عبد الجبار محمود دوسه

بسم الله الرحمن الرحيم

  

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 في هذا المقال سأتناول ثلاثة مضامين هي في وجهة نظري المتواضعة، غايه في الأهمية بحيث أن كل راغب في سبر غور بحرها يغوص حتى تعجز رئته عن تمددها من فرط الهواء فلا يبلغ غورها، وتسمو علواً على كل صاعد لبلوغ قمتها، ويتمدد افقها بما لا تتّسع زاوية رؤيا أي عين لها بصراً وبصيرة. هذه المضامين هي (الوطنية) و(القياده الكاريزمية) و(الفكر الكاريزمي) وسأعمل على ربط هذه المضامين الثلاثة بما يجري بالأزمة السودانية في دارفور والدولة السودانية السائدة الآن ودولة السودان الراسخة التي ننادي بها، دولة العدالة والحرية. قد تتقاطع دعوتنا هذه بمقادير إيجابية وسلبية متفاوتة في المضامين أو جزئياتها مع دعوات أخرى تتباين في مسمياتها من دولة الصحوة إلى الجمهورية الإسلامية إلى تحالف قوى الشعب العاملة إلى المشروع الحضاري فالسودان الجديد وأخريات لم أتذكرها لكنني قطعاً لا اسقطها. كلها تعكس مسميات تُعبّر عن رؤىَ طرحتها القوىَ السياسية السودانية كمرآة لايدلوجياتها أو للخروج من مأزق التخبط الذي تدور في فلكه الدولة السودانية المعاصرة والتي عجزت حتى بعد أكثر من خمسين عاماً أن تتوافق على دستور دائم لها هي أولى خطوات أي وحدة وطنية لبناء دولة راسخة، لكن إلى أي مدىَ تستوعب جُعبة هذه المسميات مضموناً يعكس مسماها، هذا هو بيت القصيد.

الوطنيه

 لا يختلف كل المفسرين عن شرح معنى الوطنية، وتأتي تفسيراتهم متارجحة نصاً وبلاغة ولكنها تبقىَ مؤطرة بين هذه الجملة القصيرة وهي (ولاء الفرد لوطنه). لكن هذه الوطنية لا بد لها من خصال ومعايير تحكمها، فهي ليست شعوراً عابراً يطوف على الإنسان في لحظة زمانية محددة، كما هي ليست انفعالاً يُثار تجاوباً مع حدث بعينه، هي جملة عوامل انتمائية ثابتة لا تتغير ولكن يتغير قدر التزام الإنسان بها وتتغير أيضاً معطيات الظروف الزمانية، مثل الإرتباط بوحدة الرقعة الجغرافية الأولية داخل الوطن الكبير وأحداثها الإجتماعية والتاريخية وعمق جذور تلك الأحداث في تمددها في رقعة الوطن الكبير والتشرّب من غذائه وعوامل التفاعل بين حقائق التنوع التي تتفاوت بين القبيلة والإثنية واللغة والثقافة والتراث والدين والايدلوجية والإنتماء السياسي كعوامل مؤطّره للهوية. والوطنية في أدنى معاني ومضامين توفر المناخ المتكامل لتنمية الإلتزام بها هي مثل برعم الزهرة في بدايات تكوينها، بينما تكون في أوج معانيها ومضمونها ومعناها كوردة كاملة التفتّح في جو ربيعي. كل ذلك دون أن نختزل الظرف الزماني المحكوم بديمومته في عُمر الوردة الفسيلوجي بين كونها برعماً وحتى تفتّحها وذبولها. بهذا تختص الوطنية بصفة تمكّنها من أن تنثر عبيقها وبقدر ما يقتات الهواء مما تنفث وبقدر ما يتوفر لها من نقاء في فضاء المناخ وقدرة نسائم ذلك الفضاء في توسيع رقعة العبيق المنثور وقوة عطره. بيد أن الشعور بالوطنية ليس شعوراً جامداً وإنما هو كيان حي قابل للنماء، ينمّيه الإنسان في نفسه كلما تنامىَ لديه قوة الإرتباط بالهوية. والقومية تنمَيها الدولة في مواطنيها من خلال ميزانها لوحدة الهوية بوحدة معاييرها ومن ثم تعاملها مع سائر المواطنين تبعاً لذلك، يضاف إلى ذلك قدرتها على إلجام أي مشاعر ممايزه سلبية درجت بعض مكونات المجتمع إبداءها وممارستها برغبة أو عفوية وفي بعضها قد تجد طريقها إلى التشريعات والقوانين.والوطنية لدى المواطن في أي دولة تتسامق وفق مهيّجاتها، فبينما تهتاج حتى تبلغ قمتها لتصبح فرض عين عندما يتعرض الوطن لغزو خارجي، تتقازم بقدر ما يشعر الفرد من أن الحقوق تُعطىَ في وطنه وفقاً لممايزة مفرزات التنوع أو تُحدد الواجبات وفقاً لترجيح يقوم على مختارات التنوع. وقد كان تأثير ضعف المنارة الوطنية لدى المجتمع السوداني بائناً بقدر انتشار الظلمة التي أعصبت بصر الوطن وبصيرته طوال السنوات التي توالت بعد ميلاد دولة الإستقلال ولازمتها إلى يومنا هذا. والقراءة الجهرية للنتائج تُسمع الأصم وتُسطّر بأحرف بارزة تُقرِيء الأعمىَ، مضيفة في صفحات تبقىَ بين المخطوطات كتباً وتاريخاً للأجيال. لكننا جميعاً نستطيع أن نختبر قدرتنا على الإلتزام بوطنيتنا وأن نستشعر معياراً لذلك من خلال قراءة تفاعلاتنا مع الأحداث التي عايشناها عبر الحقبة العمرية التي قضيناها. قد تفرض بعض التساؤلات علامات استفهام خافتة وأخرى مشعّة حول ما إذا كان للعمر والممارسة الحياتية المتواليتان تأثيراً على نماء الشعور بالوطنية بشكل تلقائي أو مستفز. بيد أننا نميل إلى الإجابة بتأثيرهما على النماء أو الإنماء بقدر كثافة حصيلة تجربة الفرد ومكتسباته من ذلك. لقد دخلت الوطنية تجربة عسيرة في أعماق كل واحد منا وتعرضت لتفاعلات تباينت بقدر تباين البثق المعنوي للعصارات الحسية كماً ونوعاً وانعكس تجاوب كل فرد مع مسيرة الدولة السودانية المعاصرة في تقلباتها بين الديموقراطية والشمولية ليفرض على سلوكيات واحاسيس المجتمع موجّهات هي أقرب إلى إجهاد التعريق المعنوي ليسكب إفرازات انفعالات عارضة لأحداث دائمه، هذه العملية تتيح الفرصة للإعلال النفسي بأن يفرض شللاً شاملاً على مجمل قدرات المشاعر الذاتية من عناصر المناورة والموازنة للإبقاء على قدرة المواكبة والصنو لمتطلبات انفعالية بقدر سمو الأحداث الدائمة.                

القيادة الكاريزمية

 الكاريزما كلمة أصلها يوناني وتعني عندهم (الهبة الألهيه)، وهي بالمعنىَ المبسّط خاصيه يتفرد بها الإنسان تجعل من سلطاته ذات قدرة مؤثّرة في الأتباع والرعية تجعلهم ينصاعون وينفذون التوجيهات برضاء تام طبقاً لمراجع كثيره اقتبسنا منها. الإلماني ( ماكس فيبر) وصف الكاريزمية بما معناه أنها صفات تقوم على قدرات فوق العادية تتوفر في شخص ما، تُمكّن ذلك الشخص من لعب دور قيادي مميز بينه وبين معجبيه. ويذهب إلى القول بأن صفة الكاريزمية هي صفة ثوريه، وبالتالي فهي تتعارض مع الهيمنة العقلانية البروقراطية. لا نريد الدخول في حوار عميق في الجدل الفلسفي لمفهوم الكاريزمية، ولكننا نسعى إلى التعرض بتمعّن عن فيما إذا كانت القيادات التي قادت الدولة السودانية كانت فيها من الكاريزمية القيادية قسطاً، ودور ذلك القسط في بسط ممارسات جاءت نتائجها لباساً من الغُمّة على الامة السودانية وعلى الوطن كرقعه جغرافيه أكثر مما يمكن تسميته بكسوة شرف. كما نسعى إلى الربط بين كل ذلك وما خلصنا إليه من خفوق لوعاء الوطنية والقدر الذي نأمل أن يكون القاريء قد نهل منه سمنا وزبدة. القيادات التي استأثرت بقدر من قيادة الدولة السودانية عبر تاريخها المعاصر منذ الإستقلال من خلال أنظمة حكم متعاقبة منها الديموقراطي والإنتقالي والشمولي، هذه القيادات بقدر تفاوت بعض نجاحاتها التي لا تتناسب مع فترات حكمها إلا أنها قد توافقت على خاصية فشل مستنسخة حول عجزها عن قيادة الأمة إلى الإتفاق حول إقرار دستور دائم يكون هادياً ومؤطّراً لممارسة العمل السياسي في البلاد. فانطوت بعضها على تصميم دستور يُحكم قبضتها واستمراريتها في أنظامة شمولية قاهرة، وانزوى الآخرون خلف تخبّط ديموقراطي اصابته لعنة التوجس من مغامرات بعض العسكر الطامعين والطامحين في الجمع بين قيادة الكتائب والألوية العسكرية وقيادة الدولة ضاربين بعرض الحائط فروض الولاء والقسم ومتناسين أن حقّهم في ممارسة ذلك الدور لا ينبغي أن يأتي من خلال استخدام جيوش الوطن التي بلا شك يستطيع أي فرد من افراد الشعب أن يقودها للإستيلاء على السلطة حيث العدو حينئذ هم مجموعة دستوريين وسياسيين ووزارات ومبنى إذاعه ومحطات اتصالات وكباري ويدعمهم في ذلك عقيدة الجيش الرافضة لمصادمة بعضه البعض، وإنما ممارسة ذلك الحق يتأتى من خلال أوعية أخرى وفق شروط أخرى. ولو تجاوزنا الزعيم الراحل اسماعيل الأزهري الذي دفعت به قيادته للنخب في مقاومة الإستعمار في مرحلة من مراحل المقاومة الوطنية بما اصبغ على مجمل الفعل والفاعل لونية كاريزمية، لاستيقنا بأن العقم قد اصاب الأمة السودانية في أن تُنجب قائداً كاريزمياً بمفهوم الكلمة يستطيع أن يمضي ويدفع بأمة إلى أهداف  يسبقه نحوها شعبه.قد يتبادر إلى الذهن سؤال بديهي، وهو هل يمكن لأمة لم تحدد بعد هويتها أن تنجب قائداً كاريزمياً، وهل يمكن لأي فذٍّ في القيادة مهما برع فيها أن يصنع كاريزمية في وسط شعب يبحث عن هوية تائهة بين مكوناته؟ يتشاكر كثيرون ممن يمتهنون السياسة من بين الشعب السوداني وهم كُثر، يتشاكرون بغزارة حصيلتهم السياسية وقدراتهم فيها ولا أدري فيما إذا كانوا يفرقون بين لمام الشيء وإتقانه ولكن يذهبون إلى الجزم بأن ما يمارسونه هو عين السياسة وهناك بُعدٌ شاسع وفهم واسع بين عين حولاء وعين عوراء وعين عمياء وعين عيناء وعين بصراء. بعض ممن القت به الظروف إلى دفة القياده لا سيما في الأنظمة الشمولية والتي ما زال السودان يرزح تحت وطأة اسوأها، بعض من هؤلاء يرصف صروح البقاء على سدة الحكم ربما للمنافسة على تسجيل الارقام القياسية في موسوعة البقاء على سدة الحكم وليس مهماً كم من الرؤوس يمكن أن تتساقط تحت وطأة أقدامه للصعود إلى الصروح، كم من مغامر بنى مجداً وكاريزمية على جماجم شعب وأنقاض وطن، لذلك لا شك أن فعلاً كالذي فعله المدعي الجنائي الدولي لا بد أنه يعرقل سلاسة الرغبات الطامحة في الفوز بتسجيل تلك الأرقام لأنه فعل يدغدغ الضمائر النوّامة ويعيد توجيه النفوس اللوامة، ولذلك لا غرابة أن يحدث من الجَلبَة ما تعجز المسامع عن استيعابه. مع علمنا جميعاً بأن النظام الشمولي الجاثم على صدر البلاد قد خلت من قبله نُظم وهو لا محالة زائل. لست مبهوراً بمن أُطلقِ عليهم قادة كاريزميون في بعض دول العالم رغم احترامهم وتقدير ادوارهم، بيد أن بعضهم قد خلّف أثراً سلبياً غائراً على الشعوب. ولست منادياً بضرورة البحث عن قائد كاريزمي عطفاً على ما تعلمناه من قصص السابقين، فهناك بعضاً ممن اتّسموا بهذه السمات سعوا إلى التحلل من قيود الرقابة والمساءلة في القرار الذي يتخذونه من خلال فرض نظم قانونيه ودستوريه تُمرَر على أسنّة رماح وفوهات بنادق أمام أعين الشعب فيجيزها ممثلاً وهو صامت في مؤسسة تشريعية تم اختيار عضويتها بعنايه، وبذلك يمنح نفسه تفويضاً لا يستحقه ليفعل ما لا يستطيعه فيقود الأمة إلى الإنهيار والضياع ودونكم الكثير من الأمثلة في التاريخ لا حاجة لنا في ذكرها، يكفيكم مراجعة الذاكرة لانها أمثلة حية لا تموت وإن مات أبطالها. مثل هؤلاء القاده يقودون حملة ترسيخ لقيادتهم تبدأ بفرض الشظف والفقر والفاقة والجوع كوسائل تمهيديه ثم تُتبِعُها بالترهيب والترغيب كوسائل تتويج وبين هذه الوسائل يقلّبون قلوب الشعب فيبلغون ببعضها الحناجر حتى ليظنون بالله الظنون ويعتقدون أن هذا القائد يملك من نواصيهم كل شأن. وبطول سنين هؤلاء القادة في الحكم يسعى الغاوون والتبّع إلى شرعنة الكاريزمية للقائد فيعقدون مجالس التمجيد والمدح ويكيلون القدح لأعداء يتوهمونهم حيث في عُرفهم لا ينبغي أن يبقى القائد من دون عدو وهم لا يعلمون أنه هو العدو ليس لنفسه فحسب ولكن لكل المباديء الإنسانية، فالمباديء الإنسانية لا تنهار ولا تتلاشى لانها حقائق كليه وليست نسبية، هي رايات دائمة الشموخ ولكن يُخفضها الذين تتساقط عزائمهم أو تتواهن إرادتهم فتنخفض بقدر تساقط تلك العزائم وتتلاشي بحجم تواهن تلك الإرادات. عندما يقود ساطي السلطة شعبه المقهور الإرادة ويضيع عليه سنوات هي غاية في الاهمية من عمر الأمم، هو لا يدري بأنه يُربّي أجيالاً على مفاهيم اسقطتها الشعوب منذ عهود الظلام في زمان مُضاء، المفاهيم التي تجعل من القائد آمراً وناهياً بلا منازع ولا رقيب ومالكاً للمال العام يعبث به كيفما شاء فيعطي من يستحبب ويستميل من يمكن أن يُسترغب ويحرم من يَستعفف متجاوزاً اللوائح الضابطة لذلك. مفاهيم تُصاغ لتستخدم في توجيه الناشئة وتُشرّبهم معاني تمكيّن الباطل من الحق وتحبس القيم في زنازين لا مسام فيها حتى لا تفوح عطورها على الماره، مفاهيم تؤصّل لما عُرف عنه بأن الإعلام عندما يتحدث إنما هو صدىَ صوت الحاكم، وأن الرقابة هي عين الحاكم وأن التشريع والقوانين هي راي الحاكم، مرحلة تفتقد فيها الرعية ميزتها وتتساوى فيها مع الأنعام فلا تسمع من صوتها إلا ما يُطرب الراعي، أجيال تنشأ في دولة غوغائية على نهج قاصر وباطل فتمارسه وتعتقد بأنه هو نهج إدارة الدول وتبقىَ تردد انشودته وتؤطر له القوانين والتشريعات لأنها لم تألف سواه، وعندما يسقط الدكتاتور ترث الأجيال صورة الزعيم ونهج القائد لتبدأ هي بتربية أجيال أخرى، استنساخ دائم في الظلام.الإنتفاضة والفكر الكاريزميلقد انتفض الشعب في السودان مرتين ضد حكومات دكتاتورية شموليه، اسقطها لكنه لم يسقط اسباب معاودتها، اليوم هو أحوج ما يكون إلى عدم تكرار التجربة دون أن يعالج مكامن التسلل ويسد المنافذ التي يعبر من خلالها الطامحون والطامعون والمغامرون. مهمة ليست سهله في ظل تضعضع الجبهات الوطنية والقوىَ السياسية والتنظيمات النقابية الموجودة في الساحة وأجيالها التي نشأت وترعرعت وتشرّبت بفكر لا ينظر إلى الدولة إلا من خلال منظار التعددية والتبادل السلمي للسلطة ممن اتخذوا ركناً قصياً بعد أن زاحمتهم من أجيالهم من أغرتهم مغريات السلطة فاندفعوا متشبثين بالشمولية وحكم الفرد ومتخذين منه موضعاً ليس هو بموضع الحكماء ولا هو بمجالس الفرجاء. وفي الجانب الآخر أجيال شابة لم تُحظى سوى بما اسقته إياها دورتان شموليتان من الحكم فتشبّع من قهرهما بالحماس الثوري وسيلة للمجابة ولا ذنب له في ذلك، وبين قطاع عريض يتلاهث خلف طموحات كبيرة هي من سراب ونزوات السلطة. ليس سهلاً صهر جيلين بمدرستين والخروج بفهم واحد في ظل المناعة التي اكتسبتها النظم الشمولية بتصفيح نفسها بتجاوز الإعتماد على الجيش القومي عطفاً على انحيازه في انتفاضة ابريل 86 إلى جانب الشعب بإنشاء جيوش بمسميات عديده لا تلبس زياً واحداً ولا تخضع لقيادة واحدة لها عقيدة قتالية لا ترىَ عدواً سوى الشعب، عقيدة مغايرة تخالف عقيدة الجيش القومي في كل شيء لأن الجيش القومي عُرف عنه عندما تدلهم الأمور ومهما كانت حالته سيختار الإنحياز إلى الشعب، تعدد الجيوش المنشأة منظومة قائمة على نظرية الشك وهي نظرية دفع بها أفراد نشأوا في مدرسة لم يأخذوا منها إلا ما يتوافق مع طموحاتهم واطماعهم وبايعها آخرون دفعتهم مآرب متنوعة لكنها تلتقي معهم في مرآب المصلحة، بينما كان وقودها شباب نشأوا في شمولية مايو حالهم كحال قطع الغيار. الخروج من المأزق، يطرح عدة رؤى ونظريات، هي في الواقع ليست بمنأى عن مجالس التخطيط الإستراتيجي لدى الحكام الشموليين كما أنه أيضاً ليس غائباً عن موائد الباحثين عن الإنتفاضة الثالثة والمطلوب أن تكون ثابتة، انتفاضة لا منافذ فيها ولا مسامات، ويأتي في أولويات ذلك مجموعة من العوامل لتأخذ بيد الشباب وتنقله نقلة نوعية من اندفاعاته الثورية التي إن لم يتم كبحها بجرعات مسكّنة أشبه بمصل هامد ربما دفع بنموذج التغيير إلي مجسم بلباس ديموقراطي وجسد شمولي يصعب لأي سياسي أن يعيد تشكيله. ذلك المصل ليس سوى فكر كاريزمي يأسر عقول الشباب قبل قلوبهم فينقيها من شوائب الشمولية التي علقت وتمكنت منه كما تتمكن النباتات المتسلقة من جذوع الأشجار وينزع عنهم نزغ الفرد الكاريزمي ويُلقي ويمكّن في دواخلهم مُضغة الفكر الكاريزمي. عامل آخر هو الأخذ بيد الجيش القومي حتى لا يُدوّن عنه في موسوعة الأرقام القياسية بأنه الجيش الذي سجّل الرقم القياسي في محاربة شعبه وينتشر ذلك كمادة دراسية في الأكادميات العسكرية العالمية درءً للإصابة بالداء، ولا شكّ في أن قيادات كثيره في داخل مؤسسة الجيش قد لا تُدرك بأن الإحصاء لذلك يتواصل من بعض الجهات في صمت. تركيب جرعات ماهية الفكر الكاريزمي المطلوب ندعه للقيادات الوطنية في أحزابها وتنظيماتها واليبدأ الإستوعاء في وسط الشباب لتهيئته لقيادة التغيير نحو دولة لا تدور فيها دورات التبادل للسلطة إلا سلمياً ومن خلال التعددية في مناخ ديموقراطي.عبد الجبار محمود دوسه3/4/2009 م