في كل صباح تطل علينا وسائل الإعلام المقرؤة والمسموعة والمرئية بعناوين برّاقة تقول "المجلس الوطني في السودان إجازة قانون الأمن الوطني والمعارضه ترفضه" "البرلمان في السودان يجيز قانون استفتاء الجنوب في غياب أعضاء الحركة الشعبية وكتلة سلام دارفور وسلام الشرق وسلام القاهره" من الذي بقي في قاعة المجلس، إنها الأغلبية الميكانيكية التي خصصتها اتفاقية نيفاشا للمؤتمر الوطني في تقاسم السلطة، كانت دائماً هي آلية الفصل التي يعتمدها المؤتمر الوطني في فرض رؤيته لمعالجة أزمة الوطن وتجاوز قضاياه المصيرية وعلى راسها صناعة السلام. إذاً المجلس الوطني المعيّن بحسبة الإتفاقيات ينفّذ التوجيهات الفردية للجهات التي عيّنته بدلاً من تحقيق الرغبة المجتمعية رغم أنه ليس لأعضائه من وثاق يربطه مع البعد القومي سوى إسم المجلس الذي يجتمعون باسمه. مقتضيات السلام واتفاقياته المرحلية التي تمّت حددت بدقة دور هذا المجلس المؤقت تجاه القوانين التي نادت تلك الإتفاقيات بتعديلها استكمالاً لمرحلة الإنتقال والتحول الديموقراطي والتداول السلمي للسلطة، ودوره كما ينبغي أن يفهمه الجميع هو إضفاء الإجرائية الدستورية على القوانين التي يتم تصميمها والإتفاق والتوافق عليها بين الشركاء في أوعيتهما الثنائية المتخصصة مروراً بمجلس الوزراء ومؤسسة الرئاسة ولكن تكون مشاريع تلك القوانين قد استنفذت استحقاقات اصطحاب آراء الخبراء في الأوعية المدنية المتخصصة، علاوة على رأي أطراف الإتفاقيات الموازية وكذلك القوى السياسية سواء أن كانت موالية أو معارضه، وفوق كل ذلك يفترض الإلتزام الاخلاقي بإخضاع مشاريع القوانين إلى استبيانات شعبية عريضة ولو بشكل عشوائي إن لم تكن منتقاة في الأوساط النخبوية، علماً بأن الأصل هو استفتاءآت شعبية، لكننا أمام واقع أسقط ذلك وجعله حصرياً للشركاء. إذاً هذا التخصيص جعل من هذا المجلس في هذا الشق المتعلق بالقوانين خاضعاً لما ينبغي أن يتم الإتفاق عليه لمشاريع القوانين خارجه ثم يقوم هو بإضفاء الشكل الإجرائي عليها من خلال إجازته وفي تقديرنا هو ترتيب يتّسق مع واقع وجود تلك الإتفاقيات، وبالتالي لا ينبغي للمجلس أن يملك حق التصويت على قوانين مشروط لإجازتها بأن تأتي بالتوافق، كما أن تعين أعضائه لم يخضع لمعايير وإنما جاء مترجماً لنصوص الإتفاقيات وفق المحاصاصات، وبالتالي ذهاب المؤتمر الوطني إلى نقل القوانين المختلف عليها للمجلس للتصويت وإجازتها بتغليب رؤية طرف من خلال الأغلبية الميكانيكية أمر يخالف أساس الإتفاقيات، ومن ثم فإن اي قانون تم إجازته بالتصويت وهو محل خلاف بين الأطراف يعدّ باطلاً قانوناً وعقدياً ودستورياً وأخلاقياً. وإذ نحن أمام هذا المشهد يُصبح من الطبيعي أن نطرح السؤال المنطقي وهو ماذا بقي من السلام كنصوص وروح وماذا بقي له من بُعد اخلاقي، سؤال بهذا المضمون يصلح أن يُطرح إذا كانت السلطة الحاكمة سلطة راشدة بحيث تتفهم دورها ومسئولياتها تجاه مقتضيات السلام من منظوره الوطني، لكننا أمام حاله مختلة العوامل، حيث سعت الإنقاذ إلى امتصاص الإنتفاضات المسلّحة التي انتفضت لانتزاع الحقوق وفي مقدمتها حرياتهم، بالوصول إلى اتفاقيات ليس الغرض منها سوى وقف إطلاق النار حتى تتمكن من استكمال ممارسة عادتها في الأحادية في ظلّه.

إذا كان قانون الأمن قد تم تصميمه ليحيل اختصاصات التفتيش والإعتقال والإحتجاز والتحري والحبس والحراسة..إلخ.. وهي اختصاصات نيابه عامه وقضاء وبعضها شُرَطية بحتة يحيلها إلى جهاز الأمن والمخابرات، ليس ذلك فحسب بل يجعل هذه المؤسسات في خدمة أجندة المؤتمر الوطني عبر إخضاعها لخدمة الجهاز بدلاً مِن أن يكون الجهاز في خدمتها، فما هو الداعي لوجود هذه المؤسسات، بل ما هي الضرورة لبقاء الشرطة نفسها. حتى قيادات الشرطة وافرادها أنفسهم في تقديري وتقدير كل اعتقاد منطقي أن يدور هذا التساؤل في مخائلهم، ما يتم هو في حقيقته إحالة اختصاصات الشرطة وبنياتها ومؤسساتها كلها للأمن وإلغاء الأول، بل هو تجسيد للإلغاء الماثل فعلياً الآن لا سيما بعد تعرّض تاريخها الطويل ودورها للتشويه طوال عشرين عاماً حالها كحال كل المؤسسات التي تأتي الشموليات وتعبث بأصولها المهنية وتحيلها إلى تابع خاضع أو في حال استعصاء ذلك عملياً تلغي وجودها أو تحيلها إلى خراب أو تجعل منها جسداً له خوار يستهوي أتباعها ويأسر مجانبيها. الأصل دائماً هو ان تُخوِّلْ جهة الإختصاص صلاحياتها بشكل مؤقت ولظروف استثنائية لجهة أخرى، لكن أن يتغول من يٌنتظر أن تتيح له الظروف الإستثنائية ليكون في موضع المُخوّل عبر قوانين تُجاز بأغلبيات ميكانيكية لا تراعي حتميات المرحلة ولا متطلباتها، وفي ظل غياب كل القوىَ التي وقّعت السلام مع المؤتمر الوطني والعصف بكل رواغب الأمّة للحفاظ على الوحدة والإستقرار وحبسها في قوقعة الرغبة المتناهمة للمؤتمر الوطني، يؤكد مدى تقازم الرؤيا وحجم الإستهزاء والإزدراء الذين ينظر بهما للقوى السياسية وللإنسان السوداني.

هذا الذي حدث لا يدعو للدهشة لأنه صادر من فاقد الشيء، لكنه في ذات الوقت يُعمّر كوامن الحسرة في كل ضمير وطني ما زال نابضاً بوطنيته. الإنقاذ بفعلتها التي فعلت إنما تواصل علقمتها الدائمة للمناخ السياسي وتؤكد بأنها منظومة كوزب ليس فقط فيما تملك ولكن بما نهبت وهَمبَتت رغم أنه عُرف في التراث أن الهمباتة كرماء فيما يُهمبتوا وإن أبدوا في سرائرهم نقاءاً مجانباً لشِناع فِعالهم، الإنقاذ فوق ذلك تبث قاتراً يزكم الأنوف وتضيف بعداً إلى نذائر الشؤم التي باتت تهيمن على الآمال التي تسعى لبلوغ المدخل الآمن المؤدي إلى معالجات ناجعة ودائمة للقضايا المصيرية للوطن وتلوي ذلك ليكون متّسقاً مع مرئيات نُخبتها، وهي رؤية ستقود إلى تقويض الوطن السوداني الذي عُرفت به رقعة الأرض الجغرافية بعد أكثر من مائة عام حافظ فيها الشعب السوداني على ذلك الوطن.

لا ضرورة لنا أن نُذكّر بالعهود والمواثيق والإلتزام والإتفاقيات والدستور الإنتقالي والتحول الديموقراطي والتبادل السلمي للسلطة والنزاهة والرشد لأن مختصر الأمر يتلخص في أن العَقد هو شريعة المتعاقدين، فإذا ما تجاوزه أحد الأطراف وأصرّ على تجاوزه فهو بذلك الفعل يكتب شهادة وفاة العَقد ويحيله إلى ورقة لا قيمة لها، وهذا ما فعله المؤتمر الوطني بكل الإتفاقيات التي وقّعها وفي مقدمتها اتفاقية نيفاشا التي يتصدرها نص واضح وصريح مضمونه أن اي نص في الدستور يتعارض مع أي نص في الإتفاقية، تكون الغلبة للنص الوارد في الإتفاقية، ناهيك عن أن يكون ذلك النص مقترحاً لقانون من المفترض فيه أن تأتي نصوصه متّسقة وقائمة على ارضية الإتفاقية والدستور الإنتقالي بالتوافق، ولا ننسى أن المؤتمر الوطني أصلاً يحكم بلا شرعية، الحقيقة جميعنا نجري وراء سراب، إذ كيف نطلب مِن المؤتمر الوطني وهو وليد الإنقاذ التي كانت تلبس ثوباً تنظيمياً إبّان الديموقراطية وخانت العهد وانقلبت على الشرعية أن يكون وليدها اليوم باراً بوعوده ومسئولاً عن عهد، خاصة وأن هذا الوليد قد اكتسب مناعة من الضربات الخجولة التي تلقاها من الإنتفاضات الثورية والتي في حقيقتها أشبه بمصل المناعة نظراً لسوء الإدارة الإستراتيجية لتلك الإنتفاضات.    

لا تستغربوا وحالنا كذلك إن أطلق الحياء والخجل والإختشاء الساق للريح ونشروا شراع مراكبهم وودعوا الأرض بمن فيها وكذا نجومها الحزينة وكل الكواكب إيذاناً بقدوم الشواظ  اللاظية والشُهب إدراكاً منهم بأن الحياء يُصلب في كل ساحة، وأن البلاد تنزلق في كل يوم نحو هاوية أنشأتها الإنقاذ لتُلقي فيها شعارات كالمثل الشائع والقائل "الإختشوا ماتوا". لعلنا مع بئس حال بلادنا ومن يحكمها نجانب مدح شاعر النيل حافظ إبراهيم للخليفة العثماني قائلاً "غدوت تسكن في القلوب وترتعي.....حباتها وتحلّ في الوجدان" فنقول " دأبت تُزامل في البلاد وينمحي.....   تراثها وتغوص في الآسان" ليس مزحة إذا قيل أن إبليس نفسه قد شد الرحال مهاجراً وتاركاً البلاد تُرى هل أحيل إلى التقاعد مبكّراً أم سُودِنت وظيفته. 

23/12/2009

Abdul Jabbar Dosa [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]