Abdul Jabbar Dosa [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

أبدأ مقالي هذا بالقصّة المشهورة التي تحكي لنا واقعة انقضاض أمبراطور الروم (تيوفيل بن ميخائيل بن جورجس) على مدينة (زبطره) وهي إحدى مدن تركيا، حيث قتل منهم الكبار والصغار بلا رحمة، وسَبىَ ألف إمرأة بعد أن قتل أطفالهن. والمعروف أن تلك البلاد كانت تحت خلافة الخليفة (المعتصم بالله) أحد خلفاء العصر العباسي، فبرزت إحدى المَسبيات وصرخت قائلة "وا معتصماه". بلغت الصرخة مسامع المعتصم فردّ عليها بقوله لبيك يا أختاه، وكان ما كان من القصّة في أن المعتصم جهّز جيشاً اقتص به للعِرض الذي تعرّض للإضطهاد من الغازي الرومي. ما اشبه الليلة بالبارحة، ما يحدث في دارفور يعيد شريط الذاكرة إلى أكثر من 1200 عام هي الفاصل الزماني بين تلك الحادثة وأحداث دارفور ولكن مع فارق أن ما حدث في دارفور لم يرتكبه غازي رومي أو أجنبي آخر، وإنما ارتكبته سلطه تقول أنها مؤمنة ولمّا يُوقِر في قلبها منه مثقال ذرّة. ولكن ليس بالضرورة أن يكون القصاص نسخة كربونية من قصة المعتصم ونحن في عصر توفّرت فيه وسائل وآليات قانونية أنجع وأكثر فاعلية للوصول إلى ذات النتيجة مع تقليل الخسائر ولا سيما في الأنفس.

لقد أراد الناس في دارفور إسترداد حقوقهم، وعندما نستخدم عبارة حقوق إنما نستند إلى سيّد الأدلّة في ذلك وهو الإعتراف الذي أعلنه الظالم مراراً، ولكن إعلان مغّتر وليس إعلان تائب. وما من حق إلا ويقال أنه يجب أن يُنتزع، فهو غير قابل للإستجداء ولا يُقبل فيه العطاء، واخفّ الصيغ منه هي أن يَرُدَّ الظالم الحقوق لأصحابها وهي ليست صيغة عطاء لأن صيغة العطاء تؤمّن للمُعطِي التحكّم في خصوصية التحجيم والتوقيت والتنويع حتى لما ليس له فيه خصوصية الإستحقاق كما هو حال الأزمة في دارفور، والمظلوم على صواب فيما يتّخذ لاسترداد حقوقه مهما تنوّعت الوسائل والآليات التي يستخدمها لذلك فيما إذا تمادى الظالم في غيّه واستعصم باغتراره، ولا يدان المظلوم في ترتيب تلك الوسائل إذا ما هو بدأ بأكثرها تأثيراً وفاعلية وإيلاماً على الظالم، ناهيك عن أن يكون الحال كما حدث في حقوق دارفور حيث تدرّج الناس في عملية استرداد حقوقهم بدءاً بمراحل الصمت البليغ إلى مراحل المواجهة المسلّحة وبينهما متنوعات. مفردات رصينة في صياغتها وبليغة في مضمونها وكلها تُعبًر عن معنى واحد. وبينما تختلف اللغات المصاغة بها إلا أن النتيجة دائماً واحدة. إذاً فالهدف محدد بدقّة في مضمون الصياغة وإن توالت الأزمان وأختلفت الأمكنة وتباينت الظروف. فما الذي منع أهل دارفور من انتزاع حقوقهم، وهل يُترك الظالم ليهنأ بمكره ويستمر في غيّه وهو يغيّب بصيرته رغم ما يُبصِر من حقائق جليّة كالشمس في رابعة النهار؟ سؤال مناط بأهل دارفور أن يجيبوا عليه، لا استثناءآت في ذلك، ليس من أحد من دارفور وإن توالىَ مع عطايا النظام أو توارىَ في ردائه أو دَنَا بحيائه من حياء العذراء في خدرها إلا وقد طاله الظلم ولسعته حرارته، وكم بلغ الظالمون غاياتهم ممتطين على صهوات حيائهم.

لقد لامست اجيال ما بعد الإستقلال من ابناء دارفور مضمون الهدف عندما انشأوا جبهة نهضة دارفور، وهم جيل دنا بحيائه لإغواء نخوة الخجل عند الآخرين من أجل وطن يجب تأسيسه منذ البداية على هُدىَ مباديء التكافوء والعدالة، ولكن نشوة الموارثة للمستعمر استهوت المتسابقين لاعتلاء مقاعد السودنة على غير ذلك فجلسوا على بروج مستعلية ونظروا دونهم والقوا على الآخرين جلاميد صخور مِن عل، الآخرون كانوا زمراً من دارفور وغيرها. فجاء إنشاء جبهة نهضة دارفور كضرورة مرحلية كما كان إنشاء مؤتمر البجا واتحاد جبال النوبه وحزب سانو وفي سنوات لاحقة مثيلاتها كثر. كل ذلك كان نتاجاً طبيعياً للمعاجنة السياسية التي كانت فطيرة آنذاك ولما تنضج بعد، ولعلّ مؤشرات الضرورة كانت بائنة بوضوح فأدركوا خطورة أن حقوقهم يتهددها الضياع فرسموا خرائط الوصول إليها واستردادها وتأمينها بأقصر الطرق وابلغها واقلها خسارة لعل في ذلك صافرة إنذار مبكّر لاستيقاظ السبات الذي انتشى على احلامه المسودنون، وكانت تلك إشارة صادقة تدعو للولوج من باب التسابق القائم على التنافس المسالم وإن لم تتهيأ ظروفه المتكافئة كاملة، أملاً في الإنتقال إلى مراقي الوحدة الوطنية الراسخة، ورغبة في أن تدفع الوطنية بوخزات تنبيه إلى قلوب وعقول طلائع السودنة الذين تخطّفتهم نُذر الإنزلاق نحو هاوية لن يسلم الوطن من قرارها وظلمتها بإصرار المضي نحوها وهي الحالة التي نعيشها اليوم. أبناء دارفور وغيرهم رغم تشخيصهم الصحيح والمبكّر للداء إلا أنهم لم يصمدوا كثيراً لأمر دون بلوغ غايته يصبح الصبر مِن أرخص قرابينه، فكان الإخفاق في التجربة، ولكن من الحِكمة أن نستبين دائماً بأنه ما كان الإخفاق يوماً سوى دافعاً لإخفاق يسبق النجاح، وهي علامات وفوارق تفسّر وتميّز أُولي العزم من غيرهم، وإنّي لاستميحهم عذراً أن اقول ذلك وهو ليس تقييماً لهم، لأن التقييم هنا تنقصه عناصر كثيره، لكنهم قطعاً كانوا صائبين في تشخيصهم وما أنشأوا من تنظيم، ولكن بين غفوتهم واستفاقتهم وحيائهم استغمى المتربصون وعيهم بحيائهم وخطفوهم وتفرّقوا ايدي سبأ في ضحى اليوم بعد أن باتوا ليلتهم مجتمعين وتفرقوا في الأحزاب السياسية والتنظيمات القائمة، لم يكن ذلك عيباً ولكن العيب في أنه جاء كما قلنا من قبل من باب العطايا لهم وليس من باب التكافؤ، وحيث كان الحال كذلك فقد اكتفوا بالجلوس في الكراسي التي تلي، في المقاعد الخلفية، ربما تعافوا بحيائهم معاركة التناطط للكراسي الامامية وربما غير ذلك، لكنهم أكثر من يمكن أن يحكوا للتاريخ حقيقة ذلك. ومضت السنون، ومضى معها الهدف ولكن في اتجاه بزاوية منفرجة. هذا سرد مقتضب لكنه دسم في مضمونه، وهي ليست دعوة فُرقه ولكنه سردُ عِبرةٍ يستهدف عدم تكرار الاخطاء إذا ما اراد الحادبون على إيقاف واسترواض الحصان الجامح الذي يقود عربة السودان نحو هاوية لا ناجي منها.

توالت المحاولات لاسترداد الحقوق، وبين جبهة نهضة دارفور والحركات المسلّحة التي نشأت في مستهل الالفية العديد من التنظيمات والمحاولات، ولا حاجة لنا في سردها فقد كفاها الكثيرون سرداً من قبل، رغم أن المؤرّخون لم يتناولونها في قوالب تاريخية ولكن نأمل أن نناشدهم لفعل ذلك، فما من شعب يهمل تدوين تاريخه إلا وكررت أجياله المتعاقبة أخطاء الماضي وإن تعاصرت في صيغتها. من هذا الفهم يكفينا إيجاز ما ورد عن أولها، وسنُعنىَ بإسهاب لما نحن جزء منه من حراك أخذ طابعاً ثورياً تمثّل في حركات مسلّحة لاسترداد الحقوق كنتاج طبيعي لاستمرار الظلم، وبالطبع ليس هذا الحراك آخر المحاولات بغض النظر عن النتائج وإلا لوُصِف القائل بذلك فاقداً للفطنة وجاهلاً بالحكمة، لأنها لو كانت آخرها لكان الأَولىَ بسابقتها أن تكون هي النهاية. توالت أيضاً نظم حافظت على الظلم على وتيرة ثابتة وتميزت بأنها دائماً خامدة، حتى جاءت قاصمة الظهر في ظل نظام الإنقاذ الذي قفز بغلو على السلطة كما يحطّ الديك المذعور على العدّة وكلكم يبحث لمام العدّة المتناثرة قِطَعُها. وبدا أن الظلم الذي كان يتبلور في القلوب متدثّراَ بثوب ظاهره الخجل وباطنه الغدر والوجل ويصدر انيناً خافتاً من وخز الضمير والصعق العقلي، بدأ يأخذ طريقه إلى نبضات القلوب بسفور، لِم لا وقد تولّىَ الأمر من يمشي الخجل بينهم كاسي الرأس ويأسر الوجل العقول ويحبس الحقد كل منافذ الحياة في الضمائر الراغبة، بل واصبح يتجول كما يتجول المطربون في هذا الزمان بين مقاعد مستميعيهم.

عندما اندلع نزاع الأزمة السودانية في دارفور، كان ذلك بمثابة نداء شامل ومسموع لأبناء دارفور لتنظيم أنفسهم والعمل على استرداد الحقوق، فقد كان بعض ما يُسمّىَ بالنهب المسلّح ما هو إلا تعبير فردي للحالة التي اراد أصحابها أن يُعبّروا بها عن رفضهم للظلم بيد أنهم نسوا أنهم يظلمون آخرين بها، ولا نتّفق بالطبع مع تلك الوسيلة من التعبير لكنها كانت واقعاً رغم محدوديتها، لم يكن النظام الظالم غافلاً عن إرهاصات الأزمة وكان يدرك أن قدومها واقع، بل ويعلم مركز خطورتها وقوتها لذا عمد إلى استغلال تلك الحالات الفردية من حوادث النهب المسلّح برغم تنوع مرتكبيها انتماءاً، عمد إلى تخصيصها بما يخدم أهدافه، عاملاً باسلوب الإشاعة والتهويل والتخليق عبر كل وسائط الإعلام التي يتحكّم فيها ليتّخذها خطاً من خطوط الدفاع لما هو قادم من خطر، الإنسان في دارفور يتمتع بقلب رهيف، سريع الخفقان والتجاوب، لذلك لم يكن مهماً من هو العازف وما هي النغمة المعزوفة، وهذه واحدة من مسالب إنسان دارفور وحَريٌ بنا البحث في هذا الشأن ومعالجته. وإلى أن نلتقي في الحلقة الثانية.

عبد الجبار محمود دوسه

11/11/2009