الشعب السوداني بأكمله داخل السودان وخارجه توجه بكل أحاسيسه ومعنوياته نحو مدينة جوبا التي هاجر إليها قيادات القوى السياسية التقليدية والحديثة للمشاركة في مؤتمر يتناول القضايا المصيرية ويحاول معالجة المأزق السياسي السوداني الذي نما والتصق بضمائر النُخب وجسد الوطن كما يلتصق الصدأ بالمعدن، وتراكمت سماكته عبر عشرين عاماً كما تتراكم الأسانة على طبقات البرك المائية. لم يقتصر التوجه على الشعب السوداني فحسب، بل شاركه في ذلك دول المحيط الإقليمي والدولي من خلال تصريحات كبار المسئولين التي نقلتها أجهزة الإعلام الدولية. لعل الناظر لولع هذا التوجه يدرك بأنه نتاج طبيعي لجمود عجلة الحراك السياسي المتنوع الذي صاحب عهد الإنقاذ والذي أفرز حالة من الأحادية في كل شيء، فكان لا بد لمثل هذا المؤتمر أن يجذب أنظار الجميع ويأسر قلوبهم ويدفع بالكثير من الآمال والأماني في دواخلهم، مستندين إلى الواقع المزري الذي ظلّ يهيمن ويعصف بأي بارقة أمل في أن يغير نظام الإنقاذ من نهجه في التفاعل مع أي مشروع صادق يستهدف تقويم النظرة الأحادية في إدارة الدولة السودانية.

لقد نجح مؤتمر جوبا في استقطاب الأنظار إليه وكان ذلك طبيعياً لما ذهبنا إليه أعلاه، وانعكس هذا النجاح في نوعية القضايا التي طُرحت من حيث عناوينها وربما إلى حد كبير مضمونها، ولما كان الطرح قد أصاب هذا النجاح لم يكن لأكثر المتشائمين في الساحة أن يتصور بأن الإعلان الصادر سيأتي بالصيغة التي أقل ما يمكن أن نقول عنه بأن التوفيق لم يحالف المؤتمرين فيه، فالوسائل والآليات ليست واضحة وبالتالي فالإعلان يبدو وكأنه جملة توصيات ستبقى حبيسة أدراج الإنقاذ التي دأبت على التعامل مع كل دعوة لمعالجة قضايا الوطن بفهمها ونهجها. لا بد أن القيادات التي أمّت المؤتمر مدركة وبشكل أكبر لما ينبغي أن يشكّل مصفوفة متكاملة للمعالجات للقضايا المصيرية للوطن في مؤتمر بهذا القدر، ذلك أنه مؤتمر أملته مقتضيات مصيرية ويجيء انعقاده في ظروف حرجة، وينتظر مخرجاته شعب أنهكته السلطة الأحادية فكاد أن يصاب ببكم من فرط كبت حرية التعبير عنه، وبات قاب قوسين من أن يتمكن منه الصمم من فرط ما ظلّ يسمعه من طنين لا يُطرب ولا يلبّي ابسط قواعد التنوع اللحني، أمّا عن حالته الإقتصادية فالفقر المدقع الذي يلفّه هو أبلغ من يعبّر حتى وإن لم يتكلم.

دعونا نأخذ سياحة تحليلية لمسيرة عشرين عاماً منذ أن سطت الإنقاذ على السلطة في عملية نهب مسلّح، فنتناول بشكل مقتضب في هذه السياحة عوامل القوة التي مهّدت للإنقاذ في أن تتجاوز كل الصعاب التي واجهتها ضمن أزمة الحرب المستمرة في جنوب السودان وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، ومشروعات استعادة الشرعية الدستورية التي سلبتها بانقلابها والتي تبنّتها الأحزاب السياسية المعارضة من خلال تأسيس التجمع الوطني الديموقراطي، مروراً بالإمتعاض الشعبي الصامت لمرحلة التمكين من خلال تأصيل سياسات القهر والتعذيب وما أطِلق عليها بهتاناً إحالات للصالح العام وسياسات إفقار الشعب واحتكار الثروة، ثم أخيراً مشروعات الثورات المسلّحة التي اندلعت في دارفور والشرق، والثورة الناعمة التي تمضي في أقصى الشمال.  مثل هذه السياحة وإن كانت مقتضبة التحليل، إلا أنها بلا شك تمكننا من أن نبلغ قدراً من المعقولية والمنطقية فيما ذهبنا إليه من القول بأن مخرجات مؤتمر جوبا لم يحالفها التوفيق. وسنمضي من خلال سلسلة مقالات أن نُلامس الأحداث التي ظلّت تجذّ أوصال الوطن منذ البيان الأول للإنقاذ وحتى مؤتمر جوبا، ونطرح ما نعتقد بأنه الإعلان الأكثر مؤاءمة مع حجم الطموحات التي كانت مرتجاة من المؤتمر.

تدركون أن تحقيق أي هدف يتطلب بالضرورة وسائل ناجعة وآليات متوافقة كعوامل اساسية لتحقيق النجاح، من طبيعة الفطرة أن تتباين الظروف الزمانية والمكانية، وأن يكون لها قدراً من التأثير سلباً أو إيجاباً على تحقيق الهدف، وقد يكون للعوامل الإقليمية والدولية دوراً بقدر في ذلك، ولكن يظل الأمر الحاسم في مدىَ توافق الوسائل والآليات التي وُضِعت لتحقيق الأهداف، يصقلها ويصهرها نوع الإستراتيجية الموضوعة تخطيطاً وتنفيذاً. فالإنقاذ اعتمدت عمداً أو غفلة في وسائلها المجملة لتحقيق نجاحاتها في تجاوز كل تلك العقبات التي ذكرناها حيث اعتمدت نهجاً من الصهر بين الوسائل التالية:-

1-        إستغلال النزعة النفسية في دواخل الإنسان السوداني في الملل والرغبة في تغيير الحكومات أياً كان نوعها.

2-        العزف على الوتر الديني بحسبان توافر كوامنه على إصدار نغمة لها مخزون من القدرة على تفعيل التخدير المعنوي في تحييد الغالب البريء من الشعب وتثبيط همم المنتفضين منهم، إضافة إلى توافر القدرة على استثارة هيجان المندفعين لاستغلالهم في البطش الأعمىَ كحملات ما عُرفت بمتحركات الجهاد في جنوب السودان وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق.

3-        إستغلال عقيدة الإنتماء المتماسكة للمؤسسة العسكرية.

4-        تفعيل أقصىَ صيغ البطش والقهر والتعذيب في ظل تجذّر حُلم الإنسان السوداني وخلو سريرته من تبنّي أنماط العنف المعاكس المتمثل في صيغ الإنتقام، واستغلال هذا الموروث المعروف بنجاحاته في إخماد كوامن القدرة على تفعيل صيغة تنظيم المناهضات الشعبية المدنية في السودان على وجه التحديد، والتي عادة ما تتوّج بالعصيان المدني ومن ثمّ إسقاط الأنظمة الدكتاتورية، وهي صيغة مطوّلة لما يُعرف اختصاراً بالإستخدام المفرط للعَصىَ.

5-        إعتماد النظرية القائلة، بأنه إذا رَغِبتَ في هزيمة العدو، عليك بتقسيمه، وهي صياغه مرادفة لما يُعرف بفرّق تَسُد. بيد أن الأولى تستخدم لبناء إستراتيجية عسكرية لإدارة المعارك، والثانية تستخدم لبناء إستراتيجية سياسية لإدارة المجتمعات.

6-        الإفقار والتجويع للشعب ثم تقديم الجزرة لمن أنهكه الصمود فانهار.، وبالتالي تكون الجزرة دائماً مقابل مهام موالية حتىَ يبلغ الأمر بأن ينطبق المثل، جوّع كلبك يتبعك، او الكلب بيحب خناقه، هذا طبعاً مع الإعتذار الكامل لإيراد هذه العبارات رغم شيوع استخدامها في إطار تداول المثل.

7-        إستغلال مناخ الإفساد بكل أنواعه والذي طغىَ علىَ الحياة اليومية بغياب الضمائر وتراجع تطبيقات مبدأ الرقابة والمحاسبة، فينغمس فيه من ينغمس ومن ثم تُفرض علىَ المنغمسين المهام القذرة فلا يملكون سوىَ الطاعة.

هذه هي بقرات الإنقاذ السبع العجاف اللائي أكلن البقرات السمان لموروثات الشعب السوداني من أعراف اصيلة وتقاليد سمحة وقواسم أخلاقية مشتركة. وقد نجحت الإنقاذ بامتياز في استغلال هذه الوسائل بتوافق وتوازن في تحقيق اهدافها فيما قبل وأثناء وبعد مرحلة التمكين، مع تغييب تام لكل أثر من آثار التقيّد بأي ضوابط عرفية. ولا أسلب بالطبع منهجية التحليل أحقية وجود وسائل أخرى أعتبرها في وجهة نظري متواضعة وذات تأثير ضعيف بينما قد يعتبرها آخرون أساسية ومؤثّرة. دعونا نسبح في فضاء كل وسيلة من هذه الوسائل لنضعها في مدار محدد ضمن نفسها وضمن المجرّة الجامعة للوسائل لنحدد بشكل مختصر فاعلية الوسيلة في تزويد ماكينة الإنقاذ بأسباب نجاحها في البقاء حتى الآن. ذلك ما سيكون محل مقالنا في الحلقة الثانية.

عبد الجبار محمود دوسه

عن أجراس الحرية

Abdul Jabbar Dosa [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]