Abdul Jabbar Dosa [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

قلنا أننا في الحلقة الخامسة سنتحدث عن البيان الذي كان يأمله الجميع والذي يلبّي في تقديرنا متطلبات المرحلة ويؤكد جازمية الرغبة في الوصول إلى معالجات شافية لقضايا الوطن المصيرية، وإذا كان الحديث سيتطرق إلى محتوى البيان فلا بد والحال كذلك أن يتطرق أيضاً إلى آليات التنفيذ، وإلا كان الإعلان مجرد توصيات تعبّر عن رغبه وطموحات لقيادات، بينما ينتظر الشعب أكثر من مجرد الرغبة والطموحات، ونحن إذ نقول ذلك نصطحب معنا 14 سنه من العمل المعارض منذ مؤتمر أسمرا، أما إذا انتهى بنا المقام إلى أن الإعلان الصادر باعتباره سقف ما يمكن عمله في ظل تزايد التدهور الناتج عن أحادية إدارة الدوله فذلك يعني أننا ينبغي أن ننعي فينا جميعاً مقومات القدرة على تغيير هذا الواقع المريع، وأن نخلع عن ابداننا رداء التصدي والإبداع، لأن أضعف الإيمان لا يسمن هذا الشعب ولا يطعمه من جوع ولا ينتشله من وهاد الضيم التي أُرغِمَ على أن يرتع في بلاقعها. هذا بالطبع يستوجب التعرّض لوسائل وآليات التنفيذ. لذلك ابدأ بإعادة نشر الرسالة المفتوحة التي سبق أن بعثت بها إلى المؤتمرين في جوبا لأن فيها التساؤلات التي ننتظر أن يتم الإجابة عليها عبر مخرجات المؤتمر، ولا شك أنكم قد قرأتم إعلان المؤتمر، وفي تقديرنا بتواضعه نحسب أن الإعلان الصادر لم يستوعب كامل الطموحات رغم إدراكنا للمناخ الذي أحاط بمراحل الإعداد للمؤتمر وظروف إصداره بتلك الكيفية، فإلى الرسالة:

أبعث إليكم بهذا الخطاب ولست مزايداً به عليكم، فليس لي سوىَ ما هو لكم وعليَ ما هو عليكم، وإنما من باب التذكير المتبادل. تلتقون اليوم السادس والعشرون من شهر سبتمبر من العام 2009 م في مدينة جوبا، هذه المدينة التي تدرّجت في تفاعلها مع المتغيرات الإدارية التي ضربت كل مدن السودان عبر أكثر من خمسين عاماً منذ أن تم إعلان الإستقلال من داخل البرلمان. لا بد لذاكرتكم أن تأخذ في اعتبارها يوم كانت جوبا عاصمة للمديرية الإستوائية بمساحتها الجغرافية وإطارها الإداري وتنوعها الديموغرافي، ولا ينبغي أن يغيب عن إدراككم جوبا التي اضحت عاصمة للحكم الفدرالي الذي نشأ عقب اتفاقية أديس أبابا في العام 1972، ولا بد أنكم ستصطحبون معكم جوبا التي تراجعت إلى عاصمة لولاية بحر الجبل، والآن تجتمعون في جوبا التي تحمل اسم عاصمة حكومة جنوب السودان عقب اتفاقية السلام الشامل في العام 2005، ذلك بأنها كانت وما زالت وستبقىَ بؤرة التفاعل الجنوبي ومصهر معادنه، وأنها لا بد أن تبقىَ عاصمة بكل ما ينبغي للكلمة أن تحمل من معنى. إن قراءة متانية في مضامين هذه المحطات لكافية بأن تضع أمام ناظريكم سرداً واضحاً للأحداث التي واكبت تلك التطورات الجغرافية والديموغرافية والإدارية، وكيف أن تلك الأحداث قد تركت بصماتها بوضوح علىَ مسيرة الدولة السودانية وعلى رأسها تقرير المصير للجنوب، المتغيرات التي لا بد أنها ستفرض طبيعتها عليها مستقبلاً.

أنتم وبكل ما تحملون من إرث النخب التي تداولت في حكم البلاد عبر الحقب، ستتناولون بلا شك التعقيدات التي أقعدت بالدولة السودانية من أن تنطلق وتتلازم مع دول العالم بشكل عام ورصيفاتها من محيطها الإقليمي على وجه الخصوص في مسيرة النهضة الأممية، لا سيما وأكثريتكم قد عاصر كل الحقب والأحداث خلال العقود الخمسة الماضية، وكان جزءاً من ممارساتها بكل حلاوتها المحدودة ومرارتها الطاغية. أن يكون السودان أول دولة أفريقية جنوب الصحراء تنال استقلالها امر بالغ الأهمية والمضمون والدلالة، ذلك أن الدول التي نالت استقلالها بعده تباعاً ظلّت على الدوام ترنو إلى نموذج تَحتذي به في تناميها وتركن إليه في نوائبها، غير أننا لم نتمكن من وضع ذلك النموذج موضعاً يجعل منه مرجعية ثرّة للدولة الراسخة، لأننا فشلنا في أن نصنع دستوراً دائماً يستوعب مضامين تنوعنا، ويتفاعل مع إرثنا وتقاليدنا ويستفيد من دروس وتجارب الأمم التي سبقتنا ليؤطّر مسيرتنا السياسية ويحميها ويصفّحها من انزلاقات الأطماع المتهوّرة للأفراد والمجموعات أنّىَ كانوا وأينما وجدوا.

لقد طغت على ممارساتنا السياسية الكثير من المؤثّرات السلبية المتمثلة في التمترس خلف عروة الممايزة الطائفية، والإنغلاق داخل كابينة الطموحات الذاتية، والإستمساك بعقدة نتانة المُنَابزة القبلية، والتقوقع داخل سياج المنافرة الجهوية، والتعالي باستغلال قوة المؤسسة العسكرية، والإصرار على الإبقاء على تداول السلطة حبيساً في قفص الحصرية. لهذا كان طبيعياً أن تنمو الأجيال وقد استبد بها التوهان والضياع وفقدان الأمل، وارهقها الإخفاق وأقعدها عن الإبداع، فأصبحت مستسلمة لمستعمرة التنازع لإشباع نزوات الذات على حساب الوطن دونما مراعاة للحرمات ولا للخطوط الحمراء، وليس بيدهم حيلة، لأن ذلك من إرث الكبار. نحن وقد أوصلنا أجيالنا لهذه النتيجة، إنما نهدد بالفناء مضمون أن أطفال اليوم هم شباب أمّتنا في الغد، وأن شباب اليوم هم قادتها في المستقبل. من هذه المنصّة المتهالكة والآيلة للسقوط ينبغي علينا جميعاً أن نصنع التغيير في نفوسنا بغسلها من أدران التراكم السالب للممارسة السياسية، والإعتراف بأدوارنا في الأخطاء التي قادت سفينتنا وألقت بها في أحضان بحر الضياع تلاطمها أمواجه كيفما شاءت، لزاماً علينا أن ننتج التغيير الذي يدعم منصة انطلاقتنا، ويستثير كوامن الأمل في مضغة أجيالنا الناشئة، ويبعث في نفوسهم الثقة، ويمنحهم العزيمة، ويفجّر فيهم روح الإبداع ليتمكنوا من المضي في مسيرتهم مهتدين بالمشاعل التي نوقدها لهم، كل هذا يتطلب أن نتحلّىَ بالعزم، ولا يفلّ عزم الأمور إلا عزم يعادلها. لكل هذا أجد نفسي توّاقة لأبعث لكم بهذه الخلاصات التي أرىَ فيها من منظاري المتواضع بعضاً من حبل مسد، نشدّ به وثاق شيطان الفرقة والشتات ونقيّد به نوازع الإخفاق المتواصل. تناولت مع الرسالة سبعة محاور ربما كانت شاملة للقضايا المصيرية والتي تنتظر مخرجات المؤتمر وهي:

التدول السلمي للسلطة

الإنتخابات الحرة النزيهة

الأزمة السوانية في دارفور

تقرير المصير للجنوب

إسترداد الشرعية الديموقراطية

الدستور الدائم

العدالة

وقلت في ختام الرسالة "هذه سبع نقاط آمل أن لا تنزل على مؤتمركم منزلة سبع بقرات عجاف، ولكنني أدعو الله أن تستقر في وجدانكم وتعمل مع مساعيكم لإنبات سنابل خضر من أجل وحدتنا وآمال أجيالنا ومستقبل وطننا، ومتمنياً لمؤتمركم التوفيق والسداد". إنتهى الخطاب،،،

لقد أشرت في خطابي إلى سبعة محاور ولست الوحيد الذي أشار إليها، فهي أضحت حلقة حول جيد كل مواطن ووسم على جبين كل قيادي وإن اختلفت الصياغات، ومن ثمّ فإن البحث في كيفية تحويلها إلى صياغه إقرارية ونافذه هي المحك، بالنسبة لي فقد أطرح بعض الصياغات التي أعتبرها ربما كانت أقرب للإعلان الذي كان يمكن أن يصدر من مؤتمر جوبا، ولعلي أحسب بأن القيادات ربما آثرت الإحتفاظ بمضمون الإعلان المرتقب في دواخلها لشيء في نفوسها أو لاعتبارات معينة أملتها الظروف السائدة في الساحة آنذاك، بيد أنني أفصح عما أعتقد في أنه كان ممكناً أن يكون جزءاً من مضمون الإعلان.

التداول السلمي للسلطة:

·        ليس من بديل للتوافق حول معالجة لجنحة الإنقاذ بالتغول على الشرعية الدستورية، وحيث تكفيها عشرون عاماً في إدارة الدولة بأحادية، سوىَ إنشاء حكومة قومية إنتقالية محايدة مدتها عام ونصف، تعتمد كمّاً حِصص إتفاقيات نيفاشا وأبوجا والشرق وتستوعب فيما تبقىَ كادراً تكنوقراطياً متفقاً حوله وتكون مهامها:

أ‌-     إعداد مسودة لدستور دائم توطئة لاعتماده في البرلمان الإنتقالي.

ب‌-تنفيذ الإتفاقيات القائمة.

ت‌-إجراء الإنتخابات في أبريل 2011.

ث‌-إجراء الإستفتاء في موعده في نهاية 2011.

الإنتخابات الحرة النزيهة

·        لن تنجح انتخابات تتم تحت إشراف حكومة شمولية في التعبير عن ممارسة ديموقراطية من خلال تعددية، فلم يشهد التاريخ نموذجاً حتىَ يُقتدىَ به، ناهيك عن أن تدخلوا في تجربة بائنة النتائج وحالِكٌ ظلام مآلاتها، لا إشتراك في انتخابات تشرف عليها سلطه قوّضت النظام الديموقراطي واستفردت بالسلطة عشرون عاماً لذا:

أ‌-     تشرف الحكومة القوميه الإنتقاليه عليها.

ب‌-إعادة تشكيل مفوضية الإنتخابات بما يتوافق ومضمون الحكومة القومية المحايدة.

ت‌-تمديد موعد قيام الإنتخابات إلى أبريل 2010.

الأزمة السودانية في دارفور

·        لا شيء يُستَكثر في سبيل وحدة الوطن واستقراره، لذا تقوم الحكومة القومية بالخطوات التالية:

أ‌-     تضع برنامجاً مكثّفاً ومتسارعاً لتنفيذ ما ورد في اتفاقية أبوجا. 

ب‌-تُقر وتضيف ما تبقىّ من سقف ما ورد في مفاوضات أبوجا ومقررات ملتقى كنانه في السلطة والثروة.

ت‌-تعقد جوله مفاوضات عاجلة لبحث صيغة إشراك الحركات في الحكومة القومية ومعالجة المسائل العسكرية.

تقرير المصير للجنوب

·        هو حق من حقوق الإنسان قبل أن تقرّه اتفاقية السلام الشامل، وبالتالي دعمه من هذا المنطلق أمر مبدئي ولازم، وكيفما يكون خيار أهل الجنوب تكونون معه، وأن الوحدة والفراق صنوان، بأيهما اهتدت النتيجة إنما سنكون أمام أصلٍ من أصول الفطرة، ولكن أملاً في أن تعمل الحكومة القومية في اتجاه الوحدة الجاذبة من خلال:

أ‌-     وضع برنامج مكثّف لتنفيذ ما تبقى من اتفاقية السلام الشامل.

ب‌-تصميم برنامج حوار قومي شفاف ينفذ على مدى ستة أشهر تشارك فيه كافة النُخب يتناول الأسباب التي قادت إلى أن يتبنّى الإخوة في الجنوب تقرير المصير، كما يتناول الآثار السالبة والموجبة وما يترتب على نتائجه، على أن يتبع الحوار برنامج توعوي ينفذ لمدة ستة أشهر أخرى يُتوّج باستفتاء إستقرائي لكل المواطنين من غير الجنوب موازياً في موعد الإنتخابات ويكون موضوعه بقاء الوحدة أو الإنفصال لاستقراء الرأي العام الآخر ومدىَ نجاح حملة الحوار والتوعية.  

ت‌-استكمال تعديل كل القوانين قبل نهاية العام 2009.

ث‌-إجراء الإستفتاء في موعده.

إستعادة الشرعية وتأمين الديموقراطية

·        تعديل القوانين المقيّدة للحريات ضرورة مهمّة ولكن تطبيقها إستحقاق أكثر أهمية، والتضحيات من أجل ذلك حتمية قصوىَ، ولم يسجّل التأريخ أن سلطة شمولية التزمت بتطبيق القوانين المقيدة للحريات بعد تعديلها طواعية، لأنها حينئذ تحرر شهادة وفاتها. إلا في حالة واحدة تعود فيها السلطة الشمولية إلى الإصطفاف إلى مواكب إنتشال الوطن من وهاده، لكن دعونا جميعاً ليس فقط نعشم، ولكن نعمل من أجل أن يكون ذلك حقيقة بعد ما شهده الوطن من محن كافية.

أ‌-     إعادة تشكيل المجلس الوطني ليتوافق مع مضمون القومية والحيادية ليتمكن من إنجاز أهم تحديات المرحلة وهو الدستور الدائم.

ب‌-إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي.

ت‌-تعديل كافة القوانين المقيّدة للحريات.

ث‌-إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية.

ج‌-  تمكين النقابات العمالية والمهنية من القيام بدورها النقابي الحقيقي.

العدالة

·        لا تنهض الأمم إلا بتحقيق العدالة الإجتماعية، ولا تستقيم العدالة الإجتماعية بإفلات منتهكيها من العقاب، ولا يعلو التسامح على العدالة دون دفع استحقاقاته من الإعتراف والإقلاع واستيفاء المظلومين حقوقهم، لذلك يقتضي الأمر:

أ‌-     تحقيق مبدأ إستقلال القضاء من خلال إعادة هيكلته وتنقيحه.

ب‌-إستيفاء المظلومين حقوقهم إسترداداُ أو تعويضاً اينما كانوا، بكل تعني استحقاقات الإلتزام بمفردتي الإستيفاء والإقرار من معنىَ حتى وإن طالت الجدولة.

ت‌-عقد المحاكمات العادلة وإعمال مبدأ التسامح عند الإعتراف الموثّق للتجاوز الممرحل للتنفيذ، وتكثيف لقاءات التسامح بين سائر المجتمعات.

في تقديري إن كل من يقرأ هذه النقاط سيتساءل عن كيفية التنفيذ في ظل الواقع الذي نعيشه، والذي يتمسك فيه الحاكمون بأمر الإنقاذ على الأمور وكأن لسان حالهم يقول سنُدفن مع السلطة التي نهبناها في إهراماتنا. كما سيتساءل الجميع عن الآليات، اما الوسائل فيكفي فيها التصدي لنفس الوسائل التي وظّفها الإنقاذ من قبل بالتقويم لتعطي نتائج مغايرة تصب في إتجاه التغيير الموجب، ولعل أوجه التقويم ليست بخافية على كل رائي. لقد أكد بيان جوبا على وجوب مقاطعة الإنتخابات حال عدم تعديل القوانين في الموعد المضروب وهو نهاية شهر نوفمبر 2009، ولما كانت المصداقية تقتضي التمسّك والتنفيذ، تقتضي في المقام الأول الإلتزام بالموعد المحدد وذلك بإيداع وثائق المقاطعة بنفس مهرجان التوقيع على الإعلان. الشعب الذي تقول الإنقاذ عنه أنه رميم، هو الآخر آلية تحتاج إلى إفاقة وترميم، والترميم يقتضي التعامل مع الواقع من خلال تكثيف الندوات واللقاءات الجماهيرية واستغلال الأجهزة الإعلامية بتوسعها وتنوعها في عالم فسيح التواصل، لست مخترعاً جديداً في كل هذا ولكن مذكّراً فحسب. ثم تأتي فوق كل ذلك آلية الحركة الشعبية وما تبقىَ من حياة في حركة تحرير السودان وجبهة الشرق، فكلهم تكمن مصالحهم التنظيمية بجملتها في دعم البرنامج عوضاً عن المفرّق الذي يأتيهم بقهر. وإذا وجدت الإنقاذ نفسها توّاقة للمؤالفة دخلت بيت العفّة وتفاعلت مع الآخرين للخروج بالوطن من منزلقه الذي تمضي فيه للإنهيار بصمت يخاله القابضون على الأمور أنه هدوء الهجعان، بينما الإنهيار يأتي بعد أن تتسرب المياه بهدوء وتتغلغل داخل أوصال التربة الحاملة، كما أن الهدوء دائماً يسبق العاصفة، ولا اخالني أذهب بعيداً أو أخطيء الوصف إذا وضعت العصيان المدني موضع العاصفة.

عبد الجبار محمود دوسه

31/10/2009