Abdul Jabbar Dosa [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

في الحلقة الثانية واصلنا تناول الوسائل بتفصيل وانتهينا عند الوسيلة الرابعة، وفي هذه الحلقة نواصل استكمال الحلقات فنبدأ بالوسيلة الخامسة وهي نظرية فرّق تسد، هي نظرية يمارسها الذين يرغبون في الإستئثار بالسلطة ووحدانيتها حيث لا يحكمهم في تبادلها إلا نتائج ساحة معاركها غير المنضبطة بأي قواعد غير قاعدة الإنتصار والهزيمة للإستئثار أو الفقدان، والإنقاذ منذ يوم أن استولت على السلطة، وضعت نصب عينيها أن أحد دعائم استمراريتها في الإستحواذ بالسلطة المغتصبة يكمن في قدرتها على تقسيم أعدائها، والواقع أن لفظ الأعداء ندفع به في هذا السياق من منطلق واقع الحال الذي آلت بموجبه السلطة استفرادياً للإنقاذ وتصريحات قادتها على الدوام بأنهم لن يتخلوا عنها، وليس من مفردة لوصف مناوئيها أبلغ للتعبير عن لسان حالها بغير ذلك. فعندما نتتبع مسيرة تعامل الإنقاذ مع الأنشطة المناوئة لها، نجد أنها تمرّست في تنفيذ مبدأ الأخذ بتقسيم العدو توطئة لهزيمته، ووظّفت ذلك بشكل دقيق في كل معاركها ومع مختلف مناوئيها، ففي حالة التجمع الوطني الديموقراطي الذي كان آنذاك يشكّل القوة المعارضة الرئيسية والشاملة إلى حد كبير والمهدد الدائم لبقاء الإنقاذ، نظراً لكونه يستند إلى شرعية دستورية وأحزاب لها جذورها وقواعدها بالإضافة إلى قيادات وكوادر سياسية متمرسة، وعلاقات إقليمية ودولية ما زالت حيّة في حينها، وقوة عسكرية متنامية، فاستخدمت ورقة خصوصية أزمة الجنوب لعزل الحركة الشعبية من التجمّع رغم أن الأصل فيها أنها قضية تهم الجميع، لكنها نجحت في عزل الحركة الشعبية في هذا المسار برضاها وتمكّنت من الحفاظ على مسار منفرد للتفاوض معها رغم عضويتها في التجمع الوطني الديموقراطي، والإنقاذ تدرك بفعلها ذلك إنما تعزل القوة العسكرية الضاربة للمعارضة، هنالك ثمة عوامل أخرىَ لها بصماتها لكننا لا نريد أن نتفرع في العوامل الأخرى التي ساهمت بقدر ثانوي إلى جانب الأسباب الرئيسية في الوصول إلى هذه النتيجة، لأننا بصدد الإضاءة على ركائز الوسيلة محل الحديث. الإنقاذ وهي تفعل ذلك كانت تؤسس في سياق موازي لتفاوضها في إنشاء بؤر التقسيم داخل الحركة الشعبية نفسها، فاستطاعت أن تقتلع من الحركة الشعبية فصيلين إثنين، من أحدها كانت اتفاقية الخرطوم وهو الفصيل الذي قاده الدكتور رياك مشار، بينما كانت رديفتها اتفاقية فشوده للفصيل الذي قاده الدكتور لام أكول، ويتضح لنا جلياً في أن القاسم المشترك في إنجاح نشوء هذه البؤر إنما كانت النغمات الصادرة من وتر القبيلة وعجز قائدا الفصيلين من ترتيب الأولويات تجاه الخلافات الثنائية وموقعها من أصل الصراع مع الآخر عندما ركنا إلى تقديم القبيلة واستخدامها كدرقة لتحقيق مكاسب ذاتية على أولوية الفوز في الصراع مع الإنقاذ لتحقيق حقوق أهل الجنوب.

ثم كانت الخطوة الثانية لتنفيذ نظرية تقسيم العدو وهو محاولة إخراج حزب الأمة من التجمع الوطني الديموقراطي بحسبان أنه كان يشكّل القوة العسكرية الثانية في التجمع الوطني الديموقراطي وصاحب أكبر شرعية دستورية داخل الحكومة ناتجة عن آخر إنتخابات، فمنها كان رئيس الحكومة. حجم هذا الإدراك كان نتاجاً لما يمكن أن يشكّله حزب الأمّة بثقله آنذاك في التحركات الدبلوماسية في المحيطين الإقليمي والدولي ومدىَ انعكاس كل ذلك في تحجيم التحركات الدبلوماسية للإنقاذ لا سيما عندما تضع الدول الطرفين على ميزان الترجيح، وبالتالي عمل النظام من خلال اتفاقية جيبوتي إلى عزل حزب الأمة بإخراجه من التجمّع وبرضائه، وكانت تلك وما سبقتها من حصرية التفاوض مع الحركة الشعبية قد شكلتا ضربة قوية لتماسك المعارضة الموحّدة، وانتصاراً للإنقاذ في تطبيق نظرية تقسيم العدو توطئة لهزيمته. وعلى ذات المنوال  وبنفس التأثيرات على المعارضة الموحدة جاءت اتفاقية (جده) مع رئيس الحزب الإتحادي الديموقراطي التي وقّع فيها الاستاذ علي عثمان محمد طه نيابة عن الإنقاذ.

لم تتوقف مساعي الإنقاذ في تطبيق وحصر نظرية التقسيم على نطاق مَن تحس بأنهم مناوئون لها فقط، بل عملت على تطبيق ذلك النهج من خلال تقسيم الأقاليم والولايات والمحليات، لم تكن الدراسة العلمية والجدوى هما أساس التقسيم، بل التوالي لها يأتي أولاً ثم رسم الخطوط القبلية التي شكّلت فيما بعد شرارة التقاتل القبلي بعدما أطلق حملته الشهيرة بما سمّي قوافل المبايعة القبلية، في نظام يدّعي أنه يقوم على مؤسسات عصرية. ورغم إدراكنا بأن القبيلة كيان أهلي إجتماعي لا ينبغي له أن يوالي سياسياً اي جهة باسم القبيلة، لأنه حينئذ يكون قد انحرف من مهمته، فالأصل في الممارسة السياسية أن ينتمي الناس أفراداً للأحزاب وليس من خلال مؤسسات أياً كان وصفها، وهذا ما نجده في النظم الاساسية واللوائح القانونية للأحزاب، بيد أننا نشهد أن ممارسات الإنقاذ تخرق هذه القاعدة. والحقيقة أن تلك الحملات ما كانت إلا جزءاً من سياسة فرّق تسد وبايع تُقرّب. النظام ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث طالت سياستة حتى الأفراد. ثم جاءت اتفاقية نيفاشا كأول تتويج لإستراتيجية تقسيم العدو توطئة لهزيمته، لا اغفل ولا أُسقط حجم الإستحقاقات والحقوق التي تحققت للحركة الشعبية وللجنوب من وراء الإتفاقية، فالأهداف تتوافق وتُفضي إلى نتيجة تحقق النجاح لكل الأطراف رغم تضادها، لكنها قطعاً تتفاوت في حجمها ونوعها، كما أننا نتناول المسألة في سياقها القومي وضمن ما يمكن أن يقال له استراتيجية المعارضة الموحّدة لاستعادة الشرعية السليبة، وعلى ذلك يمكن أن يُقاس مدىَ النجاح.

ليس صحيحاً أن اتفاقية نيفاشا جاءت على غير ما تشتهي سفن الإنقاذ، بل العكس، فقد أكسبتها شيئاً من مناعة يساعدها على التمسك بمطالبتها بقدر من شرعية بقائها لتنفيذ الإتفاقية حين اعطتها نسبة 52% من السلطة الإتحادية وربما 90% من السلطة في الولايات في شمال وغرب وشرق ووسط السودان، كما خفف عنها الكثير من الضغوط الخارجية الناتجة في الأصل عن عدم رشد سياستها الخارجية، وقد مثّلت ممارسات السياسة الخارجية في مرحلة التمكين ذروة خطل تلك السياسة، بل يكفيها أن الحركة الشعبية قد أصبحت خارج منظومة المعارضة الموحدة الداعية إلى استعادة الشرعية، ولم يكن ذلك إلا ليعني إسقاط الإنقاذ.

لم يكن اندلاع الأزمة في دارفور على عفوية بدايتها ونبل مقصدها وعدالة مضمونها إلا رصيداً إيجابياً للإنقاذ، وحيث أنها كذلك فقد حرصت على إبقائها والحفاظ على حالة الإضطراب لأطول مدة ممكنة، كيف يمكن تبرير تصرّف نظام خارج للتو من نزاع قاسي أنهكه بكل ما تحمل الكلمة من معنىَ وعبر اتفاقية لم يكن له فيها أن يُملي شيئاً لأنه لم ينتصر عسكرياً تماماً كما لم ينتصر فيها الطرف الآخر، كيف يمكن له أن يختار التورّط في صراع آخر من نفس الشاكلة بينما كانت المطالب المقدّمة له من الطرف الآخر في اللقاءات التي تمت عبر والي الولاية لا تمثل شيئاً كبيراً، بل دعونا نفترض أنها كانت تمثّل شيئاً كبيراً، اما كان الرشد يقتضي أن يبتر النظام دابر الأمر فيعقد اتفاقاً بالموافقة على تلك المطالب وسد ذرائع ما تتصور وتقول عنه بوابة التدخل الأجنبي في السودان عبر الأزمة في دارفور، علماً بأن تسعة جولات من المفاوضات المباشرة بين الحركات والمفاوضين من الحكومة قد تمّت دون أن يسمع أي أجنبي بأن هناك أزمة في دارفور.

لقد عمدت الإنقاذ إلى تأجيج نيران الحرب في دارفور حتى يتسنى لها أن تبلغ من الازمة مكاسب مشهودة بما تعتقد بأنه يطيل من بقائها ويعزز بحثها عن الشرعية المحلية والدولية، وكانت سياسة فرّق تسد ركيزة اساسية في بيئة صالحة لنمو تلك البذرة ونضوجها في أقل الأوقات وبأقل الجهود، وهكذا تجدون أن اتفاقية أبوجا كانت جزءاً من سياسة تقسيم العدو توطئة لهزيمته من خلال أن الإنقاذ قد كسبت آنذاك إخراج حركة تحرير السودان التي يرأسها حينها الأستاذ مني أركو مناوي باعتبارها القوة الضاربة الأولى في ذاك الوقت خارج الحرب، ولا ينبغي أن يقال باننا نناقض قولنا حينما ذكرنا أعلاه بأن الحرب في دارفور كانت في مصلحة الإنقاذ، ثم نأتي ونضع الطرف الآخر في الحرب بأنه عدو للإنقاذ مما يفرض لمنطق القول أن يشير إلى أنه ينبغي أن يكون صديقاً وإن أذت نيرانه الإنقاذ، الأمر ليس كذلك، لقد قلنا دائماً أن الأهداف تتوافق من حيث الرؤية الشكلية، ولكنها تتقاطع من حيث مضمونها. لقد كانت هناك حيثيات لم يتم الحديث عنها بعد للإجتماعات التمهيدية التي تمّت بين الأستاذ مني أركو مناوي وجهات عديدة لتهيئة موافقتة على وثيقة الإتفاق التي رفضها كبير مفاوضي الحركة ومعه عدد كبير من أعضاء وفد التفاوض آنذاك، وحتماً سيأتي اليوم المناسب لمن يملكون تلك الحقائق من تمليكها للناس والتاريخ لأنها حق عام ولكن لم يحن أوانها بعد، لا سيما والقضية ما زالت قيد المناكفة، كما وأن كثيرين ممن ناصروا توقيع الإتفاقية تحت تلك الحيثيات بكل جوارحهم يعيشون اليوم حالة من أسرٍ للنفس اللوّامة، ولربما رجحت كفّة الخير فيهم يوماً.

بيد أن عملية إنفراط عقد أحزاب المعارضة الموحدة الممثلة في التجمع الوطني الديموقراطي قد نسخت منه الإنقاذ توائماً وفُرادىَ حتى بلغ الأمر ما نحن عليه اليوم من مترادفات لمسميات الأحزاب المنقسمة من حزب واحد لا يفرّق بينها في الإسم إلا تعريفاً خجولاً بإضافة كلمة ورمز، وكيف أن الإنقاذ قد تمكّنت من استقطاب أغلبها لتجعلها احزاباً موالية يستجيب شهيقها لزفيرها وتُبادل ابتسامتها بشاشتها، حيث تم تفريغها وحشوها كما تُحشىَ الطرائد المُصادة وتُوضع محنّطة للزينة فتحسبها حية وما هي بذلك، ومع اعتذاري للكثيرين من قيادات تلك الأحزاب من الذين سقطوا فرائس هذا المخطط دون أن يكونوا راغبين وربما مرغمين، إلا أن البعض الآخر كان قد ركن طواعية تحت إغراء خُضرة الأعشاب القصيّة رغم إدراكه بأن ذئب الإنقاذ على مقربة منها، وليس الأستاذ مني اركو مناوي الموقّع على الإتفاقية ورهط القيادات التي أسست حركات تحت مسمّىَ المنحازين لها، والأستاذ موسى محمد أحمد الموقّع على اتفاقية جبهة الشرق الذين جاءوا عقب نضالات دفعت فيها قواعدهم أغلى الأرواح وخلّفت دماراً لا مثيل له ببعيدين عن إحدىَ الفئتين بعاليه. هذه الفقرة هي خاتمة التفصيل المختصر لما نراه من نجاح مذهب الإنقاذ في تطبيق سياسة تقسيم العدو توطئة لهزيمته، وكان ذلك بكل ما حوى من إستطالة في التحليل هو ما يفسّر نتائج الوسيلة الخامسة من الوسائل المشار إليها أعلاه في مسيرة نجاح تمكين الإنقاذ واستمراريتها الأحادية. في الحلقة الرابعة من هذه السلسلة سنستكمل بإذن الله بقية الوسائل لنمهّد بذلك طريقنا إلى الحديث عن ما نراها آليات استخدمت لذلك.

عبد الجبار محمود دوسه

12/10/2009