Abdul Jabbar Dosa [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

الشعب السوداني الذي تميز بنقاء السريرة حتى وقت قريب، هذا الشعب أصيب في مقتل في مكنوزه من هذه القيم، من حيث المبدأ لا يجب لأحد أن يُسقِط ضرورة القيم التي تنظّم كيفية التعامل مع المال العام من حيث الحفاظ عليه والإحادة عن اي تفكير في التعدي عليه. وحيث أن رقابة الضمير يمكن أن تكون مبرئة في كثير من الأحيان، إلا أنها  وحدها ليست الضمانة، هناك مجموعة حِزم ينبغي أن تُطبق متوازية، فالعمل على تأصيل سياسات إقتصادية تحفظ بين موازنة الدخل المحدود والمتطلبات الحياتية الضرورية يُعدّ أحد أهم مرتكزات النجاح عند تطبيق أي حٍزمة رقابه. ونجاح الرقابة السلطوية يعتمد كثيراً على ذلك، لا يمكن أن نطلب ممن تنشغل كل جوارحه الحسية والمعنوية مع كيفية تأمين ضرورات حياته اليومية من مأكل ومشرب وعلاج أن يكون رقيباً منزّهاً. نحن نقتل في دواخله مكامن الإبداع بدلاً من تنشيطها، نحن نجعل من جملة جوارحه مستعبداً يؤدي وظيفة بدائية ومكررة داخل حظيرة محكمة الإغلاق لا تتيح له إلا مساحة متسخة بالتلوث لا تسمح للعقل أن يتفاعل ويبدع، وحيث أن الحال كذلك فلا يمكن أن نحصد سوىَ ما زرعنا.

مصطلحات مثل المراجعة العامة وحُرمة المال العام ورقابة الضمير والحكم الراشد تجد نفسها في صدام دائم مع الراغبين في هيمنة مصطلحات أخرىَ كالمال السائب واستغياب الضمير تحت قهر الحاجة أو بغيرها وإهمال تقرير المراجعة العامة وانعدام المساءلة، وإذا كان هناك من يرغب في تعميم المصطلحات السالبة وترسيخها وجعلها قاموساً بديلاً للنزاهة والتعامل الراشد مع المال العام، فإن مرد ذلك يعود إلى وجود عمل مواز للترويج لها من خلال التعامل بإسقاط القيم النبيلة وإحلال الفوضى والفساد الإداري محلّها، والتعامي عن متجاوزي القوانين ومنتهكيها. لم يُسجّل حكم الإنقاذ في هذا السياق سوى رُزم من ذلك الفشل. سيأتي اليوم الذي تذهب فيه الإنقاذ بغير اسف، ولكن سيبقى ما زرعته من زقّوم أخلاقي يثخن لبّ الأمة قبل ظاهرها زمناً قبل أن تتمكن من التخلص منه نهائياً.

لنا من النماذج الإفتخارية الكثير. حري بنا أن نعيد حكاية الرئيس الأسبق الراحل الفريق إبراهيم عبود وهو العسكري الذي أتى بانقلاب بغض النظر عن ملابسات ذلك. ويحكىَ عنه أنه في ذات يوم كان ينوي القيام بزيارة إلى رومانيا، وضِمن ترتيبات الزيارة فقد أحضر له مدير مكتبه مظروفاً يحوي 150 جنيهاً هي مخصصات رئيس الجمهورية لتلك الزيارة وفق اللائحة المالية للدولة، ورغم أن ذلك من حقه المخصص قانوناً فقد سأل مدير مكتبه فيما إذا كانت الدولة المضيفة ستتولىَ كافة فروض الضيافة حتى عودتهم، فلما عرف أن ذلك هو ما سيحدث، طلب من مدير مكتبه إعادة المبلغ إلى الخزينة العامة لأنه ليس في حاجة له، ولما حاول مدير المكتب إثنائه بحجة أن ذلك حقه وفق اللائحة المالية، وهو ديدن سفر كل الدستوريين، طلب منه الذهاب إلى وزير المالية بان يُعدّ له قائمة بكل ما سبق أن صُرف للوزراء للحالات المماثلة وامر وزير المالية باستقطاعها منهم. هذا المثال هو مدرسة عميقة في معانيها عن الضمائر الحية، ومفهوم الحفاظ على المال العام. اسوق هذا المثال ولا اغفل أن الحكم كان عسكرياً، لكنه لا يلغي ان نذكر عنهم أي جزئية عبّرت عن الحفاظ على قيم الأخلاق، ذهبوا بفقرهم ولم يأخذوا معهم أخلاق الشعب ولا قيمه ولا امواله، أين هؤلاء مِن أؤلئك.  

إن أكبر ما يهدد الوطن هو الإستلاب المبادئي الذي تتعرض له الأجيال الناشئة، اجيالنا تنشأ في مناخ يتباهى فيه أثرياء المال العام بالتمايز الرفاهي، وهو ثراء قائم على التعدي والنهب للمال العام، فهي إذاً حالة تضخ أطناناً من السموم المعنوية في أجسادهم وعقولهم وتحيلها إلى إنفصام دائم، وحوار مؤلم ينازع دواخلها ويلهب بواطنها بنار ينهش فيها كالهشيم. إنها لجريمة يوثّقها التاريخ تلك الحالة التي نعيش فيها استحقاراً منظّماً للذّمة في حياتنا العامة وفي معاملاتنا وفي علاقاتنا. إن ثقافة التمكين التي تجاوزت كل الحدود الأخلاقية وقفزت فوق كل المُثل، واتكأت على فضحاء بلا ستر من الجميع تفرّخ بلا حياء ارتالاً من حاضنات الموارثة الرثّة للقيمة الاخلاقية لتملأ بها عقول الناشئة، هي ثقافة قاتلة لهذا الوطن، ليس غريباً أن يتغرّب الحياء في مدينتها العارية، وليس مستعجباً أن يمشي الفساد المستعهر مرحاً كما لو كان قد خرق الأرض وبلغ الجبال طولاً. 

كيف لنا أن نعوّل على أجيالنا وهي تنشأ في ظلّ مفاهيم تشرّبوها تمجّد الإعتداء على المال العام وتفتخر به، وفوق ذلك تزدري المتعففين عنه وتخنق عبراتهم وتُقيّد محاولاتهم للجم الباطل وتُعرقل مساعيهم في التقويم والتصحيح. كيف نستمريء انتهاك مُثل وأخلاقيات إبراء الذمة. مفاهيم اُجبِروا على تعاطيها قهراً وتنسّموا غبارها كرهاً وتدثروا بردائها غُلباً. إنها معادلة مختلّة من معادلات التنشئة، لا يتبناها إلا الذين اختلّت لديهم موازين الكياسة وأصاب الضهب بؤر البصيرة لديهم وتاهت بوصلتهم مِن جراء تنظيمات يشكّل الخطأ في منظومتها رقماً دائماً وعاملاً اساسياً في معادلاتها للتخطيط واتخاذ القرارات. نحن أمّة مثلها مثل كل الأمم، تتداول الأجيال مسئولية الحفاظ عليها وعلى تراثها وصيانة أخلاقياتها في عالم يتسارع فيه التغيير كما يتسارع المرعوبون من مرعبهم. غداً سيكون شبيبة اليوم حكّاماً ورجال خدمة، تُرىَ كيف ترون غُربة الحُكم الراشد بينهم، ولا يفوت عن بالكم أن الذين ولدوا يوم شقّت دبابات الإنقاذ طريقها لإسكات صوت الحرية قد بلغوا من العمر عشرين عاماً وقريباً سيبلغون الثلاثين وليس لهم مِن رصيد سوى حصاد الهشيم معيناً، بل كيف تنظرون إلى صورة الوطن وهو تحت حكمهم، حينها يكونون فاقدي كل شيء، لأن الفطيرة التي عجنتها الإنقاذ لم تورّثهم من الزاد ما يعضد مسيرتهم ويرفد قدرتهم على مواجهة التحديات ومواكبة العصر ومقتضياته، سيفعّلون ماكينة الخراب التي تشرّبوها من النظم الشمولية، وهي ماكينة تحطّم كل شيء، وتحيل العام إلى خاص، وتُعربد بالمثل كما يعربد الرخم بجيفته.

جيل الإنقاذ الذي نهب السلطة واستأثر بها شكلاً ومضموناً، جيل نشأ وتربّى في كنف وطن وفّر له كل شيء، بل رعاه منذ نعومة أظافره، وطن كانت تغلب عليه الطبقة الوسطى، وهي طبقة يتناسب دخلها مع حاجتها، طبقة قانعة لقناعتها بما يتوفر لديها من عطائها. في ظل ذلك المناخ المتعافي نشأ جيل الإنقاذ وتعلّم على خزينة الدولة، وفّرت له الدولة كل شيء من مأكل وملبس ومسكن وكتاب مدرسي وأدوات، بل ومصروفات شهرية، وكان ذلك نهجاً متّبعاً من المرحلة الإبتدائية وحتى الجامعة، بل كثيرون منهم دفعت الدولة مصروفات ابتعاثهم لأرقى الجامعات العالمية ليعودوا بالدرجات العلمية أملاً في إعلاء شأن الوطن. من جانب آخر وفّرت لهم حرية التنظيم والتعبير والتظاهر بمختلف الوسائل وفي كل المنابر، لقد وفّرت له كل ما تنادي به وثائق حقوق الإنسان. لا يمكن لأي عقل أن يتصور بعد كل ذلك قيام مَن نشأ وتربّى في كنف مثل هذا التخيير والدلال ويكافيء وطنه بالجحود الذي نراه نهجاً طاغياً حاقداً انعكس في الإعتداء على كل الحريات، والإعتداء على الحق العام وتخصيصه لعُصبة ونشر القمع والفساد الإداري بكل قواميسه، بل والإرتقاء بالفقر إلى أعلى مستوياته، ووضع السودان في المرتبة الثالثة قبل الإخير في قائمة الدول الفاشلة في العالم باكمله. هذا حصاد قادة الإنقاذ، وهذا هو ما كافأوا به الشعب والوطن على السواء عبر عشرين عاماُ عجاف، هذا اقزع ما يمكن أن يوجد في قواميس رد الدين بنقيضه. إذا كان للعقوق من معنى قاطع فهو ما فعلته عُصبة الإنقاذ في الوطن السوداني حتى بلغوا به الآن مقيّداً ومطروحاً على مقصلة التقسيم في أن يكون أو لا يكون. من يفعل كل هذا لا يكون مستغرباً منه أن يقمع الذين خرجوا في تظاهرة يوم الإثنين حتى وإن كانت تظاهرتهم غاية في السلمية ومسنودة بحقوقهم الدستورية. ليس مدعاة للدهشة عندما يتردد صدىَ ما قاله الأديب الراحل الطيب صالح " مِن أين أتى هؤلاء" في مسامع كل مواطن بعد كل حدث.

ما يحتاجه السودان الآن يتجاوز كل مستويات التقييم الطبيعية للأمور، لم يعد الحديث عن ترويض للنظام عبر ذاته بتراجعه أمر ذي جدوىَ، وليس هناك من مساحة في أن النظام ربما يعمل على إنفاذ إيٍ من البنود المتبقية لإي من الإتفاقيات القائمة، ناهيك عن الإعتقاد في أنه يمكن أن يعمل جاداً لتحقيق سلام عادل وشامل ودائم في دارفور. ما عاد الحديث عن استحقاقات لتحول ديموقراطي يمكن أن يساهم فيه النظام أمراً يمكن أن يكون ملموساً أو قابلاً للتحقيق. ليس في مخيلة النظام لمفهوم التبادل السلمي للسلطة إلا صورة واحدة لا تقبل التلوين، وهي صورة استمراريته في أحادية السلطة بالإنتخابات أو بغيرها. النظام يعمل بجد الآن إلى إحكام مصيدة الإنتخابات التي نصبها للقوى المعارضة حتى تقع فيها بإرادتها لاستكمال ما يسعى له مِن استخدامها لإضفاء الشرعية له، علماً بانه ظل يقود عملية التنفيذ لإستراتيجية إنجاح هذه المصيدة عبر مراحلها المتنوعة مستغلاً في ذلك بنود اتفاقية نيفاشا والإتفاقيات الموازية. النظام قرأ تماماً ردود الإفعال الشعبية المحلية والدولية لما بعد الإنتخابات التي تمت في موريتانيا وافغانستان وزمبابوي وكينيا وإيران وغيرها حيث افرزت الإنتخابات واقعاً داخلياً أخذ طريقه إلى الهيمنة رغم الإحتجاجات على صحّتها، كما لقي قبولاً دولياً مصحوباً بإهداء دولي لتلك الشعوب عبر إحتجاجات تطيب من خلال تصريحات خجولة سرعان ما يبتلعها النسيان وسط تسارع ذات المجتمع الدولي إلى التعامل مع النظام كأمر واقع.

الحقيقة التي لا تقبل نقاشاً هي أن النظام قد بلغ من الكِبر والعنجهية ما لم يبلغه غلاة المتسلطين والدكتاتوريين، وهو يوجّه كل أمانيه وجوارحه للحظة التي توافق فيها القوىَ السياسية المشاركة في الإنتخابات، ولا تندهشوا إذا جاء النظام في منتصف شهر فبراير 2010 وأعلن موافقته على تعديل كل القوانين وأطلق الحريات وافرد مساحة من الحريات للقوى السياسية بأن تمارس حملتها في الوقت الضائع لاستكمال فرائض المصيدة، ذلك هو شبيه بأنياب الليث الذي يحسبه البعض مبتسماً، ذلك في حقيقته سيكون تماماً كالسجان الذي يُخرج مسجونيه من زنازينهم إلى ساحة السجن ليتنسموا بعض الهواء النقي لأنه يهيئهم لحبس أكثر غلواً وأحكم قيداً ذلك الذي سيأتي بعد النتائج المرسومة نهايتها للإنتخابات التي اشرف منفرداً على كل مراحلها، لأنه حينها لا يكون لتلك القوانين أي أثر أو مفعول. إزاء هذا الوضع يصبح حديث الإستبشار برؤية السراب حديثاً لا يمكن أن يحيل أمل العطاشىَ إلى ارتواء، ليس أمام القوىَ السياسية الآن الكثير من الوقت لإضاعته في إعطاء الصورة الضبابية حول موقفه من الإنتخابات ومن النظام نفسه والذي يواصل استبداده بكل قيم الحرية ويُصر على أن يقبله الآخرون ويلاطفوه ويبتسموا له عندما يتجهم في وجوههم، ويعمل على أن يتقبّلوا مراوغاته ويمرروها له ويرقصوا مع نغماته رغم نشاذها. القوى السياسية والشعب كلهم مطالبون بأن يعلنوا اليوم قبل الغد موقفهم بوضوح بأنهم لن يشاركوا في إنتخابات تُزيّف فيه إرادتهم وتنتهي لتصبح إكليلا زائفاً لتزيين جيد المؤتمر الوطني. ليس هناك جهد لإضاعته في "ربما أو إذا ما". الجهد الحقيقي هو الذي يجب أن يتواصل الآن في شكل تظاهرات ومسيرات متواصلة لانتزاع واسترداد الحقوق والشرعية وليس لذلك سوى اسم واحد هو " الإنتفاضة ". أما في المساق الموازي فنحن في حاجة إلى صياغة منقّاة لجرعة تربوية تعالج ما افسده النظام في تنشئة الاجيال، وجرعة أخرى نُحصّن بها الأجيال الناشئة ونمهّد لهم ارضية القدرة على ارتياد ساحات التنافس بين الأمم وقد توفرت لديهم أدوات الحكم الراشد. ذلك قطعاً لا يتأتى تحت إشراف نظام حكم فرض نفسه وعرض تجارة بائرة لا تُغري ولا تجذب فلفظها الشعب فأصبح يُغنّي ويَطرب لنفسه.  أما على مستوىَ مزج الفكر الإجتماعي مع المخرج الإقتصادي وطمعاً في مشروع نهضوي يستطيع الشعب أن يتشبث به ويدفع في إتجاه إنجاحه، نحن في الحقيقة محتاجون إلى أن يجوع الأثرياء لدينا ساعة لإشباع الجياع إلى يوم الساعة، الشياطين الخرساء ليست فقط تلك التي تصنع الباطل وتسكت عنه، بل هي تلك التي تصنعه وترعاه وتسكت عنه وتبطش بكل مَن يسعىَ للحديث عنه أو إزالته.

 

19/12/2009