Abdul Jabbar Dosa [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

في الحلقة الثانية قلنا لإخوتنا من الذين خارت ضمائرهم في لحظة رعب واصطفّوا إلى طابور الظالم إن الفرصة مواتية لهم للعودة والإصطفاف في طابور البحث عن الحقوق الكاملة لدارفور بعزّة، وكما يقول المثل العامي أيضاً وهو عموم لإنتشاره وليس عامية في الفاظه ( العرجاء لمراحها). إن الشق الآخر من الإنتهازيين الذين انخرطوا في الحركات المسلّحة كانوا دائماً أعلى صراخاً ومناداة بالثورية، ولكنهم في ذلك كمثل (الهويش) وعُشب (ام دفوفوا) عندما يُضرم فيه النار تجده اسرع اشتعالاً وأعلى لهباً ودخاناً ولكنه سرعان ما يخمد ويصبح رماداً، هكذا كانوا داخل الحركات ويسعون إلى إبعاد عظائم الحطب الوقّاد بهدوء بحجّة ان ذلك (يحرق الكعكة) يدفعون نحو استعجال إستخراج الكعكة من النار قبل الإستواء وينظرون في ذلك إلى حجم نصيبهم منها، ولا يهم مستوى نضوجها، نار بواطنهم تغلي استعجالاً ويعتقدون أنها قادرة على إنضاج ما يلتهمون من الكعكة النيئة في داخلها. وابوجا التي كُنتُ أنا جزء منها رغم موقفي المبديء منها لا تخرج عن هذا السياق، ولا أعفي نفسي من الفشل وأي وصف يطلقه الآخرون على موقّعيها بغض النظر عن صحّة الوصف من عدمه لا سيما وقد كنت من العائدين للسودان حيث اعتبر الكثيرون عودتي تلك زلّة مني بحسبان موقفي الرافض للإتفاقية إبّان التوقيع، وتوقعاتي المسبقة للنتائج التي ظهرت في مرحلة التطبيق عطفاً على قراءة قرائن وليس على تنجيم، ورغم أنني قد ذهبت بحسابات، إلا أن تجربتي خلال عامين أثبتت جزءاً مقدّراً من الخلل في النتيجة، وقد سبق أن سردت بعضاً من وقائعها في مقالات نشرتها في مختلف وسائط الإعلام المقروءة، بيد أنني قد صحّحتها بخروجي واستقالتي بالتعفف عن التمتّع بنعيم ينحصر في الذات وتحوم حوله ارواح الشهداء وصرخات الأطفال وأنين الشيوخ وأطراف المعاقين، وتُحدّق فيه بشذر أنظار الصابرين من النازحين واللاجئين والمشردين والمتضررين. الآن بلا شك قد تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم تعد هناك ضبابية لفهم المواقف. نتيجة أبوجا بعد ثلاثة سنوات ونصف لم تواسهم ولم تناجهم ولم يشهدوا لها في التنفيذ ما يمسح بعضاً من دموع مآسيهم ليس فقط لعدم التزام الحكومة بدورها ولكن أيضاً لانغماس المتطيبين من الحركة الموقّعة والحركات المنحازة بعِطرٍ أطلقه النظام فتلقفوه رغم إدراكهم بأنه طيب زائف وزائل، وأن العِطر الحقيقي هو الذي يفوح من المِسك الذي يمثّله الثبات على الحقوق والمباديء وهو مِسك عطره دائم لو كانوا يعلمون. بالطبع لا أعمم على كل الذين ما زالوا باقين هناك، فمنهم من هم ما زالوا يطأون على جمر القضية ويتحينون الظروف لإزالة المساحيق التي لطّخت وجوههم من فلتات الآخرين فانزوا يزيلون عن ثوريتهم قدر ما تلوّث منها أملاً في جولة ناجحة استرداد الحقوق، وليس بالضرورة أن تكون من خلال نفس الوسائل وبذات الآليات.

أما للذين انغمسوا اقول لهم أن البذرة الثورية التي بذروها في ضمائرهم بذرة اصطناعية ليس في نواتها حياة حتى تنبت، ضمائرهم بفطرتها قابلة لإنماء وإنبات البذرة الحيّة، ولا ينبغي للجميع أن ييأسوا من تذكيرهم ومساعدتهم على استزراع البذرة الحية ورعايتها. يُحكىَ قبل اربعين سنة أو يزيد أن بعض العلماء قاموا بتحليل حبّة قمح طبيعية وعرفوا مكوناتها وعناصرها وقاموا بصناعة حبّة مماثلة بكل المقاييس والعناصر وزرعوها ولكنها لم تنبت وغيّروا التربة والمناخ ولكنها لم تنبت، وأخيراً ادركوا الحقيقة، لم تكن التربة والمناخ سبباً، الفرق بين الحبّتين كان في سرّ الحياة في نواة الحبّة الطبيعية والتي عجزوا عن أن يودعوها في الحبّة التي صنعوها ولن يستطيعوا لو كانوا يدركون. الإنتهازيون في ابوجا زرعوا بذرة الثورية الإصطناعية في ضمائرهم كانوا يدركون أنها لن تُنبت ثورية حقيقية، العيب لم يكن في ضمائرهم فهي نظيفة بفطرتها لكن العيب في البذرة والعيب في رغباتهم التي طغت وخلطت ترتيب الأولويات فقدّمت ذاتيتهم على المصلحة العامة. لذا مساعدتهم في الخروج من مأزقهم ضرورة حتمية وعليهم أن يستجيبوا لنداء المساعدة قبل أن يلفظهم البحر الذي ابتلعهم.

لا يقتصر هذا الوصف على الحركة الموقّعة على أبوجا أو الحركات التي نشأت تحت مُسمّى التوالي مع أبوجا، ولكنه ينطبق على الذين ما زالوا يُعلنون أنهم يحملون راية الكفاح المسلّح تحت مختلف المسميات وقد تفرّقوا أيدي سبأ ايضاً رغم وحدة الهدف، مما يؤكد أن منهم من لم تكن تفصله من خطوة الذين وقّعوا أبوجا سوى عوامل زمنية وملابسات نوعيه وتقديرية، ويمثّل التسابق الأحادي النبرة لاحتواء المنابر والحلول بعضٌ من إرهاصات ذلك ،وبالطبع ليس بينها وبين الحفاظ على القضية أي مِن ود، ، لكننا نُصنّف ونشخّص كل تلك المسالب التي رافقت إدارة مشروع استرداد الحقوق منذ تأسيس جبهة نهضة دارفور إلى الحركات المسلّحة الحالية على أنها (دبنقة) مليئة بالمقذوفات الفاعلة تتكون من قِصر النظر والقراءة الخاطئة والإرتداد إلى القبيلة والتبعية التنظيمية العمياء والترتيب الخاطي للأولويات والحياء الزائد والإندفاع الأعمى وسوء التخطيط والشعور بالدونية والأنانية وضعف الإرادة والإنتهازية والإنهزامية واللامسئولية ومحاولة عرض المصداقية في حارة الكذّابين، دبنقة أهداها أبناء دارفور مع قُبلة حارة لظالميهم فاستخدموها ضدهم بعناية ودقة وكانت نتائجها ما تعيشه دارفور اليوم.

 مخطيء من يظن بأننا أبناء دارفور لم نفشل في إدارة الأزمة حتى الآن، لا استثناء لأحد منّا، حتى الوقوف في الحياد هو أيضاً مساهمة سلبية ومشاركة في الفشل، ما يُفرّق فقط بين هذه المقذوفات التي أهديناها هو حجم وضرر كل منها ويتحدد بموجب ذلك نسبة مسئولياتنا في الفشل، وسنرتكب أكبر الأخطاء إذا إستسلمنا للفشل وأخفىَ كل مِنّا هديّة من هذه المقفذوفات على امل أن يهديها خِلسة للظالم أملاً في التقرّب والكسب في ترتيب آخر وخاطيء للأولويات. سيكون ذلك إصراراً على تكرار الفشل، وما كنت ظاناً أن أهل دارفور يضمرون ذلك بعد الذي حدث لهم. لا يجب أن يُفسّر البعض هذه الدعوة وكأنها نداء مفاصلة مع آخرين، بل هي دعوة للتوافق المتدرّج الذي يجعل من أبناء دارفور عُصبة قادرة على أداء دورها الحقيقي ضمن عٌصب مماثلة تُشكّل في مجموعها مصدّاً قوياً ضد مخططات اللوبي الخفي الذي ظلّ يخطط للإستفراد بكل شيء ولكن أيضاً مع تدمير الآخر، ويتّخذ في ذلك من الوسائل والآليات ويتفنن في إستخدامها.

حقوق دارفور ما زالت لم تُسترد ولا تنفصم هذه الحقوق عن حقوق كل المظلومين في هذا الوطن السودان، وقد اشرنا إلى أن اللوبي الذي يرعى هذا الظلم والذي هو في حقيقته لوبي  يهيمن عليه رعب واقع التنشئة بكل ما شمل من فقر مدقع وانفصام في الهوية والإنتساب وقراءة خاطئة لمفهوم الدولة، عِلماً بأن ألأول ليس عيباً ، هذا اللوبي يسعى جاهداً باستخدام نوازع الجهوية بدغدغتها ببعض ما تستطيب لها هذه النوازع عند البعض من تهويل لتصور افتراضي مرعب قوامه قادمون جدد منتقمون إذا ما تمت عملية المداولة الطبيعية للسلطة بين الشعب من خلال ديموقراطية حقيقية بعد ما رأى أن خطاباته الأخرى تسجّل تراجعاً في كل الإتجاهات، وهي قراءة تجانب واقع السودان الفطري الذي ظلّ نضاله متلاحماً طوال فترة ما قبل الإستقلال. هذه الدغدغة واكبتها حالة تخصيص لبعض المشروعات التنموية، وتوزيع مخلّ للثروة على المستوى المناطقي والفردي لتأكيد المزاعم وإصباغ الدغدغة مزيداً من كوامن التنويم، ولست مبالغاً إذا قلت أن اللوبي حصد بعضاً من نجاح مما زرع على هذا النحو، واستقطب ثللاً من الذين اغوتهم مفاتنه وبهرتهم قشوره، ورغم أنه خلق حالة من الإضطراب في قراءآت البعض إلا أنه لم يتمكن بشكل ناجح من استمالة القطاع الواعي من المنتمين لذلك التصنيف الجهوي والمدركين للألعاب السحرية الواهية التي يريد بها أن يسحر بصيرتهم ويبطل سعيهم مع الآخرين لمعالجة أزمة الدولة السودانية في الإطار الوطني، بيد أن النظام ما زال يعوّل ويستخدم بعناية نظرية فرّق تسد.

وحيث أن النتائج للأزمة قد انبتت سنابل خاوية من الحبوب فإن ثمة أسئلة ملحاحة تفرض نفسها وتطفح على السطح. لا بد من أن يعترف أبناء دارفور بمختلف مشاربهم وفي مقدمتهم النخب بالفشل في إدارة الأزمة، لا يمكن لأي واحد منهم أن يستثني نفسه، الذين كانوا في الحركات والذين ما زالوا فيها والذين يؤيدون المؤتمر الوطني والذين في احزاب أخرى والواقفين على الحياد، الذين نصحوا والذين لم يسمعوا النصحيحة، المتواجدين داخل السودان وأولئك الذين في الخارج، لا انتصار ولا شماتة من أحد لأحد وإلا انطبق عليهم جميعاً المثل القائل(Baboon laughing at it’s red end) والخير في انه مثل شائع بلغته فقط. المطلوب في مثل هذا الموقف أن يقف كل واحد مع نفسه لحظات ويستعيد ويستعرض دوره ويقيّم ذلك الدور في إطاره الفردي والجماعي، سيكتشف كثيراً من المزالق السالبة، وهي التي يجب أن تكون دافعه لتجاوزها في المستقبل. لقد علّمتنا التجارب والمحن بأننا أبناء دارفور نُعاب بأن نَفَسَنا قصير، وأقرب مثال لشرح هذه الحقيقة لاستيعابها بأبسط الأمثلة هي أنه كالذي يكسب المعركة لكنه لا يكسب حرباً، لأن كسب الحرب تتطلّب إلى جانب ما تتطلب طول النَفس كأبرز العوامل الثابتة، وداخل طول النفس هذا الكثير من علامات الإستفهام، وميادين الحرب كثيرة وأقلّها حاجة للمكيدة ذلك الذي يتعارك فيه طرفان بالسلاح. نحن أبناء دارفور مع قضايانا تماما كمجموعة يقودون قطاراً للبخار يعمل بالفحم الحجري، وقطار البخار يحتاج إلى تزويد متواصل بالفحم طوال الرحلة، ومع مسيرة القطار يبدأ البعض في النزول في محطات يعتقدون أنهم وجدوا فيها ما يغنيهم عن المواصلة إلى المحطة الأخيرة للقطار، فيستمروا نزولاً في كل محطة حتى يتوقف القطار لأنه لا يجد من يزوده بالفحم، حتى السائق نفسه يتحين المحطة المناسبة لينزل ويختفي. في كل محطة يجد النازلون أحداً يرحّب بهم ويقدم لهم ضيافة وبسمة تبرز عبرها أنياب تحسبها مستبشرة بينما في الواقع مكشّرة، الضيافة في مجملها لا تزيد عن الأيام الثلاثة الأولى ثم يختفي كل شيء ويهيم النازلون على وجوههم ويكونون عرضة للمساومة والإلتهام، وفي رحلة المساومة أيضاً يتسابقون لتقديم الفروض الطائعة متنافسين كسوّام، وما اغلى ما يدفعون بعد ذلك وما أبخس ما يتلقّون. ومن هنا يأتي السؤال هل نحن أبناء دارفور على قدر القضية أم لا، وهل ما فعلناه في مجمله وبنتائجه الحالية أو المتوقعة بعد حين يمكن أن نسمّيه جريمة وعار بحسبان أن المواطن الذي رفعنا الراية من أجله وأخفضها كل واحد منا حسبما اتفق، هذا المواطن لم يحصد إلا نار الهشيم. وهل لدينا الشجاعة بأن نعترف ونحاسب أنفسنا ونجلس لنقيّم مسيرتنا. بين هذا وذاك خيط رفيع يفصل بين الجريمة والعار من جهة وبين النخوة والشهامة من جهة أخرى.

ما زال صراخ اطفال دارفور الذين تم تعذيبهم على خلفية أحداث العاشر من مايو 2008 يملأ المسامع، بالأمس القريب طالت الإهانة طالبات دارفور في جامعة الخرطوم ضرباً وتقريحاً وطرداً واعتقالاً وفصلاً في تحد سافر لكل القوانين والمفاهيم والأعراف وكأن هؤلاء الطالبات ينتمين لعالم آخر وليس لهن (أخوان بنات!!) ولا يحزنون، ومسلسل الإهانة يتواصل وحتى وإن كان الحدثين عبارة عن قطرة من بحر ما حدث في دارفور ولكن الأخير حدث طازج ويمثّل مزيداً من الحُقره، ومع ذلك أبناء دارفور جلود (تخينه وسردبه ودنقير). أدرك أنه لا تؤخذ الحقوق بالحماس والإندفاع، ولا تُفرض العدالة بالعشوائية ولكن في نفس الوقت لا تشربوا كؤوس الحياة بذلّة. بالقطع لم نخسر الحرب، ولا أعني حرب (التايوتات) ولكنني أعني بالحرب عملاً تكون نتائجه استرداداً للحقوق وقدرة لأصحابها على التمتّع بها، كما لا أعني بالطبع الاستحواذ على حقوق الآخرين، ولكن أعني أن نبلغ وطناً يتواطن فيه الجميع على نفس الدرجة، وقطعاً سنستفيد وسنعمل من خلال أطر أكثر فاعلية وقدرة. ولكل أبناء دارفور اقول إن شُرب كؤوس الحياة بذلّة لا تطيل أعمارهم ولا تكتب تاريخاً ناصعاً ولا تترك للأجيال ما تورثه إلا الخزي والعار. المثل أيضاً يقول، العود المعوج إذا كان جافاً لا يمكن استعداله، لأنه سينكسر، وحركاتنا المسلّحة كلها الآن عود جاف، والوقوف في الحياد عود جاف، والإصطفاف في طابور الظالم عود هش وجاف. وليس عيباً إن فشلت الوسائل والآليات السابقة فهناك من الوسائل والآليات ما ليس له عدد ولا حصر، ولكن العيب أن نستسلم. الكرة الآن ليست في ملعب الإنقاذ ولا في ملعب الأحزاب، ولا في ملعب المجتمع الدولي ولا في ملعب دول الجوار، الكرة في ملعب أهل دارفور فقط، اي تعويل منهم في غير ذلك يعني خسارة المباراة، وبالتالي إستمرارهم في التسابق إلى جزرة المهانة وعينهم على العصا، وحينها تستطيع الأجيال الغضّة المتناثرة في فيافي التشرّد عندما يشبّ طوقها غداً أن تقول بالفمّ المليان أن أجيال الأمس مِن اهل دارفور من حركاتهم إلى متلقي المساعدات في معسكرات النزوح واللجوء إلى نخبهم في الداخل والخارج قد ارتكبوا الجريمة والعار في حقهم وحق دارفور. وبين صرخة المرأة القائلة (وا معتصماه) واستجابة المعتصم بقولته (لبيك يا أختاه) قولاً وفعلا، وبين بيت الشعر القائل، كم مِنْ وا معتصماه انطلقت مليء أفواه البنات اليُتّم .......لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم، أطلب من نفسي وإياكم أن نُصنّف بصدق أنفسنا في مجلسها المناسب ليرى كلٌ منّا لأي فئة يريد أن ينتمي، لفئة الجريمة والعار أم لفئة النخوة والشهامة.

29/11/2009