِّح حادثة مجيليد.


تقصى بعض المعاليا أثراً لبهائمهم، قادهم الأثر إلى بادية أولاد حاج إسماعيل حامد (رزيقي) والذي من المُرجح بل من المؤكد أنَّ السراريق- والذين لم تتبين هُوِّيتهم هذه اللحظة - قد تعمَّدوا دسّه-أي الأثر-  في هذه الناحية (بادية رزيقات) كي لا يقتفي أحد أثرهم فيخرجوا من القرية سالمين على أقلِّ تقدير، ويستطيعوا الإيقاع بين الفريقيْن على أسوأها. قد كان لهم ما أرادوا فالناس يحتكمون إلى السِّلاح في غياب الدّولة وإلى الظّلم في غياب أهل المشورة. بدأ المعاليا (المجموعة المقتفية آثار البهائم) في الضّرب بالسِّلاح، هكذا وبدون مُقدِّمات. لم تمض دقائق حتى قُتِل من أبناء حاج إسماعيل حمدان والطيب ومن أبناء أخيه حاج موسى حامد وحمدان. وصل الفزع إلى البادية التي تحرَّكت على خلفية الأحداث الكثيرة المتراكمة، لكنها لم تتحقّق من هذا الواقعة بالذَّات ولم تتبين من السَّالفة حتّى كانت قد ألحقت بالمعاليا ضرراً وقتلت منهم غِيلة العدد الكبير. 


هذا الحدث الدّرامي وغير الإنساني - رغم فداحته- تصدق روايته مع تبديل المُسمَّيات - أشخاصا وقبائل-  لكُلِّ المحلِّيات يموت زهاء المئة مسلم وتزهق أرواحهم فلا تنجح النُّخب المركزية (لحاجة في نفس يعقوب)، وتلكم المحلِّية (لضيق الأفق وبؤس المخيلة)، في شيء قدر تفعيلها لثنائية رزيقات ومعاليا ومن تَشَطّر منهم وبرع أفتى في قانونية الطَّوارئ أو عدم قانونيتها، وثيقة مروي ونجاعتها، تاريخية الحاكورة وقُدسيتها، بل تشكَّكت في ولاءات المسؤولين على خلفياتهم القبلية؛ حتي زعموا أنَّ العقيد أنس عمر معلّاي (وأنس معروفة جهته وحلته)، وينسون أنَّ هؤلاء ( ها .... أولاء) ولاءهم لكُلِّ شيء إلَّا العشيرة والله والوطن. 


فلندع أمر الخلفية القبلية والاجتماعية جانباً، ولنرجع إلى إجرائية المعالجات الأمنية. إذا كان كُلُّ إناءٍ بما فيه ينضح فإنَّ والي شرق دارفور، قد رأى أنَّ نجاعة الحلّ السِّياسي تتمثَّل في إحكام القبضة الأمنية؛ خاصَّة بعد أنْ تجمَّع الرزيقات في كليكل والمعاليا في أب كارنكا. رغم تحفُّظنا على هذه الخطوة، إلَّا أنَّنا نستغرب كيف يتمّ استدراج زعماء أهليين إلى موقع حدث لم يكونوا في الأصل جزءاً منه، ويتمّ اعتقالهم وهُم مَن تحمَّلوا عبء التَّصدَّي لعبث الإنقاذ طيلة هذه السنوات، وبذلوا قصارى جهدهم لامتصاص الصَّدمات بالرغم من شُحِّ الإمكانيات وضياع الصَّلاحيات وغلبة المشورات؟ لماذا إذن اعتقال عُمد الادارة الأهلية في هذه الّلحظة؟ بل كيف يتجرأ معتمد الفردوس (أضان الحمار سابقاً)، محمد سليمان جود الله الغالي، خريج الجامعة الإسلامية 2004، أنْ يرفد عُمداً علي رأسهم العُمدة محمود خالد محمد نور، عُمدة العُمد ورجل الإدارة الأهلية والعيار والسند؟ ما هذه المسخرة؟ هل اغتررتم بسلطة الإنقاذ أم إنكم قد أيستم من زوالها؟ 


ساءني ما فعلتم بقومي وسرّني. ساءني لأنّكم عدوتم علي قوم كرام، وسرّني لأنّهم ومنذ اليوم سيعملون على الإطاحة بالعصابة وإذا لم يفعلوا فخاب رجائي فيهم. كان بعض أصحابي منهم يبلغونني أنّ صحبي، يقصدون الناظر أحمد السّماني (رحمه الله)، بقول "الله يفتن الرِّزيقات مع الحكومة"، وهم إنّما يودون القول ويدللوا على إنّه غير مخلص في خوته للرِّزيقات وأنّه يتظاهر بالحبّ والإخلاص لهم. فكنت أرد بقولي "إنْ قالها فقد صدق وأحمد رجل تيجاني لا يعرف النفاق وأنا علي دينه، بل أؤمِّن على دعوته." لقد أدركت خطورة التنامي العسكري والبشري لهذه القبيلة، والآن أيقنت بأنَّها في حاجة إلى مَن ينقذها من نفسها، قبل الأخرين. ولا يكون ذلك إلاّ برسم خطٍّ إستراتيجي أسعى لتبيانه في هذه المقالة أو الورقة المفاهيمية.


إنّ بعض الزلنطحية والعمد الإنقاذية (ومَن أسميهم أحياناً "البجعات البرية" تأسياً بالرواية العالمية) كان يقول ويفاخر "الرئيس بحبّ الرّزيقات." وأنا أقول في نفسي "ما هو قدر المُحبّ وما هي يا ربِّي قيمة هذا الحبّ؟" إنّ المُحب لا قدر له، وقيمة الحبّ معيارها التنمية التي كان حظ المنطقة منها صفراً كبيراً ودونك المشاريع الفاشلة: مطار الضعين ومشروع أبو فاما -- الذي خصّ به العقيد أنس عمر محاسيبه من الإنقاذيين -- وغزالة جاوزت. بل إنّ حظّ الأقاليم من القروض التي أُخذت باسم كافة السّودانيين والتي ستدفعها الأجيال القادمة يبين القسمة الضيزى، إذ إنّ حظّ إنسان الوسط من هذه القروض 390 دولار للفرد، مقابل إنسان دارفور والجنوب 39 دولاراً فقط. حتى هذه النسب غير دقيقة، لأنّها؛ أيّ القروض المدرجة والمسجلة قد ذهب ثلثها إلي جيوب أفراد. الآن فقط سيعلم العُمد أنّ "من الحبّ ما طبل في السجن وقتل"!  

 
إنَّ إدارة الرِّزيقات في الجنوب تُمثِل القلب والعقل للرِّزيقات في السُّودان قاطبة. فهم مهما تتضعضع كيانهم واضمحلّت عُرى الوثاق بينهم؛ تبقي لديهم حكمة راسخة ورؤية متوارثة وتؤدة في التعاطي مع الشأن العام. كان الناظر محمود موسي مادبو (رحمه الله) دائماً ما يقول: "نحن العطاوة ديل جبتنا كبيرة وشدرتنا ضليلة تسع كُل القبايل" (رواية الشيخ جبير عبدالشافي). ولذا فقد حرص النِّظام على عزلهم من إخوتهم في المقدومية (جنوب دارفور) ومن إخوتهم في شمال وغرب دارفور من خلال الاستحداث لولاية شرق دارفور. رغم ذلك فقد استمرَّ نفوذهم، مِمَّا استدعى ليس فقط عزلهم إنما أيضا اعتقالهم؛ كي يتمّ تنفيذ المخطط أو السيناريو القادم بالكيفية أو الحرفية التي يريدها جهاز الأمن؛ وهي اقتتال الرِّزيقات حتّى يفنوا عن آخرهم. يساعد في ذلك هواجة الفريقيْن والغشامة المتحكمة فيهم بتفشِّي عامليْ الفقر والجهل. يكفي فقط استبقاء سبعة ألف لحماية البشير وإخوانه. حتي هؤلاء، لم يرتاح بال بكري حسن صالح حتي أخرجهم لأنه يفضل الاستعانة بأبو طيرة وقوات السلام والدفاع الشعبي وذلك بدافع الانسجام العرقي. علماً بأن عددهم يتجاوز الاربعين الف يتزودون من أمواج ولا يأتون البأس إلا قليلا. 


عاد الرئيس البشير النَّاظر سعيد محمود موسى مادبو(رحمه الله) إثر وعكة أصابته قبل عاميْن، فكان فيما قال له: "أنا عندي 20 ألف من الرزيقات مسلَّحين"، وطمأنه بأنَّه سيرعى أولاده (أيّ الرزيقات) وطلب منه ألاّ يحمل همّاً." صمت الناظر وأطرق بنظره إلى أعلى لأنَّه يدرك بأنَّ هذا النّوع من "الرِّعاية" سيكلِّف القبيلة كُلفة عالية ويجعل تماسُّكها مرهوناً ببقاء النَّظام الذي ما فتأت الحادثات تنوشه حتَّى اعتزم قادته تفتيت كيان الرِّزيقات وضرب وحدتهم دون كُلفة، إنَّما التَّحريش والوقيعة بين مجموعات غير راشدة ولا تعتزم الاعتبار أو الاستبصار.


لا يكاد المتتبع للرسائل الصّوتية التي يبثها الشّيخ موسى هلال حتي زمنٍ قريب يتبين هدف استراتيجياً أعلى أو حتّى تكتيكاً سامياً، إنَّما يستشف فقط مناورات قد يكون الغرض منها كسب أرضية سياسية أو عسكرية، أو الاثنان معاً. إنَّ العمل السِّياسي يتطلَّب العمل عبر حزبٍ سياسي أو الانخراط داخل المؤتمر الوطني حزبه الأصل، أمّا العمل العسكري فيتطلَّب الانصياع لأمر القيادة العليا للقوات المسلَّحة أو جهاز الأمن في حالة حرس الحدود، أو الخروج علي الدّولة خروجاً بائناً، فلم يعد هناك مساحة للمناورات أو المساومات أو حتّى الاتهامات التي تشبه طعن القناص للفيل في ظلّهِ وعوده قائم. أما وقد عزم علي ألاّ يمكننَّ "عيال أم شطيطة" من رقبته، فإنه من غير الواضح أنه قد قرر مواجهة البشير وعصبته.

ليس أسوأ من أن يغتال وهو في تلك الحل أو أن يهلك في محاولته الوقوف بين سرجيْن فيصدق عليه قول الشاعر والأديب إيليا أبو ماضي "كفارس تحت القتام لا يستطيع الانتصار ولا يطيق الانكسار." 


واذا كان في القصص عبرة لأولي الألباب فإن استدعي محاضرة القاها إحدى الجنرالات الأمريكان. كان في ما قاله أنّ علي طالب البحرية الأمريكية اجتياز سلسلة من السباحة لمسافات طويلة منها السباحة في الليل. قبل السباحة يختصر المعلم بمتعة للطلاب كل أنواع أسماك القرش التي تقطن في مياه "سان كليمنتي" ويؤكد عليهم بأنه لم يسبق وأن أكلت أسماك القرش طالباً، علي الأقل هذا ما يتذكرونه في الأكاديمية. لكنهم يُعْلِمون الطالب أنه في حال أن طوقت أسماك القرش موقعه وهي جائعة تبحث عن وجبة خفيفة بالليل، فعليه أن يلزم مكانه ولا يسبح بعيداً؛ الأهم الاّ يظهر خوفه. أمّا اذا اسرع أحد أسماك القرش تجاهه فعليه أن يستجمع كل قوته ويضرب وجهه، حينها سوف يستدير ذاك الوحش ويسبح بعيداً. يختم المعلم العسكري محاضرته بقوله: في العالم كثير من أسماك القرش، إن أردت إكمال السباحة فعليك التعامل معهم وإن أردت التغيير فلا تتراجع بسبب أسماك القرش. 


نصيحتي للشيخ أنْ يصطبر علي النهج الذي اختطه لنفسه منذ فترة غير قصيرة، والتي عمل فيها علي "رتق" النسيج الاجتماعي، فحذاري أنْ يعمل على "فتقه" بالتعرُّض لإخوانه (وأهلنا قالوا "المِحن ضيفات")، الأهمّ تفويت الفرصة على العصابة؛ بعدم التقاطه الطعم هذه المرّة، لأنّهم يريدون أنْ يتّخذوا من دارفور وللمرّة الثانية ساحة أو حديقة خلفية لتصفية حسابتهم الشخصية، والتي تمحورت هذه المرّة في "ضرورة إقصاء عناصر غرب السودان من العاصمة" بعد أنْ استنفدت أغراضها منهم. إذا كان الخلاف في السابق بين الشعبي والوطني، فهذه المرّة الصراع مُحتدم بين العسكريين والأمنيين. وفي كلِّ مرّة تلقى صراعات المركز -- التي لم تتّسم يوماً بجدية ترتقي بالبلد فكرياً أو روحياً، إنّما عبثٌ شخصيٌ وتنفيس عن أحقاد شخصية، وذلك منذ الاستقلال --  بظلالها السلبية على الهامش الذي يحترب دون هوادة، ويقتتل في غير ما تريث.

 
رغم كُلِّ الاصطفافات الأيديولوجية التي تنتظم القوات النظامية وجهاز الأمن الوطني والدفاع الشعبي وأبو طيرة المقننة قبلياً (شوايقة وبديرية ودناقلة ونوبيين) ومناطقياً (جزيرة وشمالية)، ورغم البغض والكره التاريخي الذي يحملونه لبعض، لم يخرج علينا واحدٌ من هؤلاء ليعير مخالفيه الذين وصل بهم المكر حدّ الاقصاء أو حتى الإلغاء، أو يقول إنّ فلاناً "أكل" حصيلة الصفقة الفلانية، فكُلّهم لصوص "والحمد لله ما في شيء مقصر لهم والخير باسط." سُئلت إحدى النازحات عن قروش المنظمات التي "أكلها" المتعهدين من ناشطين مدنيين وحكوميين، فقالت بيقين لا يهتز وبداهة لا تجارى "تعبان الشال المال ما تعبانة أنا." نحن ما تعبانين تعبان الشال المال، فسيحتمله على ظهره أوزاراً كأمثال الجبال في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فاصبر صبراً جميلاً، إنّهم يرونه بعيداً ونراه قريباً. 


أمّا مَقدم فلان من الناس مؤخراً أو تسلق آخر على ظهورنا فأمر لا يضير ولا يثير، لا يضيره هو ولا يثيرنا نحن، لأنّ أغلب الحاكمين في المركز اليوم متسلقين وجُلّهم قدم من غرب إفريقيا هارباً أو متسسللاً صحراء الغرب ومنحازاً إلى الشمال حيث الماء وليس النقاء (العِرقي) أو الصفاء (السلالي). السؤال: هل الموضوع موضوع منافسة شخصية أمْ نشدان لمصلحة وطنية؟ إذا كانت الأولى فسوف نعتزل المعترك، واذا كانت الثانية فلنتعاون على تنمية القواسم المشتركة وتغذية الروح المدنية التي تقول بأنّ الإشكالات تُحلّ عبر التفاهمات وليس الملاسنات. فحريُّ بذلك أن يبقي الحشمة بين الناس والاهل خاصة، إن كان ولابد فوجه سهامك لعصابة المركز، حينها ستجد تعاطفاً لأن كل الالفاظ النابئة لا تفي بوصفهم، أو كما قال مظفر النّواب. 


صحيح أنّ هنالك تقاطعات بين ما هو قبلي وما هو سياسي (حكومة أو معارضة)، إلاّ أنّ رجل الإدارة الأهلية يجب أنْ يقاوم قدر جهده محاولة النُّخب المركزية لاستدراج القبيلة الي حرب. إنّ لك في عمّك النّاظر سعيد مادبو (رحمه الله) وإخوانه من الرجال الزينين أمثال والدك (رحمه الله) وأخرين أسوة حسنة، فقد حاولت الحكومة استدراج الناظر مادبو إلى قتال الزرقة فقال لهم "ديل ناسي" ولقتال الجنوبيين قال "ديل أهلي."

وهذا لعمري ما يوضع في الميزان يوم لا ينفع مال ولا بنون. فلمّا أيس الناظر مادبو من محاولاته إثناء العصابة العنصرية عن عزمتها قال لهم "ضعوا خيمتكم في النقعة، فمن جاءكم للتجنيد فهو حُر في نفسه، أما أنْ تقحموا القبيلة في هذا الشأن فلا، لأنّ السياسة عارضة والقبيلة باقية، وليس لها مصلحة في خلق عداء مع أيّ مكوِّن من مكوِّنات المجتمع الدرافوري أو السوداني."


لم تغلب الحكومة حِيلة وأظنُّ الكُل يتذكّر أنّها استطاعت اختراق المجموعات العربية في مناحٍ أخرى من الإقليم، مستغلة انتهازية بعض القيادات القبلية والمجتمعية، ومستفيدة من خطأ استراتيجي ارتكبته "الحركات" إذ أغفلت أهمّية التنسيق مع المجموعات العربية -- الأمر الذي استفاد منه إعلام الحكومة وجهاز أمنها الوطني في بثّ خطاب الفرقة وتعميق الهُوة النفسية. لا غرو، فقد استطاع النظام استمالة نسبة ضئيلة من أبناء القبائل العربية (بالرغم عن تكثيف الإعلام الغربي لحجم المجموعات التي ساهمت بغرض شيطنة الكيان بأكمله)، وقد اعتمدت الدولة استراتيجية الأرض المحروقة متجاوزة "المقاومة" إلى "الإبادة" لأُناس لم تزل أرواحهم ترفرف بين السماء والأرض يستحثها الغبن على الهبوط وتقاوم الأغراء بالصعود حتى يحكم الله أمره في العصابة ويبسط عليها غضبه، وإنْ كان سخطه بالظالمين للاحق. حينها ستفيئ أرواحهم إلى السماء راضية.


الآن قد وعت هذه المجموعة (لا أقول المجموعة العربية فهؤلاء ذهبوا بصفتهم الشخصية) حجم الكارثة وفداحة الخطب، فلعلّها تبحث عن مخرج وهذا في حدّ ذاتها مندوحة عن الكذب، والنفاق والتمادي في الباطل الذي احترفه آخرون ممّن استحسنوا الإفك واحترفوا الارتزاق وقالوا في أنفسهم "دار أبوك كان خربت شيل ليك منها عود." بَيْد أنّ المخرج من مثل هذه المأزق لا يمكن أنْ يكون ملتوياً، بل يلزم أنْ يكون مستقيماً يتمثل في الآتي:


1. الاعتذار التاريخي لأهل الإقليم وللضحايا في المعسكرات خاصّة، وذلك لا يحول دون المقاضاة في الجرائم الجنائية، ولا يشمل الجرائم السياسية التي لا تسقط بالتقادم.


2. توحيد الرأي الدرافوري ومدّ جسور الثقة لكُلِّ مجموعات الهامش التي تتطلّب تطوير خطاب يعلو فقو الكراهية، وينأى عن النرجسية والميكافيلية والغيرة شخصية.


3. إنّ مصارعة المركز بالبسالة الفكرية والعسكرية اللازمتيْن -- يد في الزناد وأخرى في المداد، يتطلب "خلق وحدة اندماجية مع بقية حركات المقاومة" (جلال رحمة، الفيسبك)، لن تتأتى إلا إذا استطاع الكل ابتلاع المرارات والتقلب على الحسرات في شأن التحضير لمستقبل أفضل للأجيال القادمة. 


4. تجاوز المصطلحات والتقاطعات التي اختصرها حرف (الجيم) الاجتماعية على حدّ تعبير السيد/ آدم على أبوحلجة الذي يقول إنّه "تمّ تعميم مصطلحات جلّابة، جنجويد، جنقجور، وجنقي على حساب الخارطة الانثولوجية والأنثروبولوجي السودانية" بصورة مجحفة أعاقت إمكانية خلق وحدة شعورية لازمة لتطوير مشروعية البناء الوطني وتقنيته بصورة لائقة.

 

إنَّ الخروج على الدّولة يتطلَّب حيطة وحذر وتدبُّر ينقل المعركة إلى أرض العدو ويجنِّب البادية شرِّ الاحتراب الأهلي والقبلي، لا العمل في المكشوف، كما يتطلّب تجاوز النظرة خشم بيتية إلي ضرورة عقد تحالفات مع أهل الهامش قاطبة، إذا أبقى الدهر منهم صليح. فها هم اليوم يشمتون على تكبد الشباب للخسائر في اليمن وهم ينسون أنّ كُلَّ المهمشين اليوم كانوا وما زالوا ضحايا استنفار في الحروب التي خاضتها النُّخب المركزية ضدّ أهلنا في الجنوب ودارفور وجبال النوبة. يحتاج الشعب الي نُخب شفيقة لا تلك التي تحمل ضغينة فليس سيد القوم من يحمل الحقد.
إنّ الدولة على بؤسها لا تعتمد في بقائها على السَّاعد العضلي فقط؛ إنَّما أيضاً الفكري والعقائدي، بمعناهما التَّآمري وليس التَّنويري، وهذا ما يلزم الكل استيعابه. وهي لن تجلس مكتوفة الأيدي حتَّى يتم اقتلاعها، وستقاوم كُلَّ مَن يجترأ في التآمر أو إعلان التَّمرُّد عليها. أنا لا أسعى لإخافة أيِّ شخص أو جماعة، إنَّما أودُّ أنْ أُبيّن أنَّ العمل الثَّوري لا يتحمَّل ضبابية في الرُّؤية الأخلاقية أو ضحالة في التعاطي الفكري، إمَّا (ثوري) وإمَّا (منضوي)، أمّا الاثنان معاً فثالث الأثافي ومِحنة القوافي.  


بالنسبة للفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، فالأمر يسير لأن الأخير قد قبل بدوره كجندي يأتمر بإمرة قائده عمر البشير، وهو بذلك قد جنَّب نفسه وساوس القرين السياسي أو العسكري، ووفَّر على مجموعته مشقَّة البحث عن بديل. خطورة هذا النّوع من الامتثال تكمن في أنَّ الجندي لا يدرك مغبة الاتباع للقائد المُفلِس حتَّى يقف على درك الحبس (الحسِّي والمعنوي) أو يعاين الهاوية. ولننظر إلى قضية "نزع السلاح" والتي تعتبر من أَشكل القضايا وأعقدها في مهمَّة بناء السَّلام، وقد استغرقت عقوداً في نيكارغوا وكولومبيا وفيتنام، وهي مازالت مستمرَّة لأنَّها ذات طابعٍ سياسي وثقافي واجتماعي، وليس فقط عسكري ميداني. ينبغي لقادَّة الدّعم السَّريع أنْ يعلموا أنَّ هنالك مفوضيات تنشأ لهذا النّوع من المُهمات "وكل شوكة بسلوها بدربها" وأنْ يتحسسوا مواضع أقدامهم قبل القبول بتكليف الغرض منه التشفيف - بمعنى فحص نواياهم - أكثر من حرص "القائد الهمام" إحلال السلام بقراهم.


في حوار أجرته الصحفية أيمان كمال الدين في جريدة السوداني 15/8/2017 مع الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي)،عوَّل الأخير علي نظامية قواته - أي قوات الدعم السريع - وفي نفس المقال أشار سعادته إلي أنّ هذه القوّات أُنشئت في ظرف استثنائي وفي ظلِّ ملابسات معلومة للكل. وإذ ذاك هو الحال فإنّ قانونية هذه القوّات لا تضفي عليها مشروعية، عليه فالمطلوب والمرجو من هذه القوّات تحسُّس موضع قدمها قبل الولوج أو التصدِّي لحروب "العصابة" الداخلية والخارجية.


فإذا كانت هنالك مطالباً دفعت بهم في مرحلة ما لحمل السلاح ضد "الدولة" والتمرُّد عليها (عام 2007)، أو التحالف معها ضدّ "التمرُّد" وبمبررات قد تبدو مقنعة لكثيرين في معسكرهم، فإنّ أهل الهامش، النوبة مثلاً، لم تزل لهم مطالباً تتمثل في الكرامة والعيش الكريم لكلِّ الشعب ولا تختصر على فئة بعينها. كما أنّ للشعب اليمني حقوقاً تاريخية هُضمت وقلاعاً هُدمت وأراضٍ اُغتصبت لا بُدّ له من المثابرة لأخذها من أنظمة رجعية لم تراعِ حقِّ الجيرة أو العقيدة أو الرحم، بل حرصت على استبقائه في خانة الفقر ومن ثم استعباده. تماماً كما فعلوا مع السودان، إذ كانوا يدعمون التمرُّد في فترة من الفترات ووصلت بهم الوقاحة أنّهم ظلّوا يدفعون لشركة شفرون أموالاً طائلة كي لا تستخرج البترول في السودان. وخيانة الأعراب معروفة عبر التاريخ والخير كل الخير في فك الارتباط منهم والي الأبد.


عندما استمع إلى مسؤول يتكلم عن "بسط هيبة الدّولة" تجول بخاطري حيثية تجعلني أتسأل عن أيِّ دولة يتحدَّثون وأيِّ هيبة يبتغون ؟ هذه الحيثية لها صلة بذكرى عطرة لرجل وطني وسوداني متفانٍ، مرَّ عامٌ على رحيله، وقد كان تأبينه قبل أسبوع، ألا وهو ابن الدويم الأصيل وأحد علماء السودان الأجلاء، دكتور الطّيب حاج عطية رحمه الله. سأورد هذه القِصَّة التي تُزكِّي ساحته وتسوِّد صفحة غيره . جاء وفد برلماني ياباني في عام 1988، وقد تأثر كثيراً بمنظر النازحين الذي كانوا يأتون من الجنوب إلى كادقلي فراراً من حرب قد استعر أوارها واشتدّ، مِمَّا أدَّى إلى سقوط أكثر من 18 حامية، الأمر الذي كان تهلل له الجبهة الإسلامية القومية التي كانت حينها تهيئ لانقلابها المشؤوم. 


تبرعت الإغاثة اليابانية بمبلغ 35 مليون دولار أُسندت للدكتور الطيب حاج عطية الذي كان آنذاك مفوض شؤون النازحين والإغاثة. اتبع الطيب الإجراءات السليمة التي يتبعها أيُّ رجل خدمة مدنية محترم في إنزال عطاء رسمي بالصحف، حدّدت المواصفات والمعايير وشرع هو ومفوضيته في الفرز. وقع العطاء لشركة إسلام لخدمات المعسكرات، والتي كان مديرها العام عبدالقادر عبدالرحمن عبدالقادر (جبهة إسلامية). سُلِمت الإغاثة للشركة المذكورة أعلاه، لم يكتف الطيب بذلك؛ بل تابعها شخصياً من بورتسودان حتَّى قطعت كبري كوستي وهنالك اختفت، كأنما ابتلعتها الأرض. ما وصل لم يكن أرزاً إنَّما ذرةً فاسدةً. انزعج الطيب لأنَّ الجنوبيين في تلك الإثناء كانوا يموتون في السُّوق وأمام المحكمة وتحت الأشجار. فتح الطيب بلاغاً تحت طائلة "خيانة الأمانة من مُتعهِّد النَّقل." كعادتهم حاول الجبهجية التَّلاعب في التَّحري مِمَّا اضَّطر القاضي المختص تولِّي الأمر بنفسه. كان فيمن تم التحقيق معهم آنذاك قائد الكتيبة عمر حسن أحمد البشير وأركان حربه عميد/ عمر عبدالقادر، كانت الإشاعة في المدينة أنَّ ناس الجيش مع ناس الجبهة قد تلاعبوا في الإغاثة التي كان من المفترض أنْ يوكل أمر توزيعها للضُّباط الإداريين. حتى تلكم اللحظة لم توجه تهمة صريحة لقائد الكتيبة أو أركان حربه - الضَّابط الوحيد من دفعته الذي ومن عجب لم يحال للمعاش حتي اليوم.


يبدو أنَّه تمّ استدعائهم للمحكمة. جاءوا مُتذمرين وتزرَّعوا بأنَّهم مشغولين، إلَّا أنَّ القاضي زجرهم وأمرهم بتحية المحكمة ذهاباً وإياباً.

انصاعوا حينها، لكنهم بيتوا النية للانتقام وأبلغ القاضي التّهمة من أحد أقرباء البشير فطلب منه الأول إبلاغ البشير بأنه، أيّ القاضي،  مُجرَّد مواطن سوداني ليس له أي انتماء أو حتى توجُّه سياسي، لكنه قال له: قل لقريبك بأنَّه جبهة. فخرج الأخير مذعوراً إذ خشى أن ينكشف الأمر قبل أوانه. لم يمضِ وقت حتَّى تدخَّل وزير العدل والنائب العام آنذاك د. حسن الترابي، بموجب قانون الإجراءات الجنائية، فتمَّ التحفُّظ على البلاغ "للصالح العام" وفرض التسوية مستخدماً سلطات النائب العام في حفظ الإجراءات الجنائية (Nolle Prosequi).

علماً بأنَّ الفقيه أبو زهرة كان الأكثر تشدُّداً في شأن سرقة المال العام، بل كان لا يرى سارق أولي بقطع اليد وتطبيق حدِّ الحرابة غير أولي الأمر. فانظر الفرق بين الفقيهيْن، رحمك الله!


حتَّى الآن لا يعدو الأمر كونه مُجرَّد محسوبية، لم يشك أحد في مؤامرة سياسية إلى حين مجيء مدير عام شركة إسلام لخدمات المعسكرات مهنئاً البشير على رأس وفد ظهر اليوم التالي من عيشة الانقلاب المشؤوم. هذه القِصَّة تدحض كُلّ كتابات المحبوب عبد السلام والتي يزعم فيما أنَّ مساراً غير الذي نراه قد اختطه الشيخ للسّودان. إنَّ الشّيخ قد اختار لهؤلاء بناءً على مقدرتهم ومدى استعدادهم للاجتراء على المقدس. كُلُّ ما كان يهمّ شيخهم هو تحقيق طموحه الشخصي في حكم السودان الذي كان يتطلَّب ولاء هؤلاء المطلق له دون غيره. ومن كان ولاؤه لغير الله كان عرضة للأغيار. من هنا تفهم دواعي الانهيار في القِيم والمثل، والانقسامات وتبدّل الولاءات. 


ونواصل بإذن الله .......

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.