Abdul Jabbar Dosa [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

ضمن تصريحاتهم المتواصلة خرج مستشار رئيس الجمهورية الفريق صلاح قوش قائلاً " ليست هنالك أي جهة لتغيير النظام القائم " وعلى نفس النهج تبعه مساعد رئيس الجمهورية د. نافع علي نافع فقال " الحديث عن حكومة قومية قبل قيام الانتخابات هو «سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء»، وشبه المنادين بهذه الحكومة بالذي يبسط «كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه». هذه هي تصريحات قادة الحزب الحاكم، وهي تصريحات ظلّوا يرددونها طوال هذا العام بمنطق النوافل، غير أنه منذ أن بدأ إحساسهم بما تفعله الهمسة التي بدأ يعبّر بها عن رغبتة في استعادة حريته وحقوقه الإنسانية حتى تحوّلت تصريحاتهم إلى منطق الفرض. ذلك أن مجرد همسه يمكن أن تتشكل وتتبلور في ضمير الشعب وتنمو وتنفجر وتدفع برياح التغيير التي تزيل عن كاهله قهر السنين العجاف. لذلك ليس غريباً ولا معيباً في عرف الإنقاذ وثقافة قادتها أن تصدر منهم مثل هذه التصريحات، وأن يتبعوها بالعمل الناجز المتمثل في استمرار نهج الإستئثار بكل إمكانات الدولة ووسائلها لصالح حزبهم وتأصيل حرمان الآخرين، إن مساحة التغطية اللامتناهية التي يتيحها التلفزيون القومي لمؤتمرات المؤتمر الوطني على مستوى القطر وفي الريف والحضر، ومتابعة أنشطة قادته في كل محفل، صغيراً كان أو كبيراً ليس بخاف على كل رائي، حتى أنه ليترك عند كل مراقب أن القناة هي قناة الحزب، بينما في الجانب الآخر تظل محاصرة القوى الأخرى وكتم أنفاسها ومنعها حتى من أبسط الحقوق الدستورية هو الوجه العملي المكمّل لتصريحات قادة الإنقاذ. ولعل منع الأحزاب مِن إقامة ندوات سياسية لا يُرىَ وميضها إلا للذين يؤمونها حضوراً لهو أحد الادلّة الدامغة، ناهيك عن أن يفكّر عاقدوها في تغطية تلفزيونية.

لا حاجة للتوسع في شرح ثوابت الحياة في هذا الكون والتي تؤكد بأن حتمية التغيير واقعة في كل شيء، وذهاب الإنقاذ أو بقائها لا يقاس بمعايير إثبات مستجلبة من فراغ، وبالتالي فهي تنطبق عليها تماماً وتمشي عليها قواعدها، هذه هي مشيئة الواحد الباقي. الراغب في معايرة تصريحات قادة الإنقاذ المتنافرة مع الحقيقة لا يجد سوىَ ثلاثة تفاسير، التفسير الأول هو أن قادة الإنقاذ وهم العارفين بهذه الحقيقة تماماً على خلفية حصيلتهم من المعرفة إنما يدفنون رؤسهم في الرمال ويحاولون خدعة أنفسهم وتصديق الخدعة والبقاء في حالة تخدير معنوي دائم حتى إذا وقعت واقعة التغيير يكونوا في سبات دائم بإحساس غائب، وهذه كبيرة، والتفسير الثاني ولا يجد لدينا مساحة من القناعة به ولا قبولاً، وهو أن قادة الإنقاذ حقيقة يؤمنون بأن نظامهم دائم ولن يطاله التغيير ابداً، وهي حالة شبيهة بحالة فرعون الذي كان على قناعة بأنه إله شعبه إلى أن تراءت له الحقيقة وهو يصارع الأمواج فاعترف بضعفه وبحقيقة التغيير، وأن صحّ ذلك فنحن في بلوة من أمرهم لأنهم شريحة من هذا الشعب اصابها ما اصابها، أما ثالة الأسافي وعظيمة الكبائر من التفاسير فهي أن يكون الكِبر والغرور لدىَ قادة الإنقاذ قد بلغ مبلغاً من التعظيم فقادهم إلى حالة فرعون.

لقد سرد لنا التاريخ حالات مماثلة وأخرى متناسخة لما نحن فيه، وضمن ذلك السرد التاريخي استبانت شعوب كثيرة حقائق اممها في سابق الايام، واعتبرت شعوب من غيرها فكانت أكثر حظاً وابلغ سعادة، بينما لم تجد بعض الشعوب ممن تعامت عن الحقائق سوىَ العبرة في الذات، وما أقساها من عبرة. من المعلوم أنه على قدر القهر تأتي وسائل التغيير، ففي فرنسا على سبيل المثال تهيأت ظروف الثورة التي استمرت لعشر سنوات من العام 1789 إلى 1799، من خلال تزايد رفاهية طبقة النبلاء وإثقال كاهل عامة الشعب بالضرائب للحفاظ على تلك الرفاهية لهم ولحاشيتهم ممن يُسمون بالأكليروس، وهي حالة أشبه بما يعيشه الشعب السوداني اليوم، وقد مرت تلك الثورة بثلاثة مراحل، المرحلة الأولى منها ومدتها ثلاثه سنوات تم فيها تأسيس الجمعية الوطنية (البرلمان) واحتلال سجن "لاباستي" وإلغاء الحقوق الفيودالية وإصدار بيان حقوق الإنسان ووضع دستور البلاد، وتميزت المرحلة الثانية ومدتها سنتان بتصاعد النظام الثوري وبداية النظام الجمهوري، أما المرحلة الثالثة وهي خمس سنوات انطوت على تراجع المد الثوري وتمدد البرجوازية المعتدلة بسيطرتها على الحكم من خلال وضع دستور جديد وشهدت ايضاً تحالفهاً مع الجيش وتشجيعاً له للقيام بانقلاب وكل ذلك كان الغرض منه تصفية الثورة. لكن تحت كل الظروف وبكل المقاييس تبقىَ هي الثورة التي أرست قواعد راسخة للجمهورية الفرنسية التي نراها اليوم كعنوان ماثل لرفض الشعوب لأي شكل من أشكال التمايز القائم على إستئثار فئة ما بالحق العام من السلطة والثروة وتحويلهما إلى ملك حصري وقهر بقية الشعب وفي نفس الوقت يتوقعون من الشعب أن يصمت.

عطفاً على هذه الحقيقة فعندما نطرح تصريحات ووعود قادة الإنقاذ بالتحول الديموقراطي والتبادل السلمي للسلطة من خلال التعددية والإنتخابات الحرة النزيهة ونقيس كل ذلك بأفعالهم، نجد وكأنها تخاطب كيانات بشرية مقهورة ومغسولة الدماغ ومستنسخة لا تُردد سوىَ صدىَ قاهرها ولا تفّذ إلا ما يُملىَ عليها، لقد أضحىَ الأمل في أن تعتبر الإنقاذ من تجارب غيرها وتتعظ أملاً وضيعاً وميئوساً بقدر إدراك الناس لمرجعية سطوها على السلطة الشرعية، ولما كان الحال في استيئاس الأمّة من هذا المستصغر فلم يكن إلا أن يُستصاف بصفة طيف من خيال ظلّ يتهاوىَ وتتناثر شظاياه كما لو كانت تسحبها جاذبية نسيان أبدية. الدعوة إلى التغيير تقع ضمن واقع الإمكانية أياً كانت الصيغة أو الوسيلة وبالتالي فالدعوة للحكومة القومية الإنتقالية ستظل ممكناً لطالما تقع ضمن إطار الممكن، ويعضض من وهجها مضمون المثل القائل، إذا كانت هنالك عزيمة فهناك طريقة. وما ذهب إليه بعض قادة الإنقاذ من تشبيه للداعين إليها، مذهب يجافي المنطق بحسبانه مذهباً يسعىَ إلى إلواء عنق الحقيقة واستبدال الممكن بالمستحيل، حال قادة الإنقاذ هؤلاء نقول عنهم بأنهم يلهثون خلف المستحيل، وهذا يعني أنهم لم يستوعبوا الممكن بعد، وأماني قادة الإنقاذ في سرمدية وبقاء نظامهم والسلطة التي سطو عليها بليل تندرج ضمن هذا الإطار.

عبد الجبار محمود دوسه

19/9/2009